د أحمد أبو مطر

الرواية والحرب

 

تقديم

 

هذا الكتاب, يحتوي على دراسات,  سبق ان نشرت منذ سنوات متفأوته في المجلات والدوريات العربية.وقد إرتأيت تجميعها وطبعها في كتاب، كي تصبح في متناول القراء، خاصة أن الدوريات والمجلات العربية غير متيسر تدأولها من قبل القراء والدارسين ، إلا لمن  تتوفر عنده أو في قطره القدرة والإمكانية الكبيرة للارشفة والتوثيق .0

 

وبخصوص الدراستين حول موضوع الرواية والحرب، فهما يتنأولان موضوعا جديدا، كنت اخطط ومازلت لأن يكون كتابا مستقلا، يتنأول كافة مراحل الحروب العربية، سواء مع اسرائيل، أو الحروب العربية-العربية، وانعكاساتها في الرواية العربية0 أما الدراسات الخاصة بالموضوع الفلسطيني، عن صحف المقاومة، والمبدع والانتفاضة، ورواية القضية الفلسطينية، فقد اثارت نقاشا واسعا عند نشرها، وتحديدا دراسة (الظاهرة الاستعراضية في صحف المقاومة الفلسطينية) التي رفضت كل الصحف والدوريات الفلسطينية نشرها أنذاك، إلى ان نشرتها مجلة "الأداب" البيروتيه، ثم أعادت نشرها على حلقات مجلة "عرب تايمز" التي تصدر في هيوستن/ امريكا0

 

لذلك اضع هذه الدراسات في هذا الكتاب، لتكون في متناول القراء والدارسين0

 

احمد ابو مطر

1/11/1993

 

الرواية والحرب

 

مقدمات اساسية*

1- البشرية والحرب

ليس من المبالغة، ان نقول، أن الحرب قد ولدت على هذه المعمورة، مع ولادة الجنس البشري، إلى الحد الذي يجعلنا نعتقد انها سمة من سمات هذا الكائن، فلم يخل أي عصر من الحروب المحدودة، زماناً ومكاناً أوالحروب الشاملة، التي يمتد زمانها ويتسع مكانها، لتشمل اجناسا مختلفة ضمن ظروف متنوعة، يختلف في اغلب الاحيان على تفسيرها، وتوضيح أسبابها ودوافعها، ان نزعة  الاعتداء (الميول العدوانية) تنبع اساسا من طبيعة النفس الانسانية التي يشكل الاستئثار والانانية(حب الذات) معلما أساسيا من معالمها0 "لآن تصور قلب الإتسان شرير منذ حداثته"(1) لذلك كانت دعوة الرب عليه، "ملعونة الارض بسببك. بالتعب تآكل فيها كل ايام حياتك.وشوكا وحسكا تنبت لك"(2) وقد شهدت الكرة الارضية أول حروبها بين الاخوين هابيل وقابيل، بسبب الاهواء الشخصية، اذ عز على قابيل، واثار حقده الذاتي ان يتقبل الرب قربان اخيه دون قربانه، فعمد إلى قتله، مسطرا بتلك الجريمة لعنة ابدية على البشرية، وليصبح الانسان ملعونا من الأرض التي فتحت فاها لتقبل دم اخيه المراق لارضاء نزعة وميل عدواني، لا دخل لاخيه في اثارته، ومنذ ذلك اليوم الموغل في القدم، والعالم يعيش سلسلة من الحروب والغزوات والغارات، وتكاد لا تنقطع، فكل معركة تسلم إلى اخرى، وكل حرب تنتهي في بقعة، لتبدأ حرب ثانية في بقعة نائية أو قريبة.

وربما يكون من باب التصنيف المعاد والبديهي، أن نقرر بان تلك الحروب والغزوات والغارات كافة، تندرج تحت نوعين:

أ-الحرب العادلة: وهي الحرب التي يقوم بها افراد أو قبيلة أو شعب، رداً لعدوان تعرضوا له من قبل اخرين، ولا يبتغون من ورائها عدوانا، انما يردون عدوانا، أو يريدون استرجاع حقوق لهم سلبت.وربما لا يختلف اثنان حول ان الحرب العربية ضد العدو الصهيوني المعلنة منذ اربعة عقود ونيف، أوضح نموذج لهذا النوع من الحرب، فهي حرب عدوان كان وما يزال مستمرا ضد الأمة العربية.

ب- الحرب العدوانية: وهي الحرب التي تقوم استجابة لنزعات عدوانية، لدى الجماعات أو الدول، طمعا في مزيد من التوسع والسيطرة والهيمنة.وقد شغل هذا النوع من الحروب العالم طيلة القرن العشرين أبان المد الاستعماري الذي قصد إلى نهب ثروة الشعوب النامية، وبالتالي حريتها وأوضاح مثال عليها الحرب الامريكية ضد الشعب الفيتنامي التي استمرت حوالي عقدين من الزمان، انتهت بانتصار الشعب الفيتنامي انتصارا كاسحا، توج بتوحيد شطري فييتنام.وفي تاريخ العرب الحديث تبرز واضحة تلك الحرب العدوانية التي شنها الاستعمار الفرنسي على الجزائر بقصد الاستيطان والهيمنة، انتهت في عام 1962 باستقلال الجزائر، لتبدأ صفحة جديدة من العلاقات العربية-الفرنسية، تعتبر من أوضح العلاقات الغربية مع العرب، اذ انها تحأول الوصول إلى تفهم مستقل للحقوق العربية، بعيدا عن الرأي الغربي، الذي يدور غالبا في فلك السياسة الامريكية المعادية للقضايا العربية.

