عن مسرحية

سعد الله ونوس "الاغتصاب "

هذا الاغتصاب هذا الانيهار(*)

 

    بعد سكوت طويل، لأسباب مختلفة، وبعد انقضاء العام الثاني للانتفاضة –الثورة الشعبية في فلسطين المحتلة-قدم سعدالله ونوس عمله المسرحي "الاغتصاب"المنشور في مجلة "الحرية" عددي (341، 343 ديسمبر1989) . ان هذه المسرحية من الأعمال الابداعية التي تثير نقاشا حاداً وواسعا على مستويين:

 

الأول: علاقة المبدعين بالانتفاضة.

الثاني: علاقة المبدعين بالتكتيك السياسي.

 

    في المستوى الأول الخاص بعلاقة الابداع والمبدعين بالانتفاضة، تطرح هذه المسرحية الاشكالية التي تحاكم كيفية تعامل المبدعين العرب(ومنهم الفلسطينيون) مع هذا الحدث الذي فأجاهم، كما فاجأ القيادات السياسية جميعها ، ولما كان عنصر المفاجأة دليل على عدم الرصد الواعي والعملي، لما يجري في فلسطين المحتلة، كان تعامل المبدعين مع الحدث سطحياً، لا يعبر عن هذه التفاعلات الكامنة التي تجعل شعبا بكامله يواجه أعنى القوى المعتدية بأبسط وسائل الدفاع وهي(الحجارة) ، فكأن الركض  السريع لغالبية المبدعين ، كل يريد أن يسجل بأي شكل وأي مستوى ، أنه قال كلمته في هذه الانتفاضة، وهذا الركض كان مصدره أن الجميع ظنوا ان هذه الانتفاضة مجرد هبة مؤقتة، لن تتعدى استمراريتها أسابيع معدودة فحرصت الغالبية أن لا يفوتها شرف الكتابة، مهما كان مستوى هذه الكتابة ونوعها، فجاءت أغلب الكتابات سطحية غير نابعة من معايشة وجدانية حقيقية لعظمة هذا الحدث والخلفية العميقة التي أنتجته، كما أن الانفعال لدى الكتاب والمبدعين بالانتفاضة، جاء انفعالا خارجيا نتيجة الاغتراب النفسي والوجداني  عن كل ما يحدث في فلسطين المحتلة، لو كان الكتاب والمبدعون يدركون أن هذه الانتفاضة كما عبرت عن نفسها منذ أيامها الأولى محطة نوعية جديدة وخاصة في مجرى النضال الوطني الفلسطيني، وان هذا يعني أن لها استمراريتها الطويلة المؤثرة الفاعلة عبر ابتكارها لأساليب يومية للمواجهة والصمود، لما تسابقوا هذا التسابق السطحي الهامشي للتعبير في غالبيته، ولكانوا اختزنوا كل تفاصيلها اليومية في نفوسهم ، وعايشوا بطولاتهم في الميادين كافة ، إلى ان تتجذر في وجدانهم على شكل خاصية جماهيرية دائمة وثابتة، مما ينتج عنه استمرار التعبير الابداعي-شعرا ونثرا- في أعمال ناضجة معبرة تعبيرا يواكب بطولات الانتفاضة وصمودها، لكن هذا الفعل النضالي أصبح جزءا من نفسية الكاتب والمبدع، وليس حدثا خارجياً ، أنفعل معه مرة فكتب قصة أو قصيدة ، ثم توقف كما نلاحظ الآن عند رصد الأعمال الابداعية المواكبة للانتفاضة، فبعد سيل من القصائد والقصص والمسرحيات القصيرة ، استنفذت مفردة (الحجر) بكل صيغها، توقف الابداع المتعلق بالانتفاضة، وكأن كل مبدع سجل شرف المشاركة، وكفى. في حين أن مسرحية سعدالله ونوس "الاغتصاب" تختلف هذه عن غيرها من الابداع في أنها جاءت بعد مرور عامين على اندلاع الانتفاضة، مما جنبها أن تكون عملا انفعاليا – سطحيا ، تغلب عليه الخطابة والحماس، فجاءت بالعكس عملا ذهنيا، قصد الكاتب  منه تقديم رؤية  فكرية للصراع العربي-الاسرائيلي، وفي محاكمة هذه الرؤية ومناقشتها، يكمن مطب المسرحية وعثراتها القاتلة.

