![]() |
تمهيد
الجهود الروائية في فلسطين
قبل عام 1950
أ- البذور الأولى والأرضية
العامة:
ان الأجواء القصصية عند كل
الشعوب سواء القصص الشعبي المتمثل في السير والحكايات او القصص الديني والأسطوري
وتكاد هذه الأجواء تكون واحدة عند الشعب العربي في كافة أقطاره خاصة في الفترة
التي سبقت ظهور وسائل التسلية والتثقيف كالإذاعة والتليفزيون إلا ان كافة هذه
الموروثات من قصص شعبية وتاريخية وأسطورية لم تؤثر في البذور الأولى للرواية في
فلسطين بدليل أننا لا نعثر على انعكاسات لها فيما عرف من أخبار و أعمال فقد توجهت
البذور الأولى لهذا الفن نحو الترجمة عن الآداب الغربية فمن اقدم الأخبار في هذا
المجال لويس شيخو([1])
في ترجمته لميخائيل بن برجس عورا قوله : " مولود في عكا عام 1855 ومات في
نابلس … ومن
أخباره روايات مختلفة " ويذكر الدكتور محمد يوسف نجم انه قد نشر في جريدة الأهرام
عام 1876 رواية (البنون في حب مانون) ([2])
. ويبدو ان له علاقة قوية بالصحافة إذ يذكر شاكر مصطفى انه انشأ مجلة في
باريس اسمها (الحقوق) ([3])
.
الحقوق ومن هذه الأخبار ما
يذكر ان رشيد الدجاني اختار رواية (ابنه الكاهن ) او (يقظة الجيش) فعربها وهي
رواية أدبية اجتماعية غرامية وموضوعها انتقاد أساليب بعض الكتاب في تأليف الروايات
على اختلاف مواضيعها([4])
. وهناك العديد من الأخبار المتفرقة عن الروايات المعربة في البذور الأولى
هذه. أما الجهود الروائية المترجمة والموضوعة التي اتخذت شكلا منظما واضح المعالم
فنلمسها في الجهود كل من :
خليل بيدس ومجلته النفائس:
من المعلومات التي قام
بجمعها الدكتور ناصر الدين الأسد([5])
عن حياة خليل بيدس نعرف انه ولد عام 1875 في مدينة الناصرة وقد درس في دار
المعلمين الروسية بالناصرة ست سنوات فأرسل مديراً للمدرسة الابتدائية الروسية في
بسكنتا بلبنان حيث درس ميخائيل نعيمة ثم عاد الى حيفا ومارس التعليم معلماً للغة
العربية في مدرسة المطران الإنكليزية في القدس حتى عام 1945 حيث أحيل على التقاعد
وبعد نكبة 1948 هاجر الى عمان بشرق الأردن ومكث فيها فترة قليلة انتقل بعدها الى
بيروت حيث توفي فيها عام 1949 .
لقد تأثر خليل بيدس بسنوات
دراسته في دار المعلمين الروسية التي أمضى فيها ست سنوات حيث " كانت الدروس
تلقن بالروسية ما خلا اللغة العربية وأدبها والتاريخ العام والتعليم المسيحي([6])
، ومن الطبيعي ان تهتم هذه المدرسة بتدريس اللغة الروسية والأدب الروسي على أيدي
معلمين من الروس او من العرب الذين تخرجوا من معاهد روسيا كما يبدو من حديث
ميخائيل نعيمة الذي التحق بالمدرسة عام 1909 أي بعد تخرج خليل بيدس منها بخمس
سنوات تقريباً . يقول ميخائيل نعيمة عن جو المدرسة الذي لا بد ان يكون ترك نفس
الآثار في فكر أستاذه بيدس من قبله : " .. ما ان تمكنت الى حد ما من قواعد
اللغة الروسية وحفظت قسطا لا بأس به من مفرداتها حتى انطلقت أطالع في المجلات
الروسية التي كانت تصلنا واقتحم كتاباً من عيار دستويفسكي وتولستوي .. إلا أن
مطالعتي الروسية وان تركت في قلبي غصة بسبب نقص معارفي اللغوية لم تلبث ان أثارت إعجابي
بالأدب الروسي، وحسرتي على الأدب العربي بالنسبة إليه فقد تكشف لي فقرنا الفاضح
الى أدب ينبع من الحياة وأدباء لا يتلهون بالقشور عن اللباب.
ومن بعد أن كنت أحسد
الكثير من أدبائنا وشعرائنا المعروفين في ذلك الزمان واتمنى لو أكون كواحد منهم،
بت اخجل بهم واتمنى لو استطيع أن اكتب كما يكتب هؤلاء الروس([7])
.
إن هذا الجو الذي عاشه
خليل بيدس قل تلميذه ميخائيل نعيمه جعله يوجه عنايته نحو الأدب الروائي الروسي
بالذات، مكرساً مجلته (النفائس) الى نقل روائعه الى العربية وقرائها.