ويلاحظ ان كل نوع من الحرب يواجه بنقيضه، فالحرب العادلة التي يقوم بها شعب الاسترداد حقوقه، تواجه من الخصم بحرب عدوانية تستهدف مواصلة اغتصاب هذه الحقوق. والحرب العدوانية التي تشنها دولة لتحقيق اطماع ذاتية تواجه بحرب عادلة من الشعب الذي يكون هدفا لتلك الحرب-الاطماع، فالعملية تبدو جزءاُ من جدلية الحياة والموت، يرى فرويد "أن الحروب لا يمكن أن تتوقف طالما أن الشعوب تعيش في ظروف متباينة أشد التباين، وطالما ان حياة الافراد لها وزنها المختلف في كل أمة، وطالما ان الاخطار التي تباعد الامم ليست إلا انعكاساً للطبائع المتمكنة من العقول"(3)  أن هذا يعي السلوك والنوازع المختلفة لدى البشر، التي ينتج عنها تباينا من الاهواء والمصالح، ومن ثم تصادمها فتكون الحرب.أما ما يراه من أن "الحروب كانت دائما بين شعوب بدائية واخرى متحضرة، وانها تندلع بين عصبيات مختلفة، وانها قامت بين جنسيات دالت حضارتها""(4).فهو رأي لا يواكب المتغيرات التي احدثها المد الاستعماري، حيث اصبحت للحرب عوامل سياسية واقتصادية، لا علاقة لها بالجنس. والا فكيف نفسر الحربين العالميتين الأولى والثانية، اللتين قامتا بين معسكرين، ينتمي كلاهما للشعوب البيضاء، التي يرى أن زعامة الاجناس البشرية قد ألت اليهما، وأنها اجناس معروفة باهتماماتها العالمية، والتي يفضل قواها الابداعية يرجع تقدمنا التقني نحو السيطرة على الطبيعة، ويعود ما احرزناه من مكاسب علمية وانجازات فنية"(5).وكذلك الحرب الامريكية ضد الشعب الفييتنامي، وغيره من شعوب العالم، هل هي حرب بين شعوب بدائي واخرى متخلفة ؟ أم أنها السيطرة الاستعمارية؟.

2-الادب والحرب

لم يتخلف الادب، في أي عصر من العصور، عن مواكبة الحرب كظاهرة غريزية ملازمة للانسان وذلك لأن الادب يعكس دوماً، بشكل أو بآخر الإنسان على هذه المعمورة، ولما كانت الحرب منذ فجر البشرية وهي مشتعلة بين الافراد والجماعات والحكومات، كان من الطبيعي ان تتبادل التاثر والتاثير مع الادب .فالادب يهيء للحرب، ويعبر عنها. كما ان الحرب تمد الادب بالعديد من المضامين والافكار.واكاد أجزم بانه ما من حرب عرفتها البشرية في الشرق أو الغرب، في الزمن القديم أو الحديث، الا وتركت نوعا من الاعمال الادبية الخالدة، شعرا ونثرا، كانت من وحي الحرب وتأثيرتها، ويكفي ان نذكر ان الملاحم القديمة والحديثة، كتبها اصحابها- افرادا أم جماعات-لسجلوا صفحات خالدة من تاريخ اممهم وشعوبهم، وكانت الحرب في اغلب هذه الملاحم المحور الرئيسي الذي درات حوله. ومن أشهر هذه الملاحم وأقدمها "الالياذة والأوديسا"لهوميروس، التي تعتبر سجلا ملحميا لوقائع الحرب الطروادية وما صاحبها، وقد تركت بصماتها وتاثيراتها واضحة، في العديد من آداب شعوب العالم قديما وحديثا، وما تزال شخوصها حتى اليوم ميدانا لمعالجة الأعمال الابداعية، وفي الشعر والرواية، يستوحي الكتاب هذه الشخوص، مواقفها وعواطفها.

اما في الادب العربي، فيشكل الشعر الحربي غرضا اساسيا من اغراضه، وهناك من يرى انه اقوى ما نظم الشعراء العرب، وبقي مع مرور الزمن، لانه يتصل بالامة فيضم مجد ماضيها إلى عزة حاضرها، وهو وحدة سجل فخرها وعنوان بأسها واناشيد بطولتها"(6)  .

وهناك ماعرف باسم "ايام العرب" التي ظلت تتناقل بالرواية الشفوية، حتى لحقها التدوين المكتوب، فاذا هي سلسلة من الوقائع والحروب والمعارك، تدور رحاها بين القبائل العربية لاسباب ذات علاقة بالتناحر اليومي من أجل تحصيل مقومات العيش واستمراره.وماله علاقة بالشرف والكرامة والتناحر بالحب والنسب، وما يثيرانه من حساسيات  قبلية على مستوى الفرد والجماعة.وربما من اشهرها تلك الايام التي عرفت باسم حرب "داحس والغبراء" واستمرت حوالي اربعين عاما بين قبيلتي عبس وذبيان، بسبب أقدام حمل بن بدر (صاحب الفرس الغبراء) على افساد السبق الذي كان بينه وبين قيس بن زهير(صاحب الجواد داحس)، اذ اعتبر عمله هذا غدراء لم يحتمله قيس بن زهير وقبيلته، فاشتعلت بين القبيلتين تلك الحرب الضروس، التي كان لها العديد من الايام والمواقع، وقد قيل فيها من الشعر الكثير، الذي لو امكن تنسيقه حسب الايام والمواقع وتسلسلها، لوجدنا امامنا ملحمة عربية حقيقة، وقد اشترك في نظم هذه الاشعار العديد من الشعراء، منهم:عنترى العبسي والربيع بن زياد العبسي وعمر بن الاسلع وغيرهم"(7)  .

وفي ميدان اخر، يتعلق بالحرب والادب، لايمكن القفز عن "السير الشعبية"التي لها مكانة خاصة في الادب الشعبي العربي، فهي على اختلافها، تدور حول الحرب، مستعرضة بطولات فردية وجماعية، لافراد واقوام من العرب في فترات تاريخية متنوعة.ويكفي ان نذكر من بينها سيرة عنترة بن شداد العبسي والهلالية والظاهر بيبرس. في هذه السير الثلاثة، نعيش صفحات من التاريخ، وبالذات جانبه الحربي، حيث الوقائع والمعارك والغزوات المتنوعة في اشكالها واسبابها، كما أن وصولها الينا مكتوبة بهذا الشكل الطويل المضخم، يوحي بانها في كافة العصور، كانت تكتسب ابعادا ودلالات جديدة، تنعكس على شكلها ومضمونها، فهي حافلة بالوقائع والغزوات التي تنقل جوانب من تاريخ تلك الفترات. لقد شكلت الحرب المحور الاساسي لتلك السير كافة، بتنويعات، مختلفد جعلت بعض الباحثين يلاحظ وجوه الاختلاف بين بعض هذه السير في علاقة الحرب بكل منها، وبالذات فيما يخص السيرة الهلالية وسيرة  الظاهر بيبرس. إذ كانت الحرب في الأولى بدافع من المحافظة على الذات القومية العامة،وكان خليفة الزناني-مثلا-مثلما تصفه السيرة بانه يحفظ القرآن الكريم ويتفهم سوره، وكان الاعداء من الكفار عجما أم روما، أقل في المرتبة من صاحب تونس، ولم تكن منازلتهم الغاية المقصودة من السيرة التي كانت تستهدف بلاد المغرب.أما سيرة الظاهر بيبرس فقد كانت حروبها كلها تقريبا في سبيل الدين.والخصوم هم المجوس والمسيحيون، وان حدثت منأوشات بين اقوام الامراء المسلمين واجنادهم، فذلك عارض يقتضيه تواطؤ بعض المسلمين مع القوم الكافرين"(8)  .

