مناقشة لرأي ممدوح عدوان

في مسألة الحساسية الفلسطينية(*)

 

    كتب الزميل ممدوح عدوان في العدد (1180) و(1183) من "الحرية" مقالتين عن مسألة الحساسية في الوسط الفلسطيني، وأمور أخرى، وقد وجدت أن فيهما بعض المسائل والمفاهيم المفتعلة،مما يجعلها قابلة للنقاش والنقض، ومن البداية اؤكد على موضوعية الفرق بين النقاش الذي يريد الموضوعية، ويكون هدفه تأييد رأي أو نقضه، وذلك  النقاش الذي يدخل في دائرة التجريح والتجني الشخصي أو الموضوعي00ولما كانت العلاقة بين الزملاء الكتاب، ينبغي ان  تكون ودية، أعتقد ان هذه المناقشة تهدف إلى الرد الموضوعي،كي لا تظل بعض المسائل الواردة في مقالتي الأخ ممدوح عدوان، وكأنها مسلمات.

 

أسلوب أفعل التفضيل

    نحن- كعرب- قوم نغرم منذ الجاهلية بالمبالغة، سلباً أم ايجابا، لذلك تكثر في كتاباتنا وأقوالنا أساليب المبالغة والتهويل، ويكاد يكون ما يسمى في البلاغة العربية "أسلوب أفعل التفضيل" هو السائد في هذه الكتابات والأقوال 0وفي حياتنا اليومية يكاد تكون  صيغة "أفعل " هي الغالبة(00أحسن اغنية  سمعتها) (أسوا فيلم شاهدته) (أعظم مناضل)00الخ وأول ما يصدم في السطور الأولى لمقالة الاخ ممدوح عدوان في العدد(1180) هذه الصيغة المبالغة التي لا تجعل الكلام علميا ومنطقيا000ولنعيد معا قراءة هذه السطور من المقالة:

 

أ‌-  عن احمد فؤاد نجم يقول:

"00ويعتبر رمزاً ثقافياً لصمود الشعب في وجه الحكام وللتصدي لكامب ديفيد" وذكرتني هذه الجملة بالاعلان الموزع في شوارع دمشق، وعلى حيطانها، عن أمسية للشاعر أحمد فؤاد نجم، فاذا له صورة تتصدر90% من مساحة الاعلان-الملصق، سطور قليلة، بالصعوبة تراها العين00هذا الاسلوب ، سواء بالمقالة أم الملصق، دليل على أسلوب المبالغة البعيد عن العلمية والمنطق، فلا أعتقد ان الذي ذهب للأمسية الشعرية للشاعر أحمد فؤاد نجم، قد ذهب لأنه مبهور بمقاييسه الجمالية الظاهرة في صورته-الملصق، ولكنه بالتاكيد ذهب ليسمع شعراً سياسياص ملتزما، يعبر عن وجدانه وطموحاته0

ب-عن محمود درويش يقول:

    "00وقد قال هذه العبارة عن شاعر "ملأ الدنيا وشغل الناس" ويعتبر-- دون منازع –صوت الشعب الفلسطيني وصورته الشعرية المتقدمة المعبرة عن نضاله00" لا اعتقد ان صيغة المبالغة هذه قريبة من العلم  والمنطق، ولا نظن أن محمود درويش نفسه يرضي عنها.