وقد أثرت المدارس الروسية وأساتذتها
الروس في إشاعة هذا الجو الذي أوجد العديد من الفلسطينيين الذين يترجمون عن
الروسية ويُعرِّفون بالأدب الروسي ([8])
، كما لعبت هذه المدارس التي كانت منتشرة في أنحاء فلسطين وبلاد الشام دوراً
في لفت الأنظار الى الأدب الروسي، والرواية منه بصفة خاصة، وبالتالي أثرت في نشأة
الرواية الفلسطينية معتمدة على نظيرتها في الأدب الأوروبي إذ "لم يكن بإمكان
التراث القديم على ما فيه من روعة وطرافة وأصالة، ان يرضى حاجات البورجوازية
الجديدة النامية او يتلاءم معها انه يعبر عن المجتمع من القرون الوسطى وعن مثل في
الحياة متصلة بأنماط من الحكم وعلاقات في الاقتصاد والمجتمع بدأت في الاضمحلال
وبدأ التطور الاجتماعي يقود الى غيرها "([9]).
انشأ خليل بيدس مجلته
(النفائس ) في حيفا عام1908 ، إذ صدر العدد
الأول منها في نوفمبر من هذا العام، ووصفها بأنها (مجلة لطائف وفكاهات).
وهذا الوصف يتلاءم مع تلك النظرة السائدة آنذاك للقصة، فأغلب المجلات كانت تفرد
لها باباً تسميه الفكاهات([10])
ويرجع هذا التستر والتمويه الى النظرة المعادية للقصة، والقصاصين، مما حدا
بمجلة (المقتطف) في بادئ أمرها ان تحجم عن نشر القصص وحثت المربين وأولياء
الأمور أن يبعدوا الشبان والشابات
عن قراءة القصص الباطلة التي تفسد الأخلاق([11])
………
ومحمد حسين هيكل نفسه
عندما نشر روايته (زينب) لأول مرة عام 1914 لم يطلق عليها رواية، إنما اعتبرها
(مناظر وأخلاق ريفية) بقمل (مصري فلاح)، وظل ينتظر حتى عم 1929 عندما تقلبت البيئة
أن يضع اسمه عليها([12]).
وكما هو واضح فإن عام 1908
فترة مقدسة زمنياً لظهور مجلة خاصة بالقصة في فلسطين، إذا ما قورنت بأقطار أخرى
سبقت في مضمار الأخذ بأسباب الحضارة الحديثة كمصر ولبنان. وقد كان لدى بيدس إحساس
خاص بأهمية الفن الروائي وتأثيره فهو يقول في العدد الأول من مجلته:(…… وبعد ، فلا
يخفى مال للروايات على اختلاف مواضيعها من التأثير الخطير في القلوب والعقول حتى
اعتبرت انها من اعظم أركان المدنية بالنظر الى ما تستبطنه من الحكمة في تثقيف الأخلاق
وما تنطوي عليه من العبر والمواعظ في تنوير الأذهان، ولما كان لها هذا المقام
الرفيع،وكان لجميع الطبقات من خاصة الناس وعامتهم شغف بأمرها وإقبال غريب عليها،
عقدنا النية على إصدار هذه المجموعة نضمنها من الروايات الأدبية والفكاهات العصرية
وغير ذلك من النوادر واللطائف ما يتوق الى مطالعته والتفكه بتلاوته كل أديب…([13]).
وكان أول ما نشره قطعة
بعنوان (ثمانية مشاهد) أطلق عليها رواية واقعية، استغرقت عشر صفحات([14])،
وتدور حول زواج الملكة حنة حاكمة قشتالة عام 1496 من الدوق فيليب برنس هابسبورج-
حسب تعبيره- وفجأة اكتشف الأمير أن هناك جفاء وشروداً من زوجته بسبب حبها للدون
دافيليد، الذي استدل على شخصيته من الصور التي طالما رسمتها الملكة له إذ كانت
تقطع وقتها برسم الصور والمناظر
وحدث ان اقتاده الأمير الى غرفة التعذيب ومعه مصور اسمه لويس دي لوسيرو كي يرسم مشاهد التعذيب وأثرها على وجه الدون
دافيليد ثم حمل الصور الى الملكة ايت صعقت عندما وجدت ان حبيبها عذب بهذا الشكل
ومات تحت التعذيب فحكمت المحكمة
بعدئذٍ بتتويج الأمير ملكاً
بدلاً منها وظل كذلك حتى موته عام 1506)).
وقد استمر إصدار خليل بيدس
لمجلته (النفائس ) في حيفا لمدة عامين، ثم اخذ يصدرها في القدس ابتداءً من السنة
الثالثة( كانون الثاني1911)، وقد ظلت تصدر في القدس حتى نهاية عام 1913، ثم انقطعت
حيناُ حتى أعاد إصدارها في حيفا عام 1919 لمدة عام واحد ثم توقفت نهائياً([15]).