    في المستوى الثاني، وهو الخاص بعلاقة المبدعين بالتكتيك السياسي، تثير هذه المسرحية اشكالية مهمة. ينبغي مناقشتها على نطاق واسع بين المبدعين العرب، لأنها تحدد العلاقة بين المبدع والسائد السياسي، أي التكتيك السياسي اليومي الذي يطرحه  القائد السياسي في تعامله اليومي مع موازين القومي السياسي ، سواء في تحالفاته أو مع خصومه، وأعتقد أن المنطقي بالمقاييس الوطنية في هذا الخصوص، هو أن (الاديب والمبدع )يختلف تماما عن(الاعلامي) 0فالاعلامي دوره محدد سلفا في الدفاع عن خطوات السياسي اليومية مهما كانت ، والترويج لها في مختلف الأوساط والمحافل، في حين أن(المبدع) ينحصر دوره في الابتعاد بشكل اساسي عن التكتيك اليومي، ليكون تعبيره عن الأساسيات والبديهيات التي هي ثابتة في وجدان الشعب وضميره ، وتشكل أساسا لاخلاقياته ومبادئه، ولا تتغير حسب الظروف والموازين 0وفيما يتعلق بالصراع العربي-الصهيوني ، الذي هو الخلفية الأساسية لموضوع مسرحية الاغتصاب ، فانه ليس مستهجنا أن يكتب الاعلامي ويروج لكافة المشاريع المطروحة لحل هذه الصراع، مهما كان قربها أو بعدها من الأساسيات والبديهيات التي أشرنا اليها، أما (المبدع) فأنه ضمير الشعب ، لذلك فهو يبتعد بوعي مسبق عن أن يكون جزءاً من الماكنة الاعلامية اليومية  المشدودة للتعبير عن اليومي السياسي، خاصة في أعماله الابداعية، لأن هذا الابداع مسرحية أم شعراً أم قصة، من أهم العناصر التي تشكل الضمير الجماعي للشعب ،فاذا سخر كل مبدع ابداعه لخدمة هدف سياسي، ففي حالة الوطن العربي، سوف نشهد العجيب واللامعقول، وربما المسخرة والمهزلة، عندما نجد هذه القصيدة تبشر ببرنامج النقاط العشر ، وتلك المسرحية تنظر للتعايش مع الصهاينة، وقصة قصيرة  أو رواية ترى الحل في المفأوضات المباشرة، وهكذا فاذا نحن أمام ادب لا رؤية موحدة له، يسهم في تشتيت وجدان الجماهير وفكرها، بدلا من بلورة ضمير، يدافع عن الأساسيات ويتمترس وراء البديهيات التي ليس من حق أحد أن يتجاوزها، سياسيا كان أم مبدعاً وفي حدود علمي ومعرفتي، فلم أقرأ أو أسمع عن أدب وابداع شعوب محتلة ، نظراً للتعايش مع العدو والتفاهم معه والتفريط باحقوق أرضا وانسانا، فابداع الشعوب المحتلة كان دوما مع المقأومة ورفض التعايش، الا مسرحية"الاغتصاب" هذه، التي جاءت بدون مبالغة، قهراللانسان الفلسطيني- العربي، و(اغتصابا) متعمداً لحقوقه المغتصبة أساسا.