3-القصة القديمة والحرب

فيما يتعلق بالشعر العربي، يشكل موضوع الحرب غرضا اساسيا من اغراضه في أغلب العصور.وقد قيل في هذا الغرض من الاشعار، من حيث الكم والكيف، ما لم يقل في اغراض اخرى، مما جعل موضوع(الحماسة)موضوع اهتمام المؤلفين والمصنفين القدامى، يقيمون عليه الدراسات والموازنات، وينسقون له المختارات المتنوعة"(9)  .وقد تميز هذا الشعر بسمات خاصة في العصر العباسي، في أشعار أبي تمام والبحتري، وقد عرفنا الكثير من معارك تلك الفترة من أشعارهما.وأكاد أقول أنه لولا قصيدة ابي تمام في فتح (عمورية)على يد الخليفة المعتصم، لما خلدت هذه المعركة، التي ما نزال حتى اليوم نتغنى بها من خلال هذه القصيدة الرائعة التي تشجينا، وتثير  فينا الحماسة والامل، لأن هناك أكثر من موقع عربي، واكثر من امرأة عربية، تنتظر معتصمها، الذي يخلصها من أسر الذل والمهانة، ويستعيد لها ولقومها عشرات المدن المحتلة، هذا بالاضافة إلى ما كسبه هذا الشعر الحربي من علامات واضافات مميزة على يد المتنبي وابي فراس الحمداني، في زمن الدولة الحمدانية، ضد الروم البيزنطيين، التي استمرت قرابة ستين عاما، واخذت طابعا عربيا واضحا، سجل المتنبي وقائعه المتعددة، في العديد من قصائده بفنية عالية مقتدرة.

أما فيما يتعلق بالقصص العربية القديمة، فالامر لا يختلف كثيرا، الا حسب ما تقتضيه تنويعات هذا الفن، واختلاف الزمن.لقد شكلت الحرب جانبا أساسيا في القصص العربية القديمة التي وصلت الينا عبر عشرات الرواة والروايات، بشكل يجعلها تحمل في ثناياها ارهاصات قصصية، تعتبر ناضجة مكتملة البناء إذ اخذنا في الاعتبار زمنها الموغل في القديم.هذا دون الخوض في الجدل القديم- الجديد حول مدى معرفة العرب بفن القصة بمعناها الفني الحديث، الذي معرفته دوما بالاداب الأوربية.

من هذه القصص العربية القديمة، تتميز قصص "كليب"و"البيرق"لما احتوته من مواقف درامية واحداث مثيرة، تعبر في بعض الاحيان عن دلالات فكرية واجتماعية، خاصة بطبيعة المجتمع القبلي انذاك.وقد لعبت الحرب والفروسية الدور الاساس الذي اعطى لهذه المواقف دراميتها، ولتلك الاحداث اثاراتها التي تتجأوب حتى اليوم، مع جوانب النفس الانسانية.

في قصة (كليب) نرى أكثر من ناحية فنية وموضوعية، تعتبر من اهتمامات الرواية الحديثة، وبالذات الصراع النفسي الذي يعيشه البطل، عندما يقع تحت سطوة ما يتنازعه من عواطف، يشكل انحيازه لأي منها، موقفا ليس في مقدوره احتماله، لان الوقع النفسي-عندئذ-غير محتمل، وربما غير قابل للفهم والتبرير.من هذا، تلك اللحظات القاسية التي عاشتها (جليلة) زوجة كليب، عندما وقع الصراع بين زوجها وشقيقها (جساس).مع من تقف؟ ومن تؤازر؟ زوجها أم شقيقها ؟.إن الاثنين قريبان من نفسها، ولكل منهما منزلة لا تقل عن منزلة الآخر، لذلك فان الموقف الذي يرضي عاطفتها، ويستسيغه فكرها هو ان تقوم بدور الوساطة، علها تتمكن من ا لاحتفاظ بهما معا.ولكن مجريات الاحداث في القصة، لا تسير وفق هواها ورغبتها، سواء كانت هذه الاحداث واقعية، أم من نسج الخيال، اذ يقدم كليب وهو في سبيل كبح جماح جساس وتقزيمه أمام قومه-على قتل ناقة البسوس خالة جساس، وهو يعرف أن هذا العمل اهانة لا يقبلها الفرد البدوي مهما كانت منزلة الشخص الذي يرتكبه، فردا عاديا ام زعيما قبليا مرموقا مثل كليب.وكان رد فعل جساس الرد الطبيعي المنسجم مع اعراف القبيلة، تلك الاعراف التي كانت السيادة فيها للقوة والعنف، فيقدم-انسجاما مع ذاته وعصره-على قتل كليب نفسه.هذا جانب من المواقف التي عاشتها شخصية جليلة في هذه القصة، ويزيد الواقع أوالخيال هذه المواقف تعقيدا ودرامية، عندما يجعل قوم كليب يطردون جليلة ، فتعود إلى قومها تحمل في احشائها جنينا من كليب، يخرج للحياة ويكبر، ليحارب مع قوم أمه ضد قوم ابيه، وعندما يعرف حقيقة وضعه الاسري، ينقلب ضد قوم امه، ويحارب في صف قوم ابيه، ولايشفي غليله الا بقتل خاله (جساس)، انتقاما لقتل والده.