وطوال فترات صدورها ظل
بيدس يوجه جل اهتمامه للرواية، ينشر في كل مجلد منها رواية مسلسلة في الغالب
مترجمة عن الروسية.
ففي إعداد المجلد الأول
(1908) نشر رواية الكاتبة الإنكليزية ماري كورلي (تحت نير السلطة) عن ترجمة ز.
جورا فسكاريا الروسية لها، ونشرها بعنوان(شقاء الملوك) وذلك قبل ان يصدرها مستقلة
في طبعة ثانية عام 1922. بالاعتماد على دليل الكاتب الفلسطيني ([16])
نرى ان لخليل بيدس أربعة وثلاثين مؤلفاً في الرواية والتاريخ والكتب المدرسية وخلافها.
وقد أورد الدليل ضمن هذه
المؤلفات الروايات التالية:
1-انة القبطان_لبوشكين، جريدة المنار بيروت 1898.
2-القوزاقي الولهان_رواية مترجمة، نشرت في جريدة لبنان لصاحبها إبراهيم الأسود
في سنتها السابعة بيروت عام 1898، ثم طبعت مستقلة عام 1899.
3-الطبيب الحاذق ـ بيروت 1898.
4-شقاء الملوك ـ للكاتبة الإنكليزية ماري كوري، ترجمها عن الروسية بعنوان
(شقاء الملوك) ونشرت مسلسلة في إعداد المجلد الأول من النفائس (1908) ثم ظهرت في
طبعة مستقلة عام 1922 عن مطبعة دير الروم بالقدس .
5-أهوال الاستبداد –لتولستري_ المطبعة الوطنية
حيفا 1909.
6-الحسناء المتنكرة –للإيطالي اميل سلفاري – صدرت ملحقة
بالمجلد الثالث من النفائس العصرية عام 1911 ثم طبعت ثانية عام 1925.
7-هنري الثامن وزوجته السادسة – للكاتبة الألمانية ف . ملباخ ، صدر القسم الأول منها عام 1912 في
المجلد الرابع من مجلته النفائس ، وصدر القسم الثاني عام 1913 نلحقاً الخامس ، ثم
صدر في القدس عام 1921 .
8- العرش والحب – القدس 1921
9-الوارث (رواية مؤلفة ) – القدس 1920
10-حنة كارنين لتولستوي، أعلن عنها
في الجزء السابع من السنة الخامسة من مجلته النفائس، على انها ستكون هدية
السنة السادسة للمشتركين، واعتبرها اشهر روايات الفيلسوف لتولستوي،بل اشهر
الروايات الفلسفية الاجتماعية على الإطلاق.
ونتيجة للظروف السياسية التي مرت على الوطن الفلسطيني بعد عام
1948، ضاع اغلب نتاج خليل بيدس الروائي وغيره، إذ لم اعثر له في اغلب المكتبات
العربية على ([17]) غير ما وجدته في دار الكتب المصرية
:
1-المشوه،
ترجمة عن فيكتور هوجر.
2-هنري
الثامن وزوجته السادسة معربة عن ت.ملباخ. دار الأيتام السورية القدس 1922.
3-أهوال
الاستبداد، معربة عن تولستوي. القاهرة المطبعة العصرية 1927.
4-مسارح
الأذهان (مجموعة قصص) مؤلفة. القاهرة المطبعة العصرية 1924.
5-شقاء
الملوك، معربة عن كاري كوري (رواية أدبية غامية) مطبعة دير الروم_ القدس 1922.
6-العرش
والحب_ مترجم.دار الأيتام السورية القدس 1914. وقد حاولت جاهداً العثور على روايته
الوحيدة المؤلفة (الوارث) فلم أتمكن من ذلك، لا في المكتبات المشار إليها. ولا عند
أصدقائه.
رأيه في الرواية والروائي:
لقد ترك خليل بيدس تنظيرات مهمة ضمنها رأيه في فن الرواية وأهمية هذا الفن
ومكانه الرواية بين الفنون الأدبية، ورأيه في كتّاب الرواية وما يجب ان يكون عليه
فمنهم الروائي، وهي آراء متقدمة إذا نظر إليها في إطار الزمن والظروف التي كتبت
فيها.
وقد جاءت هذه الآراء في مقدمته لمجموعته القصصية (مسارح الأذهان) ([18])
التي جاءت في ثماني صفحات ومنها يبدو ان الروائي اصبح لا يخجل من فن الرواية كما
مر بنا، إنما يقدم على توضيح أبعاد هذا الفن، ويهاجم المتطفلين عليه الذين أساءوا إليه
بالترجمة حيناً والتأليف حيناً آخر.