 

ملاحظات على الملاحظات

    قبل تحليل المسرحية،وعرض كافة أوجه سقوطها وتعارضها مع كل الأساسيات والبديهيات ، لابد من ابداء بعض الملاحظات على (الملاحظات) التي اصدر بها سعدالله ونوس هذه المسرحية وأهمها:

1-ليس صحيحا بالشكل المطلق أن الهام المسرح الحقيقي يكمن في "المعالجة الجديدة التي تتيح للمتفرج تأمل شرطه التاريخي والوجدي"، لأن مسألة تأمل الشرط التاريخي والوجداني لم تكن الشغل الشاغل لكل الطبقات الاجتماعية التي كانت تتوافد للمدرجات الخشبية ثم الحجرية حيث تقام المسابقات المسرحية، اذ أنه من الناحية التاريخية، وكما يؤكد (فيتو باندولفي) ، فان العرض المسرحي هو أول تظاهرة لم تستهدف غاية عملية أكانت مباشرة أو غير مباشرة، كما فعلت منذ البدء الطقوس والعبادات، ولكنها عبر ذلك استطاعت ان تظهر ضرورات داخلية، منها التسلية والتأمل0أي أن شرط التسلية كان واردا عند الاثينيين القدماء ، ومع التطور الاجتماعي والديمقراطي أخذت الاسطورة طابعها الانساني بدلا من اطارها الديني المتزمت، وأصبح المسرح هو المكان الذي"تتجلى فيه أكبر مشاركة المواطنين الاجتماعية والتاريخية، ويقدر على تحليل الواقع ومواجهته"، وكل ذلك من خلال تسلية وتأمل لحكاية ربما تكون معروفة مسبقا لبعض المشاهدينن، وغير معروفة لبعضهم الأخر، فلس كل مشاهد لعمل مسرحي سواء في زمن الاغريق أم في زماننا الحاضر، يعرف سلفا"القصة أو "الحكاية" التي هو ذاهب لمشاهدتها مسرحيا0من هنا يأتي التأكيد أن التسلية والتأمل عنصران ملازمان للعرض المسرحي، كما أن تطور التراجيديا الاغريقية، مع ظهور الممثل جعل المسرح الاغريقي مؤسسة متكاملة، لها نشاطات متعددة، وأهداف متباينة، مما جعل الدولة تعين(واليا) خاصا للاشراف على هذه المؤسسة.

2-هل صحيح أنه"ليس المسرح مكانا للتشويق البوليسي"هذا الحكم القاطع لسعدالله ونوس، يعود هو نفسه ويناقضه، عندما يقول"وهو يصبح كذلك الا في فترة انحطاطه، مع ظهور الميلودراما، والفودفيل وبقية ملاحم البرجوازية المنتصرة في أوائل القرن التاسع عشر"،وهذا اعتراف واضح بان هناك فترات طويلة ، كان فيها المسرح للتشويق وقص الحكايات المسلية، فالنقد الايدولوجي المتزمت الذي يقيس كل الفنون على مقاسه وهواه، ويصنف الناس طبقات مؤسسيها، هو الذي يقيس كل الفنون على مقاسه وهواه، ويصنف الناس طبقات منتصرة ، وأخرى مهزومة، ويتاجر ببضاعة ماركسية اندحرت في بلدانها ولدى مؤسسيها ، هو الذي يرى المسرح فقط "لتأمل الشرط الانساني وممارسة الحوار"،وكأن كافة أفراد البشرية منذ الاغريق وحتى اليوم، لم يخلقوا الا لتأمل الشرط  الانساني فقط، فهذا اختزال عقيم لمجمل النشاط البشري المتنوع، الذي تأمل الشرط الانساني جانب من جوانبه.