درويش ونجم والوزن ذاته

    اما فيما  يتعلق بعدم تأييد محمود درويش "للانتفاضة" ، فلا نظن هذا سببا يمكن ان يكون مصدر نقد له، ولا يمكن أن يجعله أحد مدعاة للاساءة اليه، لانه"لم يؤيد كل الكتاب الفلسطينيين "الانتفاضة"، فلماذا محمود درويش بالذات؟0وحتى الكتاب الذين أيدوا "الانتفاضة"، في البداية عاد بعضهم وأنفض من حولها، بعد ان خبرها عن قرب، وتعرف حقيقة على رموزها، وأدرك ان مراهنته  عليها لم تكن في محلها00فما العيب في ذلك؟الكاتب والصحفي حر في مواقفه، بشرط ان تظل داخل دائرة السلوك الوطني00أما كون منتقدي درويش، أرادوا بديلا من الوزن ذاته، فلا اعتقد ان هناك من يبحث عن البديل لدرويش، لان هذا لا معنى له وليس حقيقة00هل محمود درويش قائد سياسي،  ويسعى خصومه للاطاحة به، وفرض احمد نجم مكانة؟00ان عظمة أي شاعر تكون بمقدار ما يكون صوت شعبه وقضيته، وعندئذ لا يستطيع احد  ان يطمسه ويتجأوزه0ولا نظن الاعلام الرسمي لمنظمة التحرير التي يؤيدها درويش، هو الذي جعل منه شاعرا كبيرا00لقد وصل لذلك بموهبته الفنية وقدرته على ترجمة مشاعر شعبه00وطالما هو كذلك، فلا يستطيع احد ان يفرض بديلا له، رغم عدم قناعتي بحكاية "البديل "هذه فالساحة الابداعية، تتسع للجميع، وليس لها منصب رسمي بتزاحم المبدعون عليه، الا اذا توهمنا ان هناك امارة للشعر العربي، يسعى العديدون لمنصب"أمير الشعراء"فيها، كما كان في زمن احمد شوقي.

 

درويش والجمهور

    اما عن الموقف السياسي والدور الجماهيري لمحمود درويش، فقد أساء ممدوح عدوان لمحمود درويش وهو يعتقد أنه يدافع عنه00يقول عدوان:"00اذا كان محمود درويش قد قال ذات يوم انه شاعر القضية، ولكن هذا لايعني انه راقصه ترضي الجميع،بل هو يساري وشيوعي ، فان هذا الانحياز لم يحوله إلى ميأوم، بل فرض شيوعته ويساريته على جمهوره"،ان هذا غير صحيح على الاطلاق، وهو قول يجمع العديد من المتناقضات في سياق واحد، ودون رابط يربطهما:

أ-ان الراقصة نفسها، شرقية أو غربية، لا ترضي جميع الاذواق، وهذا مثال ثقيل الدم ومسيء –وربما بقصد- في هذا المقام

ب- من حق أي شاعر ان يقول: انه شاعر القضية، واي قصاص ان يعتبر نفسه: قصاص القضية ، واي روائي ان يظن انه روائي القضية00الخ اما النقد والدارسة والتمحيص فلها وسائلها في التعامل مع هذه المقولات، لأن من يقول عن نفسه ذلك شاعرا ام روائيا ام تشكيليا، فينبغي أن يكون فعلا كذلك والا   فأن ذلك يدخل ضمن سياق المبالغة والنرجسية،وما أكثرهما-وابشعهما-في عالم الكتاب والصحفيين بالذات.

جـ -اما مسألة فرض محمود درويش لشيوعيته ويساريته على جمهوره، فلم أفهم معنى ذلك، وبعد التأني والبحث، اقتنعت بعدم صحة ذلك، لان محمود درويش لم يفرض شيوعيته على الجمهور، ولم يسع لذلك، لان البرنامج الشيوعي الفلسطيني ،لاعلاقة له بالخلفية الفكرية لشعر درويش، ولان هذا البرنامج لا اجماع عليه في الساحة الفلسطينية، كغيره من البرامج، وربما يكون منتقدوه اكثر من منتقدي غيره من البرامج السياسية، ولم يتعامل الجمهور مع درويش كشيوعي، ولكن كشاعر فقط.

 

الحساسية الفلسطينية

    في هذه المسألة جاءت اقوال ممدوح عدوان مرتبكه وغير دقيقة، مما جعلني مقتنعا انه غير مهموم في الاساس بالدفاع عن محمود درويش، ولكنه مدفوع  لنقد نجم، وربما تجريحه دون مبررات00لذلك وقع في المتناقضات والمناكفة غير العلمية0

q  صحيح ان الذين شاهدوا محمود درويش على شاشة التلفزيون يصافح حسين، تمنوا لو لم يشاهدوه، فهي لقطة تلفزيونية تنكد على المشاهد،  ولم يكن يتوقعها  ومحمود درويش اكبر منها بكثير00لذلك ليتها لم تحدث!!