كما يبدو منها الغيرة الأكيدة لدى بيدس على هذا الفن الأدبي الناشئ،
وطموحاته ان يقوم هذا الفن بدور مهم في تطوير المجتمع وتقويم أهدافه. ان أهم هذه الآراء
والمواقف تبدو فيما يلي:
أ- إحساسه المبكر بأهمية الرواية ودورها :
فهو يقول : " لا يجهل أحد ما للروايات من الشأن الخطير والمقام الرفيع
بين سائر كتب الأدب عند جميع الأمم ، فهي اعظم أركان المدينة ، وفي مقدمة
المطبوعات انتشارا وتدولا واشدها رسوخاً في النفس والقلوب ، وأثبتها أثراً في الأخلاق
والعادات وأعظمها عاملا في البناء والهدم لأن فيها تمثيلاً لمظاهر الحياة وصورها
من خير وشر وفضيلة ورذيلة ، وعدل وجور ، وصدق وكذب وفيها وصف أحوال الأمم وعبر
الزمان ، وحوادث الحب والغرام والحرب والسلام "([19]).
ب- لمن يكتب الروائي ؟
يقول خليل بيدس " .. الروائي يكتب للعامة ، وهم السواد الأعظم من كل أمة
، يكتب للنفوس الحائرة ، والقلوب الظمأى . والعامة يميلون الى الرواية لأنها
كتايهم ورفيقهم وعشيرتهم ، وهي اجمل ما يتلهون به في ساعات فراغهم ، وافضل ما
يرتاحون لمناجاته في خلواتهم ، وانجح ما يتوسل به لإصلاح عادتهم وتثقيف أخلاقهم وأعذب
مورد يستمدون منه البصائر"([20]).
ج- من هو الروائي الحقيقي في
نظره ؟
يقول بيدس : " .. الروائي ان لم يعاشر العامة ويدرس أحوالهم او لم يكن
منهم ويعيش بينهم او لم تكن فيه قوة التصور ومهارة التصوير وبراعة الوصف ولم يكن
فيه النظرة الأدبية الصادقة الى الحادث ، والارتياح التام بل الكلف التام ببحثه ..
فليس بروائي عبقري .. وهو ان لم يقرأ مئات الروايات ومئات التواريخ ، ولم يطلع على
حوادث الكون ويلج في المجتمع ، ويدرك معنى الحياة وأسرارها وأساليبها ، وينتزع غرض
روايته من حوادث الحياة وطبيعة الإنسان ، ويجعلها منطقية على الحقيقة والواقع فليس
بروائي متفنن .. وهو ان لم يكن
نبياً يرى ببصيرته ما لم يراه غيره، وان لم يكن شاعراً يحلق في سماء الخيال ، ولم
يكن عالماً اجتماعياً يعلم الأحوال ويطلع على كل شأن من الشؤون فليس بروائي ماهر
.. فالروائي الحقيقي العبقري المتفنن هو من عاش للفن ، ومات في سبيل الفن "([21]).
-د- ما هي شروط الرواية
الحقيقة ؟
يرى بيدس ان "
الرواية الحقيقية الفنية هي التي ترمي المغازي الحكيمة او الأغراض الأدبية ، الى تمجيد الفضائل ، او التنديد
بالرذائل ، الى تهذيب الأخلاق وتنوير العقول وتنقية القلوب وإصلاح السيرة .. التي
تبقي أثراً في نفس القارئ ، وتحدوه على الأمل وتقوده في سبيل الرقي الأدبي والحب
النقي … ان
رواية ولو صغيرة ، تجلى فيها جمال الفن فامتزجت بأجزاء الفن لخير من المئات من أمثال
تلك السلع التافهة التي يتاجر فيها بعض المشعوذين .. ولا شك ان قيمة الرواية هي
فيما تتضمنه من الفائدة ، وتتوخاه من العبرة "([22]).
ان هذه الآراء والمواقف لا
تحتاج الى تعليق وتوضيح كي نبين اهميتها ووضوحها وجرأتها في الظرف والزمان اللذين
قيلت فيهما وهي تبين بعد نظرة بيدس وإخلاصه للفن الروائي ، وغيرته عليه ، كي يتبوأ
المكانة اللائقة في توضيح الحقائق
وتطور المجتمع وتقدمه .