3-بعكس ما يقوله المؤلف عن أن مسرحيته هذه نص مفتوح، قابل للزيادة والتعديلات التي تميلها التطورات التاريخية، فهذا الرأي مجرد تنظير لا معنى له لأنه أيضا ليس صحيحا أن"الرواية الفلسطينية لا تختم قولها" فكل رواية فلسطينية وكل مسرحية بما فيها هذه المسرحية، نص مكتوب يقدم رؤية فكرية ، وينبغي محاكمتها على أساس هذه الرؤية بعيدا"عن أية احتمالات تدعي الاضافة مستقبلا، بدليل ان المؤلف نفسه يعتبر أن مثل هذه الاضافات والتغييرات (المحتملة حسب رأيه) ينبغي أن تعمق الرؤية العامة للمسرحية لا أن تهدمها وتجعلها ملتبسة"، لذلك فان هذه المسرحية ينبغي دراستها ومحاكمتها على ضوء رؤيتها التي أرى أنها مكتملة وناضجة، ولا تحتاج إلى تعديل أو أضافة أو حذف تقوم هذه المسرحية على روايتين أو حكايتين ، الأولى اسرائيلية، اسمها الثابت"سفر النبؤات"، وتتكون من تسع مقاطع، والثانية فلسطينية اسمها الثابت "سفر الاحزان اليومية"وتتألف من خمس مقاطع، كل مقطع في الروايتين عبارة عن مشهد حواري بين شخصيات ، وأحيانا مشهد مناجاة تأملي كما في المقطع الرابع من سفر الأحزان اليومية، هذه بالإضافة إلى مقطع"ترتيلة الافتتاح"، ثم "سفر الخاتمة" حيث الحوار المتخيل بين المؤلف وشخصية يهودية.ومن البداية لا تخفى على القارئ خلفية التسمية الثابتة للحكايتين،فالحكاية الفلسطينية " سفر الأحزان اليومية"حيث لايرى المؤلف في مسيرة الفلسطيني سوى الحزن والألم،والعذاب والاغتصاب رغم الاشادة بالبطولات والتضحيات، أما الحكاية الاسرائيلية فهي"سفر النبؤات" حيث يطغى عليها الأمل والحلم بنبؤة الدولة اليهودية،مهما كان الطريق إلى ذلك.

    وعودة إلى ما سبق قوله أن هذه المسرحية تقدم رؤية فكرية للصراع العربي-الاسرائيلي، فأن محاكمة هذه المسرحية ونقدها، لا يتم الا عبر تشريح التعبير الدرامي لهذه الرؤية هي كل هم المسرحية وهدفها، ولأن المسرحية هدفت في الأساس لتقديم هذه الرؤية الفكرية، فقد غلب عليها الخطاب السياسي المباشر، سواء في طريقة تقديم  شخصيات الحكاية الفلسطينية، أو شخصيات الحكاية الاسرائيلية، وجاءت أغلب هذه الشخصيات جامدة لا حركة فيها، سوى الكلام السياسي المباشر الهادف إلى تقديم الرؤية الفكرية المشار اليها، مما جعل أغلب هذه الشخصيات غير مقنعة دراميا، لا في حركاتها ولا في أقوالها.