q  ولكن غير صحيح على الاطلاق قول ممدوح عدوان ، " أن في الساحة الفلسطينية الان حساسية مفرطة تجاه الشؤون الفلسطينية والمتعاملين مع هذه الشؤون من خارج المؤسسات00ان الشارع الفلسطيني ما زال يعتبر ان عرفات ودرويش وغيرهما من شؤونه الخاصة، وهو صاحب الحق في انتقاهم ومناقشتهم، وحتى شتمهم أو تصفيتهم بالوسائل السلمية أو العنيفة، ولكن حين يأتي شيء من هذا من خارج الدائرة الفلسطينية، فانه يصبح تطأولا يمس خصوصية الاسرة الفلسطينية0

    لا اظن ان ممدوح نفسه مقتنع بذلك ، لان هذه الحساسية الفلسطينية غير موجودة أساسا، بدليل أن ممدوح نفسه، كان دوما-وما يزال- يمارس نقد الحالة الفلسطينية التي تستدعي النقد، فلماذا لا حساسية منه، وتأتي الحساسية من غيره00ان ما قاله أحمد نجم عن محمود درويش " أنه شاعر كبير يذكر بالمتنبي، لكنه شاعر بلاط"00كان ينبغي مناقشته على اعتبار هل هذا صحيح أم لا ؟0 هل صحيح ان درويش شاعر القضية ام لا ؟وهل صحيح انه شاعر بلاط ام لا؟0كلا الناحيتين، كان يمكن مناقشتهما لاثبات الصحة  والخطأ فيهما، أما مرض(الحساسية الفلسطيني)، فلا نعتقد انه موجود، حتى لو تسلح ممدوح عدوان-في البحث عنه-بمعامل الزرع والتحليل0

 

نفي الحساسية

    ان الشارع الفسطيني غير مصاب بهذه الحساسية، لانه متخصص في نقد الشارع العربي رموزاً وشخصيات وانظمة0وهو أي الفلسطيني، اكثر العرب ايمانا بضرورة التدخل في شؤون الاخرين (العرب) ، لأن مصائبه ونكساته ومظالمه، كانت-وما تزل-على يد العرب، أقصد الانظمة ورموزها لذلك فهو غير متحسس مطلقا من نقد الآخرين-عربا ام غير عرب-لعرفات أو درويش أوغيرهما من الفلسطينيين0واذا أراد ممدوح عدوان الحقيقة، فهي أن الحالة الفلسطينية ليست حساسية ولكنها " الما وقرفا "، لان الذين يمارسون نقد الحالة الفلسطينية- في الشعر والسلوك والسياسة-يمارسون نفس الشيء فينقذون الحالة الفلسطينية – خاصة سياسية- متناسين حالتهم ومواقفهم00

    كما ان الاصرار على هذه الحساسية الفلسطينية، واعتبارها كالفتاة الشائنة التي يجب ان تتلقىالعقاب على يد افراد الاسرة فقط، طرح خطير يوصلنا لقوقعه الاقليمية، فيصبح ليس من حق الفلسطيني نقد الحالة السورية، وليس من حق السوري نقد الحالة العراقية00الخ فاذا نحن أمما متباعدة، العلاقة بين كل أمة واخرى، كالعلاقة بين أمة منها وبين بلجيكا مثلا00ان الصحيح  والمنطقي، ان الحالة العربية حالة واحدة،من حق أي واحد من أفراد الاسرة العربية، نقد  وتحليل وتجريح ما يراه بحاجة لذلك ، وعندئذ يكون السؤال : هل هذا النقد والتحليل موضوعي ام لا؟وهل هوصحيح ام لا ؟ وهذا ينطبق على ما قاله أحمد نجم بحق محمود درويش وكذلك ما قاله ممدوح عدوان بحق أحمد نجم، وما اقوله الان في هذا الرد0

    اما التوضيحات الجديدة التي اضافها ممدوح عدوان في عدد " الحرية " رقم (1183) ، فهي تحتاج لمناقشة طويلة، لان فيها من الآراء والعلاقات ، ما يستحق ذلك!

 

 



(*) نشرت في مجلة "الحرية" 7/4/1985.

الفقرة التالية
إطبـــــــع  ارسل الصفحة الى صديق إحفظ الصفحة