· جهود احمد شاكر الكرمي
ومترجماته
لقد مهدت جهود احمد شاكر
الكرمي الطريق لتطور فن الرواية في فلسطين واستطاع في تلك الفترة ان يقدم بعض الإضافات
في هذا الميدان . ولد احمد شاكر الكرمي في طولكرم بفلسطين 1894 ، ودرس علومه في
مدارس مسقط رأسه ثم ذهب الى الجامع الأزهر عام 1331 هـ وأمضى فيه قرابة خمس سنوات
وعند نشوب الحرب العالمية الأولى سافر الى الحجاز ليعمل في جريدة "
القبلة" بمكة ، ومكث فيها سنة كاملة ثم عاد الى القاهرة وعمل في جريدة الكوكب
الأسبوعية ، التي كان يحررها احمد القلقيلي . وفي عام 1920 سافر الى دمشق ، حيث
كان والده الشيخ سعيد الكرمي نائباً
لرئيس المجمع العلمي هناك ، وعمل في وظائف متعددة ، كان من بينها بالصحافة إذ كتب
في مجلة الفيحاء الأسبوعية ومجلة العروس الدمشقية لصاحبتها ماري عجمي ، ثم اصدر
مجلة (لميزان) الأدبية الأسبوعية واستمرت لمدة سنتين (1925-1926) ، وتوفي بداء
السل في 9 تشرين أول 1927([23])
لقد ترجم في جريدته (الميزان)
العديد من القصص لكتاب أوروبيين أمثال : اوسكاروايلدوجي دي موباسان وتشيكوف وطاغور
وفي كتابه الأول (الكرميات) ([24])
الذي أصدره عام 1921بمصر نشر
مجموعة من المقالات المتنوعة سبق ان نشرها في الصحف المصرية بتواقيع رمزية
منها " "قدامة " ،
" عازب " ، " المسلم الحر " ومن هذه المقالات ما عنونه بـ (حظ
الآباء) و (المطالعة الفنية) ، و(الآداب العربية) (والعزوبية والزواج) ، (تعدد
الزوجات) وعناوينها تنبئ بمحتواها الذي يغلب عليه تناول الجوانب الاجتماعية للحياة
في عصرةه . وفي باب الترجمة عرّب اشعاراً لـ (شلي) منها : " فلسفة الحب"
، " الحرية " وفيما يختص بالرواية ترجم قصة " الفلسفة الشرقية
" أو " نادي سو Thecoffeehousesurat
للفرنسي برنادين دو سان
بييرونقلها عن الانجليزية التي كان يجيدها .
وموضوع القصة يتناول جوانب
انسانية ذات علاقة بالديانات التي علرقتها البشرية وتدور حول جماعة من الناس
مختلفي الجنسيلت والاديان التقوا في مقهى بمدينة سورات الهندية . وقد دخل النادي
احد الايام رجل فارسي درس الالهيات بعمق حتى وصل الى درجة الهذيان وفقدان الذكاء
والفطنة ، حتلى انتهى به لاملر الى انكار وجود الخالق ، ونتج ذلك عن طرده من مملكة
فارس . دخل الفارسي النادي تاركاً عبده الاسود الباب ، وتناول قطعة من الأفيون ،
ولما تخدر سأل العبد : ان الله موجود وأ خرج صنماً من خشب قائلاً هذا هو الإله … بعد ذلك بدأ كل واحد من حضور المقهى يبدي رأيه في الإله الحق كما
يراه وقد تعصب كال واحد الى ديانته فالبرهمي يعتقد ان الله هو (برهم ) خالق العالم
وموجده ، واليهودي يدعي ان الإله الحق هو رب إبراهيم اسحق ويعقوب والمسيحي يرى
الخلاص في أحضان الكنيسة الكاثوليكية ، أما التركي المسلم فيصر على ان الدين الحق
هو دين محمد خاتم الأنبياء .. وعندما اشتد الخلاف بينهم تدخل رجل صيني من اتباع
كونفوشيوس فقص عليهم قصة رجال
اختلفوا حول حقيقة الشمس مدللاً من خلالها على ان الكبرياء والعناد هما سبب
الاختلاف بين الناس ، فالكل يود ان يكون إلهه هو الإله الوحيد .. واستمر في إقناعهم
حتى اسكت النقاش . وقد ترجم أحمد شاكر الكرمي في الكتاب نفسه بعض القصص القصيرة
منها : ( ما اغلاه ) لجي دي موباسان ، ( العمل والموت والمرض ) لتولستوي و(الزهرة)
فينوس ـ عن كتاب الصور لمارك توين .
وفي العام التالي (1922)
أصدر روايته " ميّ "([25])
أو "الخريف
والربيع" معربة عن " تشوسر" . وقد وصفها بأنها رواية اجتماعية تصور
بعض السلبيات ، وقد كان يهتم بالجانب الإصلاحي الاجتماعي ، فهو يقول في تمهيده
للرواية :
" قد يكون فيها عبرة
للضعاف الأحلام من الكهول والشيوخ الذين تقودهم حماقات المشيب الى الاقتران بفتيات
في نضرة الشباب وربيع العمر ، فيجنون بذلك على الذوق الفني بجمعهم صورتين
متناقضتين إحداهما شوهاء قبيحة وأخرى حسناء مليحة في إطار واحد ، ويقتلون الفتاة
المسكينة التي توقعها الأقدار بين أيديهم ، إما قتلاً مادياً يذوي به شبابها أو
قتلاً معنوياً يذهب به شرفها وعفافها عندما تضطر الى الإصغاء الى رغبات قلبها
وتعمل مجبرة على إشباع طبيعتها عن طريق حرام "([26])
ويلح على الجانب الإصلاحي فيواصل عظته قائلاً : " … وقد يكون في هذه
الرواية أيضاً عظة للقساة الجناة من الوالدين الذين يلقون ثمرات أحشائهم بأيديهم
في التعس والشقاء ، ويمهدون لهن .