    ففي الحكاية الفلسطينية مثلا، فأن شخصية (الفارعة) المرأة الفلسطينية، شخصية دون ملامح، لا حياة فيها، سوى تكرار كلام هي لا تفهمه، وربما غير مقتنعة به، بدليل انها في موقف نقاش مع(دلال) لا تملك الدفاع عن بعض كلامها سوى قولها:" لا أدري يا ابنتي ..هذا ما تعلمته من الشباب .."كما ان تقديم هذه المرأة الفسطينية عن أنها (امرأة فلسطينية ذات حضور قوي) كما يقول المؤلف، لا يسمح أي عرض مسرحي، أن يزج بكل هذه الآراء والمواقف على لسانها، فهي مرة شخصية رومانسية تقول"هم يذبحون ونحن نتوالد..هم ينسفون ونحن نتهض من بين  الأنقاض..ماعدنا نولول"،"الثمن مقرر قبل أن نولد..وكما يقولون..من ليس له وطن ليس له في الارض مقام"،"اذا ضاع الغالي لا يؤسف على الرخيص يا ابنتي "...ومرة سياسية أو منظرة تبدي رأيها في الفلسطينين الذين يعملون في مصانع الاحتلال.."انهم يريدون الأرض وخدما تخلوا عن هويتهم، وقبلوا العمل بلقمتهم".وهو رأي يدل على جهل هذه المرأة وعدم معرفتها بخلفية هذه المسألة لأنه رغم تصاعد الانتفاضة الباسلة، فمن النقاط التي لا تثير جدلا أو نقدا واسعا، هي مسألة آلاف العمال الذين يعملون  في مصانع الاحتلال ومؤسساته، في نفس الوقت الذي يرجم فيه آلاف آخرون الاحتلال بالحجارة والزجاجات الحارقة، لأن هذه التقسيم فرضته الظروف الاقتصادية داخل فلسطين تحت الاحتلال، بدليل ابنها(محمد) نفسه، يركب الباص صباحا ويذهب للعمل في مصانع الاحتلال، وهي تعتبر ذلك غضة في قلبها، وتقول له: "أنت تعرف ما يقال عن الذين يعملون هناك"وليت المؤلف يقول لنا ما يقال، لأنه في حدود علمي، لم تصدر القيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة حتى لنا ما يقال، لأنه في حدود علمي، لم تصدر القيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة حتى الآن نداءا أو أمرا للذين يعملون هناك بالتوقف عن ذلك، وكذلك فان شخصية(دلال) أقل اقناعا في المسرحية، لأن مجرد الاهانة والاغتصاب الجنسي لا يخلق مناضلة، بعد أن قدمها فتاة ثرية تعيش في الهناء والرغد، لا تعرف شيئا عن عمل زوجها (اسماعيل) مع الفدائيين، فتاة بدون اية خلفية سياسية وربما وطنية فهي ترى أن زوجها"تصرف وكأن زواجنا حدث عابر في حياته ، كان الجوهري بالنسبة له هو عمله السري الذي واصله بعيدا عني، ولم يراع حبنا، ولم يحسب له أي حساب"..وهي أيضا ترى أن حياتها كانت "كنا سعداء يا خالة.الليالي أعراس، والصباحات احلام ولهو، لقد خاطر بالسعادة الملموسة من أجل حلم غامض كالسراب"0وبالاضافة إلى ذلك،فالمؤلف وشخصيته هذه ، لايعرفان مطلقا  نوعية حياة شعبنا تحت الاحتلال، فلا أظن ان فلسطينيا ثريا، مهما كانت درجة ثرائه، يعيش فعلا ويشعر حقيقة أن لياليه أعراس، وصباحاته احلام ولهو، لأن طاحونة الاحتلال تطحن الثري والفقير ماديا ام معنويا، فلا لهو ولا أعراس حقيقية في ظل حكم الاحتلال0ان فتاة هذه نظرتها ورؤاها، لايمكن أن يحولها الاغتصاب الجنسي على يد الجنود الاسرائيليين إلى مناضلة بهذا الحسم:"الارض لا تتسع لنا ولهم 0اما نحن واما هم"، " الارض أضيق من القبر اذا لم يزولوا0اما نحن واما هم"0 و الدليل على ذلك انه في السفر الختامي للمسرحية، يدلل ويعترف سعدالله ونوس للدكتور اليهودي منوحين ان جملة(دلال) " إما نحن وإما هم" لا تعني مدلولها النصي.

    في البناء الدرامي للشخصية ، ينبغي أن تكون الشخصية منسجمة مع نفسها، مع أفعالها مع أقوالها، الا ان سعدالله ونوس أفقد الشخصيات الفلسطينية انسجامها، فجاءت شخصيات مهزوزة، رغم تعبيرها النظري في العديد من أقوالها عن طبيعة صراعنا مع الوجود الصهيوني الاستيطاني، فبالاضافة إلى شخصية (دلال) التي وضحـنا الخلـل فيهـا، لايمكن تجاهـل الخلل ذاتـه فـي شخصيتي(الفارعة) و(اسماعيل).

    فالفارعة التي حأول ان يعطيها بعدا نموذجيا، تكرر أقوالا لا تعي معناها، وتكررها لأنها سمعتها من الشباب فقط كما تعترف لدلال.وفي مشاهد اخرى تناقض نفسها، فهي تقول حينا" أنهم يريدون الأرض وخدما تخلوا على هويتهم، وقبلوا العمل بلقمتهم00"أي أنهم استيطانيون بالمعنى القطعي للكلمة، ولكنها في مشهد أخر، تسطح المسألة فاذا هي مجرد"نزعة عدوان" "الارض ولولا نزعة العدوان لاتسعت للجميع"0 ثم تضيف بتسطيح  أكثر "يا ابنتي لولا الصهيونية لما كانت بيننا وبين اليهود عدأوة " تقول هذا وكان وقود الصهيونية ودعاتها  ومنفذي خططها ليسوا من اليهود.