إن هذه الأحداث المعقدة، والعواطف المتصارعة في نفسيات الشخوص، تدور ويعبر عنها من خلال معارك ووقائع وحروب، سقط فيها الالاف من القتلى والجرحى والاسرى، ونجد أفضل وصف لها في شعر تلك المرحلة، ذلك الشعر الذي كان يتخلل التعبير عن أحداث الوقائع والمعارك.ان معالجة العديد من الاعمال الادبية العالمية لمثل هذه المواقف، وتلك العواطف من الأعمال الادبية العالمية البشرية، جعل بعض الباحثين (10) ، يرون ان هذه الاعمال تاثرت بهذه القصة العربية القديمة، وبالذت الملحمة الاسبانية الشهيرة (السيد) التي اعاد صياغتها واقتبسها اكثر من كاتب غربي، منهم الشاعر الفرنسي الكلااسيكي كورني الذي اخذ احداث مسرحيته المعروفة (السيد).

اما قصة (عنترة) التي وصلتنا مدونة في مجلدات كثيرة، فهي اخاذة من تواح كثيرة ربما يكون اهمها هو سبقها العديد من الأعمال الأوربية في الثورة على اعراف المجتمع التقليدي، محاولة-من خلال حب عنترة وفروسيته-تحطيم العديد من المفاهيم القبلية المتخلفة، التي تضع حواجز غير منطقية بين بني البشر، لمجرد ان هذه الحواجز تمحي اطماع الفئة المتنفذة في المجتمع، وتبقي السيد سيدا، والعبد عبدا، مما يذكرنا ببعض مفاهيم الاعمال الكلاسيكية الأوربية، تضع قصة عنترة العبد الاسود،ابن الجارية السوداء، في مصاف زعماء القبائل، وهي تسقط بذلك اية فوارق بين بني البشر، سواء كان مردها إلى اللون ام الطبقة الاجتماعية، وتطرح-بشكل له ابعاده المختلفة-قضية شكلت محورا اساسيا من محأور الاداب الحديثة عند الغرب والعرب.وهي مشكلة الحرية والمسأواة، وبالذات في جانبها الخاص المؤلم الذي يفقد فيه المرء حريته ومسأواته بالآخرين لأسباب لا دخل له  فيها، فهو مذل مهان، لأنه أسود اللون، مما يجعل اقرب الناس اليه، وهو والده، لايعترف به، فلا يلحقه بنسبه، ويدفعه من دون اشقائه واقاربه إلى الاعمال الدنيا التي تسند للعبد مثل رعي الأغنام والأبل.

أن أهم المواقف الدرامية في هذه القصة، هو العصيان والتمرد الذي يعلنه عنترة رافضا بذلك الانصياع للاعراف والتقاليد القبلية، التي حكمت بالذل والمهانة على العديد من أمثاله، ابناء الاماء، وكان يطرح هذه المشكلة من بابها الواسع، مشيرا إلى هذه الفئة بان  تكف عن السكوت والتخاذل، اذ بإمكانها وفي حدود قدرتها ان تحقق المسأواة، وتكسب الحرية رغم انف القبيلة، ان تحقيق الذات بالنسبة لعنترة، لا يتجلى الا من الحرب والفروسية، لذلك تشكل المعارك اساس هذه القصة ومحورها، فمن خلال ضرب السيوف، وطعن الرماح، يحقق عنترة ليس مسأواته بافراد القبيلة الاخرين،ولكن يحقق تفوقه المميز عليهم، وحاجتهم له، لساعدة وفروسيته، التي لولاها لاصبحت القبيلة نهبا مباحا لاعدائها، من خلال الطعن والكر، يحقق هذا الغراب لنفسه مكانة يعجز عنها أحرار القبيلة ،فتضطر مرغمة للاعتراف به، ومسأواته بغيره..

هل نحمل هذه القصة اكثر من قيمتها ومضمونها، اذ قلنا انها تعلن تمردا    مبكرا جدا، وتمارس تعرية ثورية لقيم المجتمع الظالمة؟.سنقر بذلك، اذ تذكرنا أن هذه القصة، عرفت في الحياة العربية الجاهلية في العام الثاني والعشرين قبل الهجرة، أي في نهاية القرن السادس الميلادي تقريبا، فيكون من المبكر جداً ان تطرح هذه مشكلة الحرية والمسأواة،بالذات  النابعة من (اللون)، وذلك قبل اثنتي عشر قرنا، من الآن، في حين ان اكثر من مجتمع غربي معاصر، ما يزال يعاني من هذه المشكلة وتمارس التفرقة النابعة من  اللون ضد ملايين البشر في المجتمعات الغربية الآخذة بمضمار الحضارة والعلم، رغم مرور قرون عديدة على ثورة العبيد المشهورة بقيادة سبارتكوس.بالاضافة إلى ذلك، فإن القصة، تطرح من خلال شخصية عنترة الحل لهذه المشكلة، فهي تعلن ان الظلم والذل لاينتهيان إلا بالثورة والتمرد، كما فعل سبارتكوس.لقد كانت الحرب في هذه القصة الميدان الوحيد الذي تثبت فيه الشخصية  المقموعة فرادتها وتميزها، وقدرتها على ان تكون في مستوى الشخصة القامعة، وحاجة الاخير اليها، بل اعتمادها عليها في رد الاعداء الطامعين.أن أهمية هذه القصة، ليست في نمط الفروسية فيها، ولكن في تاكيدها على أن قيمة الفرد تكمن في أعماله وقدرته الذاتية، وليست في انتمائه القبلي وطبقته الاجتماعية.أن اضفاء الملامح العاطفية الوجدانية على شخصية عنترة، في هذه القصة، من خلال حبه الفذ لعبلة، حقق لها انتشارا واسعا، وتاثيرا لاحقا في غيرها من الاعمال الادبية.خاصة ان طابع الفروسية التي عرف بها عنترة، يعود في جانب منه إلى الحوافز الذاتية التي يمده بها حبه لعبلة، بالاضاف إلى تمرده وثورته على الواقع الاجتماعي السائد.أن الحب في هذه القصة، يدفع بالفروسية إلى آفاق رحبة، تبدو فيها شجاعة الفارس المتناهية، كما ان الفروسية تجعل الحب نقيا خالصا،له شفافية عذرية، ترتفع بالفارس إلى آفاق خيالية، تشبه بعض المضامين الحديثة في الآداب الرومانسية الغربية والعربية.شفافية تجعل الفارس يتذكر حبيبته والرماح تنهل من دمه، ويود تقبيل السيوف لانها تلمع كبارق ثغر الحبيبة المتبسم(11)

وربما يكون من القول المعاد، ان نتحدث عن الحرب في القصة العربية القديمة المعروفة باسم (البراق)(12) أو (ليلى والبراق)، لولا ان الحرب فيها مختلفة عن الحرب في القصتين السابقتين، من حيث طبيعة الدوافع والاسباب، ونوع الخصم الذي تدور معه الحرب.