وسبل الغواية
والضلال طمعاً بمال زائد ومادة فانية .. "([27])
وهذه النضرة الإصلاحية ذات المنطلق الاخلاقي تتفق مع افكاره التي طالما عبر عنها
في مقالاته الصحفية التي أشرنا إلى بعضها في كتابه (الكرميات) .
أن أخذ القارئ
ومنفعته في الاعتبار كانت دوما من هواجس احمد شاكر الكرمي في كتابه ، فهو يبحث عن
النافع والمفيد للقارئ لضمان إقباله ورضاه يقول : " .. يقول كثير من الساخطين
أن قراء العربية قليلون وان قلتهم هي سبب كساد الأدب وشقاء رجاله ونحن لا ننكر قلة
القراء ولكننا لا نرى قلتهم تسبب مثل هذا الأمر لرجل قدير من رجال الأدب يعرف
مشارب القراء ورغائبهم وأذواقهم
فيقدم لهم ما يشتهون .. ان مثل القراء والمؤلفين كمثل التاجر وعملائه يطلبون منه
ما يوافقهم ويلائم أذواقهم فإذا وجدوه عنده أخذوه وإذا لم يجدوه قصدوا سواه "
([28])
وبعد ان يورد بعض الكتب والروايات التي لاقت رواجاً يُعقِّب بقوله " … كل هذه الحوادث أدلة
على أن قراء العربية لا يقصرون في مساعدة المؤلفين وترويج آثارهم متى كانت نافعة
مفيدة "([29]).
أما روايته
التي قصد منها الإصلاح فتدور حول رجل كبير مسن ثري ، أراد بعد باع طويل من الفساد
، أن يلبس ثوب الحكمة والزهد ، بالزواج من فتاة صغيرة ، طالبا ـ حسب رأيه اللذة
الزوجية الشريفة ، والاستقرار النفسي المشروع …
ويقع في حبائله رجل يحب المال فيوافق على تزويجه ابنته الصغيرة التي لا تملك
حق الرفض .. ولما كان الفارق الكبير
في السن حائلاً دون إشباع رغباتها ، تضطر إلى الانحراف والبحث عن هذه الرغبات مع
خادمها الشاب ….
وكما يبدو من
مقدمة الرواية ، فأنها قد قوبلت بالاحتجاج من سيدات عصره لذلك يلجأ في نهايتها إلى
التوضيح يقول فيه : " .. لو كنت ممن يبيحون لأنفسهم التصرف في آراء سواهم
بمحو او تبديل ، لكان من الجائز أن أفكر في إصلاح هذه الرواية التي أراد المؤلف ان
يجرح بها النساء بالغا ، فأنني كنت ممن يحترمون المرأة ويجلّون قدرها إلا أنني
احترم أيضاً رأي سواي ، واحرص على الأمانة في نقله ، ولا أبيح لنفسي العدوان
بزيادة او نقصان " وهذا التوضيح يبين ناحيتين :
الأولى : أن
هذا الرأي في المرأة ليس له ، فهو للمؤلف الأصلي ( جيوفري شوسر ) ، والكرمي مجرد
مترجم ، وبالتالي فهو برئ من لوم النساء وتقريعهن .
الثانية :
أسلوب احمد شاكر الكرمي في الترجمة،
فهو_ كما يقول_ حريص كل الحرص على الأمانة في النقل والترجمة، لا يبيح لنفسه التصرف
بزيادة أو نقصان.
وهذا جديد
ومتقدم على عصره، إذ كان المترجمون يتصرفون في النصوص المترجمة على هواهم،
بالزيادة والنقصان، والذف والتغيير، أحياناً إدخال الأبيات الشعرية، وغيرها، ويكفي
للتدليل على هذا الأسلوب ما قاله الشاعر خليل بيدس في مقدمته لرواية (شقاء الملوك)… يقول:”……" ألفتها مارلي كوري
الكاتبة الإنجليزية الشهيرة……
ونقلها ز.
جورا فسكايا إلى اللغة الروسية بعنوان( تحت نير السلطة) فعربناها عن الروسية باسم "شقاء
الملوك" وتصرفنا فيها بزيادة واسقاط وتغيير وابدال وتبويب وغير ذلك لتوافق
ذوق القراء" ([30])
.
ويقول في
مقدمته لرواية (أهوال الاستبداد)، ((……..
وتصرفت في تعبيرها بشكل يجعلها ملائمة للذوق الشرقي فزدت مثلاً فصلاً عن مدينة
((موسكو)) وفصلاً آخر عن ((ملوك الروس))، وغيره في تاريخ ((الملك يوحنا الرابع))
أحد ابطال الرواية إلى غير ذلك من الشرح والوصف الذي لا بد منه لتعريف القارئ
العربي بأحوال الامة الروسية في أكثر أدوارها)) ([31])
.