    أما أسماعيل ، فرغم كل الشموخ الذي صوره به، وكل الصمود والاباء أمام المحققين اليهود، ورفضه بصلابة المناضل الاعتراف بأي سر، فاذا هو يناقض نفسه-كما أراد له المؤلف- فاذا هو يفكر أحيانا كما قال (في أوهام) يتصور فيها دولة تتسع له ولمائير، دولة تزدهر فيها قابلياتنا الانسانية.

 

الشخصيات الاسرائيلية

    بعكس ذلك، جاءت الشخصيات الاسرائيلية كما أوردها سعدالله ونوس ، نوعتين أو نمطين:

الأول: الشخصيات الواقعية المنسجمة مع نفسها وممارساتها المنطقية التاريخية، مثل شخصية(مائير) و(جدعون) و(سارة) و(موشي) وهي شخصيات يهودية لا تحمل الا ارث الحقد والكراهية والعنصرية والموت والقتل للجميع،لجميع من هم غير يهود،وهي شخصيات أبدع المؤلف في رسمها حسب ما يتوافق مع كل هذا الارث المعروف عن اليهود 0فـ (مائير) المحقق لا يملك الا الموت والقتل وكل أساليب التعذيب للمناضلين الفلسطينيين، هذه الأساليب التي لا تبدأ بصدمات الكهرباء، ولا تنتهي باغتصاب زوجاتهم على مرأى منهم فقط 0أما الأم (سارة) فقد تركت زوجها يموت في ظروف غامضة تحمل رائحة المؤامرة، لانه رفض الهجرة معها إلىدولة اسرائيل، وارتبطت بـ (مائير) نفسه، وكذلك (جدعون) الجندي المنفذ الأعمى لكل أوامر الأب (مائير).

الثاني:الشخصيات المتخلية، المنبثقة وهما من ذهن الكاتب، مثل(اسحق) و(الدكتور منوحين) ان هاتين الشخصيتين كما رسمهما المؤلف، أو كما توهم، غير موجودتين مطلقا في داخل المجتمع الاسرائيلي، والخطورة تكمن هنا، فعندما يغذي الابداع أوهاما، يرتقي بها إلى حد (النمذجة) فهو يدخل خانة التضليل، خاصة اذا كان عملا مسرحيا دراميا0ولنتصور مدى الوهم والتضليل، عبر عرض نواح من حياة  هاتين الشخصيتين ونفسيتيهما كما صورهما أو ارداهما المؤلف:.

    اسحق شاب يهودي، يعشق امه(سارة) 0متزوج من يهودية شابه اسمها(راحيل) 0تعرف عليها في محنتها بعد وفاة خطيبها وموت والدها، فتزوجها اذ كان لها (رجلا مجربا يوحي بالأمن والثقة) وأنجب منها (طفلا رائعا)0مشكلته ظهرت فجأة عندما أصيب بالبرود الجنسي0إلى هنا والمسألة عادية، فآلاف من الرجال في كل انحاء العالم يصابون بالبرود والعجز الجنسيين، غير المنطقي في حالة اسحق، هو السبب الذي جعله يصاب بالبرود أو العجز الجنسي، وهنا يأتي حجم الوهم والمتخيل في ذهن المؤلف،فالسبب هو عذاب الضمير عند(اسحق) اليهودي، لأن رئيسه (مائير) اجبره على القيام بـ (خصي) اسماعيل المناضل الذي رفض الاعتراف000"كان يجب أن نكسر خصيته تماما.وضعت قدمي بين فخذيه، ورحت أضغط وفق طريقة تعلمناها00"بالاضافة إلى ذلك، فقد رفض المشاركة في (اغتصاب) (دلال) ، ولكنه ارتكب ما هو في مستوى نفس البشاعة، عندما هجم عليها بالسكين، يشرح ويقطع لحمها.وعبر حوار مفتعل بين (اسحق) والدكتور (منوحين) حوار غيرمقنع ، لايتسلسل طبيعيا، يظل المؤلف يفتعل الحوار ويصطنعه، حتى يصل إلى ما يريده على لسان الدكتور منوحين سببا لعجز اسحق الجنسي: " لقد اخترت لا شعوريا التعبير عن ندمك بالمرض0 انك تعاقب نفسك على ما فعلتموه بالمرأة زوجها00"