في القصتين السابقتين-كليب وعنترة –تبدو الحرب ذات طابع محلي، فهي تدور في داخل اطار القبيلة العربية، لخلافات داخلية نابعة من طبيعة العلاقات التي تحكم شؤون القبائل في ذلك الوقت. في حين ان الحرب في قصة(البراق)-في جانب منها، تدور مع عدو خارجي-اجنبي، أحب البراق ابنة عمه (ليلى) (13) ولكن والدها رفض زواجه منها، لأنه كان ينوي تزويجها من احد ملوك العرب، فكان استياء البراق شديدا، مما حدا به إلى الرحيل إلى البحرين مع أبيه واخوته.وتشاء الظروف-أو مؤلف القصة القديم-أن تقوم اثناء ذلك حرب ضروس بين بني ربيعة قوم البراق وبين قضاعة وطيء، دارت فيها الدوائر على بني ربيعة، مما اجبرهم على الاتصال بالبراق طلبا لنجدة قبيلته واغاثتها، فقبل بعد ان عقدوا له الرئاسة، ويتمكن بشجاعته وفروسيته ان يهزم قضاعة وطيء.وهنا تدخل القصة في محور جديد، ينسجم مع طبيعة الاحداث وسياقها، اذ تخطف ليلى على يد ابن احد ملوك الفرس، وتقول احدى الروايات، ان ذلك تم بمساعدة عمرو بن ذي صهبان، وتصل إلى مسامع البراق وقومه استغاثات ليلى الشعرية المؤثرة(14) فيجمع فرسان القبيلة، بعد الهاب حماستهم وشرفهم العربي، فكروا على الفرس في معارك طاحنة، انتهت بهزيمتهم وتخليص ليلى من الاسر، ليتم زواجها من البراق.تدور الحرب في هذا الجانب مشتعلة طاحنة بسبب المرأة، وهذا قريب من بعض معارك الحرب الطروادية في الالياذة والأوديسا.

من هذه المقدمات، أصبح واضحا أن موضوع الحرب، كان على مر العصور،من النزعات المحركة للعديد من جوانب التاريخ، وربما تشكل الحرب-في اغلب الأحيان المحرك الاساسي لتاريخ البشرية، فهو في حلقاته تاريخ حروب وغزوات وانتفاضات وثورات، وكانت تجد دوما مكانها المناسب في الشعر والقصة القديمة...

وانطلاقا من هذه المقدمات، وما توصلت اليه من نتائج، نسأل : ما موقع الحرب في الرواية الحديثة؟.

 

4-الرواية والحرب

لما كانت  الحرب لها المكانة السابقة في التاريخ البشري،ومنه العربي ولاقت ما رأينا من اهتمام الشعر والقصة القديمة، كان من الطبيعي والمنطقي ان تجد نفس الامتداد والاهتمام في الرواية الحديثة، وذلك لان الرواية هي كتاب الحياة الوحيد الوضاء، كما يقول د.هـ. لورانس، ولان الرواية الحديثة في القرن الثامن عشر،  اخذت "تتميز عن غيرها من الانواع الادبية الاخرى وعن القصص السابقة بمقدار الاهمية التي تعيرها عادة لابراز الشخصيات على انها افراد حقيقيون وتصوير محيط هذه الشخصيات تصويرا مفصلا يكسبه طابعا حقيقيا" (15)، ولما كان محيط الشخصيات البشرية، يعج بالحروب المختلفة، دون توقف وانقطاع، كان لابد من هذه الجدلية بين الفن والتاريخ، وبالذات الفنون الموضوعية، ومنها الرواية الحديثة، كما اتضحت هذه الجدلية في الملحمة والقصة قديما.

من المسائل التي تثيرها جدلية الفن والتاريخ-والحرب جانب أساسي فاعل مؤثر في حركة التاريخ-مسائلة الفرق بين مهمة المؤرخ والروائي، ازاء موضوع الحرب، عندما يصبح مجالا للعمل التاريخي عند المؤرخ،والعمل الابداعي عند الروائي، أن دور المؤرخ يتحدد في تسجيل الحقيقة من الجانب الذي يسترعي أهتمامه، أو يتناسب مع ميوله، فلكل حرب جوانب متعددة يلفت بعضها نظر هذا المؤرخ دون غيره، في حين أن الجوانب الأخرى، تجد اهتماما من مؤرخين غيره، وفي كافة الحالات، تكون الحقيقة المتعلقة بالأسباب والدوافع والنتائج هي هدفه، في حين أن الروائي يعني بامور تستند إلى هذه الحقيقة كخلفية عامة فقط.اما عند التنأول فان اهتمامه يتجه نحو غرضين، قلما يجتمعان عند روائي واحد،اذ أن الأغلب هو توزع الروائيين الذين يتنأولون موضوع الحرب، فيتنأول الروائي الغرض الذي يسترعي اهتمامه، ويتناسب مع ميوله وخبرته وهذان الغرضان هما:

1-الاهتمام بنقل وقائع الحرب ضمن اطارها التاريخي بقصد التسجيل الذي يركز على الحدث كواقعه تاريخيه، ايا كان مستوى أهميتها، لأن الروائي في هذه الحالة معني بعلاقة الحدث بالحقيقة، وحرصه على حفظ هذا الحدث في اطار فني مناسب، من شأنه ان يبقى هذا الحدث حيا ومتواصلا في حركة التاريخ الحاضر، خاصة في السياق الذي يشمل هذا الحدث ويستوعبه.ويكتسب هذا الغرض أهمية خاصة في التاريخ المعاصر للأمة العربية، لكونها تعيش منذ بداية القرن العشرين حربا متصلة، اخذت في مطلع القرن شكل الانتفاضات المسلحة ضد اشكال الاستمعار الغربي،الذي توزع اقطارها ضمن مناطق نفوذه واستغلاله، التي انتهى أغلبها في الاربعينات، بشكل من أشكال الاستقلال الوطني، بعد ان خلق الاستمعار الخلية السرطانية المتمثلة في زرعه المصطنع للكيان الصهيوني في القطر العربي الفلسطيني.وقد استمرت الحرب بين الامة العربية وهذا الكيان من عام 1948 وحتى الآن، باشكال مسلحة متنوعة، اخرها الكفاح الشعبي المسلح المتمثل في الثورة الفلسطينية.أن هذه الاستمرارية المتصلة في حرب الامة العربية، وتوقع تواصلها لسنوات  قادمة،يجعل غرض تسجيل الحدث الحربي وحفظه في اطار فني، يكتسب اهمية خاصة.

إن الاهتمام بهذا الغرض روائيا قريب في اطاره العام، من جهود جورجي زيدان في الرواية التاريخية، عندماا جعل من الفن الروائي وسيلة لنقل احداث التاريخ العربي والاسلامي،ليكسب مساحة أوسع من القراءة الذين لن يجدوا هذه الاحداث جافة مملة انما مشوقة لانها تسرد-مع المحافظة على حقيقتها التاريخية-من خلال اطار روائي تغلفه قصة حب غرامية في اغلب الاحيان(16).إلا أن هذا لا يعني ان يعود  الروائيون اليوم- وهم بصدد موضوع الحرب-إلى اقتباس اسلوب جورجي زيدان،وانما نقصد ان الروائي الذي يجعل الحدث الحربي محل اهتمامه،بامكانه تطويع الفن الروائي لخدمة هذا الغرض ، مستفيدا من التقنيات الروائية التي استجدت بعد جورجي زيدان.

2- الاهتمام بالحرب ليس كحدث له علاقة بالحقيقة التاريخية، واجبة الحفظ والتسجيل والتواصل ، انطلاقا من ازدياد الوعي بالحاضر الذي يشجع على ذلك، ولكن ينصرف الاهتمام-في هذا الغرض-إلى رصد روح العصر، التي تشكل شاهدا على الحرب، وتصويرا الوجدان الانساني الذي يعيش المعاناة والالم عند الهزيمة، والزهو والفرح عند الانتصار، وهذا يعني ان آمال الانسان وآلامة، صعوده وهبوطه، مع ما يصاحب هذه الاحوال الانسانية، من مشاعر وعواطف وانفعالات، سيكون مجال للتخيل والتحليل والتصوير، في عمل الروائي الذي يهتم بهذا الغرض.

إن هذا الجانب يوفر مجالا اكثر رحابة للروائي، لان طبيعة موضوعاته المتنوعة تستثير نفوس واهتمامات قطاعات المجتمع كافة، وبشكل خاص الفنان المبدع ، الذي يتجأوب مع هموم عصره.لذلك فإن الروائي يجد في هذا الجانب مجالا،يتمكن من  خلاله ان يرصد أتماط السلوك البشري ازاء هذا الموضوع.أن خصوبة هذا المجال،وتبعا لخوصيته موضوع الحرب في الحياة العربية منذ مطلع القرن العشرين، هذه الحياة التي تعيش حربا متصلة باشكالها المختلفة، ودوافعها المحدودة في رد العدوان الطامع، سيجعل لهذه الجوانب نصيبا أوفر في الرواية العربية الحديثة، حيث أن فرصة خلق الشخوص الحية المتحركة  تتوفر  بشكل واسع، يتيح للروائي أان يعبر من خلالها عن الاهواء والنزعات المتباينة التي تعيشها هذه الشخوص ازاء الأحداث.

ان تصوير هذه الاهواء والنزعات وتحليل التاثيرات المتعددة التي تحدثها الحرب في فئات المجتمع، يتيح للروائي المعاصر، لحم التواصل بين الحاضر الحي والماضي المنصرم،فيما يتعلق بموضوع الحرب، الذي ما تزال نتائجه الحالية والمتوقعة، تؤثر في سلوك افراد المجتمع، وتحدد بالتالي مواقفهم، هذا التواصل الذي يبدو من خلاله بوضوح حسم نتائج هذا الموضوع-الحرب –نحو الانتصار، لأنه السبيل الوحيد لنهوض الجماهير من الانتكاسات التي تدبرها لها قوى الامبريالية والرجعية، وتستطيع الرواية ان تنهض بدور فعال في هذا الجانب، من خلال تنأولها المتعدد لموضوع الحرب بالذات لانها-الحرب-الطريق الوحيد للنهوض المرجو، ولعل الرواية بقدرتها على الموضوعية تستطيع ان تكون أهم دعائم الفن المعبر عن الكينونة الاجتماعية وقادرة في نفس الوقت على الاقتراب الدائم والمشاركة المستمرة للقضايا التي تتصارع وسط المجتمع واتخاذ موقف منها، وتستطيع المساهمة الجادة  في تعميق دور الفن في كشف النقاب عن العلل والادواء"(17).ونلمس جانبا من ذلك في روايات مبكرة، عمدت إلى تجلية نواح تتعلق بدلالات النتائج التي تحققها الجماهير بواسطة حرب وقتال الاعداء الطامعين، مثل رواية "ارمانوسة المصرية"لجورجي زيدان-1869، حول فتح العرب لمصر، ورواية "اليوم الموعود" لنجيب كيلاني-1961، حول الحروب الصليبية، ورواية "وإسلاماة" لعلي أحمد باكثير-1949، حول صد الهجوم التتري في معركة عين جالوت، وغيرها من الروايات ذات الطابع التاريخي، رغم أن بعضها كان يقصد خدمة التاريخ فقط، مما يجعل الوصول إلى الغرض الذي اشرنا من خلال الرواية، من فرص القارئ الواعي صاحب النظرة البعيدة، الذي يتمكن من اكتشاف الدلالات البعيدة غير المباشرة في العمل الادبي.