اما رواية
احمد شاكر الكرمي الثانية ، فهي (خالد ) التي عبرها عن الاميركي ماريون كروفورد ،
وطبعها في دمشق ، ويبدو في ترجمته لها لم تكن عن الانجليزية اذ يذكر شاكر مصطفى
أنه عربها عام 1922ـ1921 عن التركية
([32])
. ولم نتمكن من العثورما على هذه الرواية في أي من المكتبات السابقة المشار
اليها ، والاشارة الوحيدة عنها ما ذكره الدكتور عبد الرحمن ياغي ، نقلاً عن خاتمة
الكرمي للرواية قوله:
" .. هذه
الرواية العربية الجميلة التي أخترنا أن نتحف بها القراء ، نزفها اليهم ونحن على
ثقة من انهم سيقابلونها بالاهتمام، لما فيها من فوائد خصوصاً ايقاف قراء العربية
على ما يكتبه الغربيون عنهم……وسنبذل الجهد في سبيل اختبار مثل هذه
المؤلفات التي تجمع بين اللذة والفائدة للتعريب والنشر خدمة للغة الضاد وقياماً
بحق الأدب)) ([33])
.
تلك كانت ابرز
جهود احمد شاكر الكرمي في هذا المحال، وهي بالإضافة إلى جهود خليل بيدس، خطوتان
مهدتا الطريق إلى بلورة البيئة الروائية، وأسهمتا في تهيئة الظروف للمشاركة في هذا
الفن الجديد على البيئة الفلسطينية والعربية.
جهود جميل
البحري ومجلته الزهرة:
قام جميل البحري بدور كبير
وواسع في مجال العمل الروائي، ولا ان اغلب جهوده ضاعت ولم يبق لها اثر، وقد اشتهر
في منطقتي فلسطين والشام بـ "الروايات المثيرة التي اعتمدت على عنصر التشويق
وامتلأت بالمغامرات والعقد الروائية المثيرة التي تستثير الفضول لمعرفة النهاية
التي تؤدي إليها الأحداث المتشابكة ويغلب عليها الاتجاه البوليسي)) ([34])
وقد اشتهر جميل البحري بتمثيلياته التي كان يعدها للمسرح العام والمسرح المدرسي. يقوم عنه صديقه الدكتور عيسى
الناعوري الذي عرفه عن قرب وزامله طويلاً: ((…. كان صحفياً وأديباً. أصدر في الصحافة_ في مدينة حيفا_ مجلة (زهرة
الجميل) سنة 1922 ومجلة (الزهرة) سنة 1922، وجريدة (الزهور) سنة 1927.
إلى جانب الصحافة كان
البحري من أوفر الكتاب نشاطاً في حقل الرواية والمسرحية، وفي ترجمة الروايات
الغربية، وتتلخص أعماله في الرواية والمسرحية( للمسرح العام والمسرح المدرسي) فيما
يلي:
1- سجين القصر _تمثيلية 6-
زهرة _تمثيلية
2- قاتل أخيه_ تمثيلية 7-
وفاء العرب_تمثيلية
3- في سبيل الشرف_تمثيلية 8-
حصار طبريا_تمثيلية
4- أبو مسلم
الخراساني_تمثيلية 9-الاصائل
والاسمار_رواية
5- الخائن_تمثيلية
10-
أفراح الربيع_رواية
وكان من الكتاب المترجمين،
وقد خصص في مجلته (الزهرة) مكاناً بارزاً للروايات ولا سيما المنقولة عن اللغات
الغربية، وقد شارك في المسرح المدرسي مشاركة بارزة بتقديم التمثيليات لمديري
المدارس لتمثيلها.
اشترك في تأسيس (حلقة
الادب) في حيفا مع عدد من زملائه (قيصر خوري _ اديب الجدع _ رفيق التميمي_ توفيق
زيبق_ يوسف الخطيب_ وعبد الرحمن رمضان) وكان ذلك سنة 1922، والغاية منها: تشجيع
الخطابة، وتعزيز اللغة العربية، ونشر الكتب الادبية، شارك البحري كذلك في نظم
الشعر، وان لم يشتهر به، وكان يحشر الشعر في رواياته وتمثيلياته بحيث تنقلب إلى
مواقف خطابية، ومع ذلك سدت تمثيلياته فراغاً كبيراً في المسرح المدرسي خاصة. إلى
جانب الصحافة والعمل الروائي والمسرحي كان للبحري ايضاً مطبعة ومكتبة ( المكتبة
الوطنية)،وقد قتل في 6/9/1930 في نزاع على قطعة ارض([35])
.
ويؤكد جميل البحري صدور
التمثيليات السابقة له، ويضيف عليها تمثيلية اسمها (الوفاء العربي)، وهي خلاف
(وفاء العرب) التي ذكرها الناعوري، اذ يذكر البحري التمثيليتين الاولى في اربعة
فصول والثانية في ثلاثة فصول([36])
.