    يصعد المؤلف مواقف(اسحق) ، فاذا هو مرة ثانية يرفض الاشتراك في حفلات اغتصاب أخرى،ويطلب من قائده(مائير) اجازة للرحيل خارج البلاد مع زوجته، وعبر نقاش آخر غير مقنع بين اسحق ومائير، يتلفظ فيه(اسحق) باقوال لا تخرج من يهودي قاتل، عمل سنوات في جهاز الامن الاسرائيلي، يحقق مع الفلسطينيين ويقتلهم ويغتصب نساءهم، يطلق (مائير)النار على (اسحق) فيرديه  قتيلا000

    المهم هنا، والذي يجب الوقوف عنده مليا، هو أن سعدالله ونوس لهدف محدد، سيفصح عنه في سفر الخاتمة، يسأوي بين الفلسطينيين واليهود تماما في العذاب والمعاناة، وهذا خلط وتضليل واضحان:

-     فـ (اسماعيل) الفدائي الفلسطيني، و(اسحق)الجندي اليهودي، يموتان بنفس الطريقة على يد الضابط(مائير)0

-     وإذا كان أباء فلسطينيون لاسماعيل وغيره قد قتلوا على يد (مائير) ومن هم على شاكلته، فان أب (اسحق)اليهودي قتل ايضا على يد (مائير) ومن هم على شاكلته0

-     واذا كانت الزوجة الفلسطينية (دلال) قد اغتصبها جنسيا الجندي اليهودي(جدعون) ، فان الزوجة اليهودية(راحيل) قد اغتصبت ايضا على يد(جدعون)0

وكل ذلك كي يصل سعدالله ونوس إلى نتيجة يفصح عنها في الخاتمة في الحوار المتخيل بينه وبين الدكتور منوحين.

من هو الدكتور منوحين؟

الدكتور منوحين،كما أراده ورسمه سعدالله ونوس، يهودي من أنصار السلام،يدين بعض أعمال وممارسات الاحتلال ضد الفلسطينيين، دون نقض الاحتلال ذاته، وهذه الصورة لها وجود حقيقي في داخل فلسطين المحتلة، فهناك كثيرون من اليهود أنصار السلام، ويلتقون يوميا في منقاشات وتظاهرات مع أنصار السلام الفلسطينيين، ولكن الوصول بالدكتور منوحين إلى حد(النموذج) الرافض لكل شيء، والمناصر لكل شيء، هوالخطأ  الذي تخيله سعدالله ونوس، وأحالة إلى نموذج (ابداعي) محبوب ومرغوب ومتعاطف معه، فاذا هو(فلسطيني) و(عربي) أكثر من كل الفلسطينيين والعرب0 وللتدليل على استحالة وجود هذا (النموذج) وسط اليهود محتلي فلسطين ومغتصبيها، نتسعرض بعض الأقوال التي أوردها المؤلف على لسان الدكتور منوحين، ليحكم القارئ هل هذا (اليهودي) ممكن وجوده في المجتمع اليهودي-الصهيوني.

- في تحليل الدكتور منوحين لأسباب وظروف العجز الجنسي لـ (اسحق) يقول: " ركز انتباهك يا سيد 000هناك صوت في أعماقك الخفية يقول ان ما فعلتموه ما كان يجوز أن تفعلوه حتى ولو أكدت أن العمل أو الواجب يقتضيه0ولكي تشفى ، عليك أن تقر بصورة واعية أنك ارتكبت جرما رهيبا لا يمكن تبريره0واما أن يتوفر لك الاقتناع المطلق بأن هذه الأعمال عادلة وجديرة بالاحترام، ولا أظن أن احدا يمكن ان يقتنع في أعماقه بشيء هكذا ".