إن هذا الغرض الثاني من اهتمامات الرواية، فيما يتعلق بموضوع الحرب، سيجد تنويعاته المتعددة في الرواية، ضمن الاطار العام، الذي يشمل ركائز الفن الثلاثة: الانسان والزمان والمكان، حيث تبدو العلاقة الواضحة بين هذه العناصر، ضمن آفاق المجتمع عامة، ومنها بالذات موضوع الحرب، لان دور الحروب لايقتصر على الخسائر البشرية والمادية، أو الانتصارات السياسية والعسكرية، انما يتعدى ذلك إلى التاثير في بنية الانسان والمجتمع، على مستوى السلوك والعلاقات والأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وكذلك طبيعة الحركة الادبية،ان بصمات الحروب والحركات الثورية في الادب والفن لا يحتاج إلى ايضاح، فهناك ما يشبه الاتفاق على دور الانكسار النابليوني عام1815 في الادب الرومانسي، ودور الاندحار النابليوني التالي عام 1870أمام بسمارك في الادب الرمزي، ويقرر ارنست فيشر "ان الثورة الفرنسية، وثورة  سنة1848،وكومونة باريس –من نقاط التحول بالنسبة للادب والفن كما كانت بالنسبة للسياسة" (18) ومن ينكر دور الحرب العالمية الأولى في المذهب السريالي؟اذ لوحظ ان"المحنة الانسانية العاتية التي أصابت البشر بويلات الحرب، فتصدعت القيم الانسانية العاتية التي اصابت البشر ويلات الحرب، فتصدعت القيم في كل مكان ، فنشأت نزعة جارفة لتحلل من الاخلاق وانتهاب اللذات، بل وخطفها قبل ان تفنى الحياة وتخر في العدم، وبالتالي نزعة تحرير الغرائز والرغبات المكبوتة في النفس البشرية، واشباع هذه الغرائز والرغبات آشباعا حرا طليقا لايخضع لأي  قيد ولا تردعه اية مواضعة من مواضعات المجتمع، ولم تقتصر هذه النزعة على الحياة، بل امتدت إلى الفن والادب اللذين يصدران عن هذا النوع من الحياة مما ادى إلى ظهور المذهب المعروف بالسريالية(19) . وكذلك الامر بالنسبة للحرب العالمية الثانية، وما أعقبها من انهيار الايمان بالقيم والمثل كافة، كان له دور في بلورة ماعرف باسم المذهب الوجودي في الفلسفة والأدب والفن.

 

* * *

إن دراسة موضوع الحرب في الرواية ضمن آفاق وميادين الغرض الثاني السابق، وانطلاقا مما سبق، حول دور الحرب وأثرها في الادب والفن، ومنه الرواية كفن موضوعي، سيبين مدى تاثير الحرب في الرواية، موضوعا وشكلا، وكيفية تعامل الروائي-كفنان وانسان –مع هذا الموضوع الذي له الاهمية التي سبق توضحيها.

 

حول المنهج:

يتوفر امامنا اكثر من منهج لدراسة موضوع الرواية والحرب:

1-المنهج الأول:

ينطلق من العمل الا بداعي (الرواية) ذاته،  فيدرس التنوع الحاصل في الاسلوب والمعالجة الروائية للحرب، كموضوع له معاناته الخاصة في الذات الانسانية، وبالتالي اختلاف التنأول من روائي إلى أخر، تبعا لطريقة الكاتب في رسم الشخوص وتصوير الأحداث وحركتها، مما يؤدي بنا إلى تصنيف للاعمال الروائية حسب المذاهب الأدبية، فنكون عندئذ أمام: معالجة رومانسية للحرب ، واخرى واقعية، وثالثة رمزية...الخ وهذا التنوع في المنطلق يؤدي إلى اختلاف في الاهتمام، فروائي يهتم برصد سلوك الشخصية وردود فعلها ازاء الحرب، وآخر يركز عنايته حول الاحداث  وانعكاساتها في الواقع، وثالث يهتم بالناحيتين معا، ويكون الخلاف من واحد إلى آخر ضمن هذه الفئة، في النظرة العامة التي تصبغ الشخوص والاحداث، مما يجعل هذا يدور في افق مذهب ادبي، وذلك يتاثر بنظرة مذهب ادبي آخر، اخذين في الاعتبار، ونحن بصدد  هذا المنهج، ان المذاهب الأدبية بمفهومها الغربي، عرفت في الأدب العربي الحديث مجتمعة،غير خاضعة لما يشبه التسلسل الذي عرفت به في الآداب الغربية.

 

 

 

2-المنهج الثاني:

ينطلق من تصنيفات الموضوع-الحرب-كاساس، فيتوقف امام المحطات الاساسية فيها، فينطلق من مواقعها المهمة التي يتوقع ان تكون قد تركت تاثيرات وبصمات واضحة في الرواية، كالحربين العالميتين الأولى والثانية ، والحرب العربية-الصهيونية عام1948، و حرب نكسة عام1967، والعديد من حروب ومعارك التحرير والاستقلال الوطني...الخ، يتوقف الدارس امام كل حرب من هذه الحروب، ليوضح كيفية تجليها في الرواية،وطريقة الروائي في معالجتها، سواء في رسم الشخوص أو حركة الاحداث، وما يتعلق بالبناء الروائي(الشكل الفني) آن كانت بعض هذه الحروب قد افرزت شكلا متميزا في البناء الروائي.

إن هذه الدراسة ،سوف تعتمد المنهج الثاني، لانه في التطبيق، ياخذ جانبا من المنهج الأول، فيصبح أكثر شمولا، واقدر على انارة الجانبين:الموضوع والتنأول الفني له. وذلك لأن "رؤية الاديب هي التي تتحكم في اختيار موضوعه كما تتحكم ايضا في اختيار الكاتب جزئيات هذا الموضوع، مما يؤثر بدوره على بناء العمل الادبي"(20).وعند التوقف أمام المحطات والمواقع الأساسية من موضوع الدراسة(الحرب)، لرصد تنويعاتها المتنوعة في الاعمال الروائية، سوف نعتمد على نماذج من هذه الاعمال كي لا تتضخم هذه الدراسة، وبالذات إذ جدنا ان المعالجة الروائية متشابهة في أكثر من عمل،وفي هذا اعتذار مسبق للقارئ الذي يعرف رواية لم نتطرق اليها، ولكاتب الرواية الذي عالج محطة أو موقفا من مواقع دراستنا، ولم يجدنا قد توقفنا عند عمله هذا، فالدراسة لاتسعى إلى أن تكون شاملة حصرية، أنما تطمح إلى تأسيس منهج فني، فيما يتعلق بموضوع "الرواية والحرب"، من خلال الدراسة التطبيقية على نماذج من الاعمال الروائية التي عالجت هذا الموضوع.