     في مخاطبته لراحيل عندما قررت الرحيل عن (فلسطين المحتلة) – اسرائيل في عرفه

- يقول لها عن قصة اغتصابها على يد جدعون وقتل زوجها : " لاينبغي أن نيأس انشري القصة على أوسع نطاق0لن نتواطأ معهم 0 ولن نسمح لهم بمصادرة المستقبل ".

    ولا يصل الخداع والتضليل في رسم الدكتور اليهودي(منوحين) أوجه الا في سفر الخاتمة، وهو أخطر ما في المسرحية، حيث يقيم سعدالله ونوس حوارا على قدم المسأواة بينه وبين الدكتور منوحين، وجها لوجه، وخطورة هذا الحوار في مسألتين:

1- نفض سعدالله ونوس لبعض الأفكار الوطنية التي جاءت على لسان بعض شخصياته ، هذه الأفكار التي كانت سبب ومبرر وطنية هذه الشخصيات، فـ (دلال) الفلسطينية الثرية المترفة، تتحول بشكل غير منطقي-كما أسلفت – إلى ثورية ذات مواقف جذرية ملخصها "الارض لا تتسع لنا ولهم .أما نحن واما هم"، واذا كانت الشخصيات في الغالب، خاصة في الأعمال الابداعية ذات البعد الفكري، تعبر عن مواقف وأفكار مؤلفها، فيبدو أن هذه الافكار على لسان-دلال-ونوس، كانت فعلا غير منطقية، فها هو ينفيها ويتبرأ منها أمام الدكتور منوحين000ويفسر له أن المقصود منها فقط : لا يمكن التعايش مع (مائير) وجدعون وموشي، ويجزم له " ليس للعبارة الا هذا البعد"، رغم أنها عندما جاءات أولا مكررة عدة مرات على لسان دلال-ونوس ، كانت مفتوحة لكل الاحتمالات والايحاءات.

2- مسأواة سعدالله ونوس بينه كعربي وبين منوحين كيهودي، فكلاهما مضطهدان بسبب مواقفهما المتشابهة، منوحين مضطهد من قبل الصهاينة الاسرائيليين، وسعدالله ونوس مضطهد من قبل الصهاينة العرب.

    وهذا يعني أن كل من يتجرأ على نقد هذه المسرحية ومواقفها،فهو صهيوني عربي، وقد قالها سعدالله ونوس صراحة عندما سأله الدكتور منوحين عما ينتظره، فأجابه: عداوة الصهاينة الاسرائيليين والصهاينة العرب.

    ان الابداع عندما يضع نفسه في خدمة التكتيك السياسي يفقد أصالته ومبرر وجوده ان وجود تيار سياسي فلسطيني وعربي،ينظر للتعايش مع اسرائيل ، ولا يبرر مطلقا أن يحأول  الابداع تزويق ذلك لنا، وتمريره في عقولنا وقلوبنا، لأن الابداع دائما مع الأساسيات والبديهيات ، ولا يمكن أن يتحول إلى بوق للتعايش مع المحتلين، وخلق أوهام متخيلة حوله، والخطير في هذا الجانب أن فرقة تسمي نفسها فرقة المسرح الوطني الفلسطيني، تنفق عليها دائرة الاعلام  بمنظمة التحرير الفلسطينية، تستعد لتقديمها على المسرح، أي أن  جمهورا فلسطينيا وعربيا، سوف يشاهد هذا التزويق للعدو على خشبة المسرح ليال طويلة.واذا ما استشرت هذه الحالة في شعرنا ومسرحنا ورواياتنا، فما علينا الا أن (نتبادل الاشفاق)، فعندئذ نكون وصلنا حد الانهيار، حد الاغتصاب ولا نستحق الا الشفقة0

 



(*) نشرت هذه الدراسة في مجلة "الكاتب الفلسطيني"، اب (اغسطس) 1988.

الفقرة التالية
إطبـــــــع  ارسل الصفحة الى صديق إحفظ الصفحة