إن المحطات والمواقع الأساسية المتلقة بموضوع  الحرب،التي سندرس الرواية من خلالها، وندرسها من خلال الرواية، على اساس جدلية العلاقة بين الفن والحياة ، هي:

1-الحربان العالميتان الأولى والثانية.

2-حروب ومعارك التحرير والاستقلال الوطني.

3-الحرب العربية-الصهيونية عام1948.

4-حرب النكسة عام1967.

5-حرب اكتوبر عام 1973.

6-احداث ومعارك الحرب الاهلية اللبنانية المستمرة حتى الآن.

إن الخلفية لهذه الحروب من حركة التاريخ في عصرها، وموقع  الانسان وبنائه الاجتماعي منها، امر ضروري ، لأن الاضاءات التاريخية والاجتماعية، تقدم للناقد الصورة العامة التي حدثت فيها ومن خلالها هذه الحروب، مما له علاقة بعمل الروائي، وبالذات فيما يتعلق برسم الشخوص وتصوير الاحداث، لأن بعض" المضامين الروائية عند بعض الكتاب لا تتوقف عند حد هذا التصوير بل تتعداه وتتجأوزه لاعطاء وضع ملتصق بماضي الوطن ومستقبله، حيث يكون حبل النضال ضد الحرب وكافة المظاهر الملتصقة بواقع الحرب والاحتلال"(21).الا اننا- في هذه  الدراسة –لن نجعل تتبع الخلفية التاريخية والاجتماعية للاحداث ، يصرفنا عن العمل الروائي الذي هو الهدف الاساسي في عملنا، وذلك اعتمادا على ان اغلب هذه المواقع أصبحت خلفيتها التاريخية والاجتماعية معروفة، كما اننا سنثير إلى ما له خصوصية معينة من هذه الخلفية، ونحيل إلى الدراسات والمراجع في تتبع بقية جوانبها.

 

الهوامش:

1.      الاصحاح الثامن-سفر التكوين.

2.      الاصحاح الثالث-سفر التكوين

3.      فرويد-الحرب والحضارة والحب والموت، ترجمة د.عبدالمنعم الحفني، مكتبة مدبولي، القاهرة، ط2 ،77ص14.

4.      المرجع السابق ص14.

5.      المرجع السابق ص 15.

6.      يراجع بهذا الخصوص كتاب الدكتور زكي المحاسني: شعر الحرب في ادب العرب، دار المعارف بمصر، ط2،1970

7.      للاطلاع على ما قيل في هذه الحرب من اشعار يراجع كتاب:د.عادل البياتي-الشعر في حرب داحس والغبراء، مطبعة الاداب في النجف الاشراف، 1972.

8.      د.عبدالحميد يونس-الهلالية في التاريخ والادب الشعبي، دار المعرفة، القاهرة، الطبعة الثانية، 1969، ص 158.

9.      نلاحظ بهذا الشان التوسع الذي طرأ على مفهوم العرب لشعر الحماسة، حيث اصبح  يشمل الاشعار الجزلة القوية،ذات المتانة والروعة، في اغراض الشعر المختلفة.

10-محمد مفيد الشوباشي-القصة العربية القديمة، المكتبة المؤسسة  المصرية العامة للتاليف والترجمة والطباعة والنشر.

11-راجع معلقة عنترة الميمية التي مطلعها:هل غادر الشعراء من ام متردم هل عرفت الدار بعد توهم .

12-هو الشاعر العربي الجاهلي ابوالنصر البراق بن روحان بن اسد بن بني ربيعة، وهو من اقارب المهلهل وكليب، ومات 470م تقريبا.

13-هي ليلى بنت  لكيز بن مرة بن اسد بن ربيعة ولقبت بالعفيفة، بعد رفضها الزواج من عمرو بن ذي  صهبان من ابناء ملوك اليمن، لانها كانت تحب ابن عمها البراق.

14-تراجع قصيدتها المشهورة التي مطلعها:  ليت للبراق عينا فترى ما اقاسي من بلاء وعنا.

15-رايان وات-ظهور الرواية الانجليزية ، ترجمة د. يوئيل يوسف عزيز، الموسوعة الصغيرة، رقم(84)،وزارة الاعلام –بغداد 1980ص18.

16-لمزيد من التفاصيل عن جهود جوردي زيدان واسلوبه في الرواية التاريخية تراجع:أ.عبدالمحسن طه بدر-تطور الرواية العربية الحديثة في مصر، دار المعارف بمصر ط2 ، 1968، 94-106. ب- د.محمد يوسف نجم –القصة في الادب العربي الحديث ، دار الثقافة، بيروت  ط 3 ، 1966 ص176-307.

17-د.رجاء عيد-فلسفة الالتزام في النقد الادبي، دار الثقافة للطباعة والنشر، القاهرة ، 1975ص 364

18-ارنست فيشر-ضرورة الفن، ترجمة اسعد حليم، الهيئة المصرية العامة للتاليف والنشر، 1971 ص 104.

19-د.محمد مندور –الادب ومذاهبه، دار نهضة مصر، القاهرة،1974ص 147.

20-د.عبدالمحسن طه بدر-الروائي والارض، الهيئة المصرية العامة، القاهرة، 1971ص6

21-د.محسن  جاسم الموسوي-الموقف الثوري في الرواية العربية المعاصرة، وزارة الاعلام- بغداد، 1975 ص 67.



* نشرت هذه الدراسة في العدد (235) من مجلة "المعرفة"سبتمبر (ايلول)1980

الفقرة التالية
إطبـــــــع  ارسل الصفحة الى صديق إحفظ الصفحة