وقد ضاع كل تراث جميل
البحري، بسبب موته المبكر في عام 1930، وبسبب النكبة الفلسطينية في عام 1948 التي
كان نتيجتها تشرد الشعب الفلسطيني،
وبالتالي ضياع كتب ابنائه، او بقائها في مكتباتهم في الارض المحتله نهباً للعدو
المغتصب. ولم نستطع ان نحصل لجميل البحري الا على مسرحيته (سجين القصر) ([37])
، وكونها مسرحية، فهي لا تدخل في نطاق دراستنا عن الرواية الا ان فيها من
المعلومات ما يوضح كثافة الجهود التي كان يقوم بها البحري.
يقول البحر ي ((هذه هي
الطبعة الثانية لرواية (سجين القصر) أزُفُّها إلى حضرات رؤساء المدارس والجمعيات
وإلى جمهور الممثلين الادباء بعد ان لاقت منهم في طبعتها الاولى العطف الذي عهدته
فيهم على رواياتي التمثيلية عامة فاقبلوا عليها ايما اقبال ومثلوها على مسارحهم في
سائر الاقطار العربية واعادوا تمثيلها ولا يزالون يعيدون ويوالون طلباتهم لها حتى
وجدت نفسي مضظراً إلى اعادة طبعها بعد أن نفذت طبعتها الاولى تماما))ً ([38])
.
ومن هذا النص يتبين الرواج
الذي كانت تلاقيه رواياته التمثيلية في فلسطين وغيرها من الاقطار العربية
المجاورة، وهذا يؤكد ما جاء في رسالة الناعوري السابقة. ويتحدث البحري عن اسلوبه
في الرواية التمثيلية والظروف التي
يكتب من خلالها فيقول: ((…… الرواية منسوجة الاصل في قالب غرامي فعمدت إلى التصرف بها تصرفاً لم اترك معه باب ملامة
او تذمر من جهة آدابها، كما اني استبدلت ادوار النساء والعشاق بادوار تحاكيها رقة
وشعوراً وكنها تبعد عنها وقائع وحوادث، فجاءت كما يراها القارئ والممثل عند رغبة
القوم فيها.
ولقائل يقول ان في روايات الغرام
ما تَنْبُفل عواطفها وترفع مبادئها، فأُجيبهم على قولهم: ان روايات الغرام مهما
كنت نبيلة شريفة لا تصلح لأن تمثل على مسارح المدارس فضلا عن انه يصعب ايجاد من
يقوم بتمثيل الادوار النسائية بين الشبان حتى ولو كانت هذه الادوار خلواً من
الغرام. فهذه الفكرة هي التي جعلتني انسج رواياتي التمثيلية كلها على منوال
اخلائها من كل دور نسائي مهما كان مع الاحتفاظ بالوقائع والمغازي التي وجدت
الروايات التمثيلية لأجلها([39])
.
وفي نهاية المسرحية يعرّف
بمجلته (الزهرة) فيقول: ابتدأت هذه المجلة سنتها السادسة([40])
وهي كناية عن مجلتين متفرقتين تصدران في وقت واحد الاولى مجلة ادبية وهي
القسم الاكبر وتحوي اشهر المباحث الادبية والتاريخية والعلمية والاجتماعية
والقصائد الشعرية يتخصص لمتابعتها نفر من اكابر ادباء العصر المجيدين.
والثانية مجلة روائية وهي
ملحق مستقل بذاته يرسل مجاناً مع كل عدد إلى حضرات المشتركين ويحوي اشهر وابدع
الروايات العصرية الادبية القصصية والتمثيلية([41])
.
ويعرف بنوع الروايات التي
كان ينشرها مع مجلته (الزهرة) بما يؤكد ما قيل عن اهتمامه المفرط بالروايات
البوليسية المثيرة، فيقول: (( نشرت مجلتنا الزهرة لهذا اليوم([42])
ما يزيد على الستين رواية وكلها ادبية جديرة بمطالعة الشابات والشبان على
السواء. فمن هذه الروايات ما تدور مواضيعها حول المباحث الاخلاقية والاجتماعية
والوطنية ومنها ما تظهر غرائب اعمال البوليس الامريكي ينكروتون وغيرها تتكلم عن
مدهشات اعمال اللص الظريف([43])
. ثم يورد قائمة بثلاث وعشرين رواية تحت عنوان (الروايات الادبية الاخلاقية
والاجتماعية والوطنية) ومنها على سبيل المثال:
- الزهرة الحمراء -في
ذمة العرب
- ظلم الوالد -
مريم المجدلية
- الطفل المفقود -
سقوط بغداد
ثم يتلوها بقائمة بأربع
وعشرين رواية تحت عنوان (الروايات البوليسية واللصوصية) ومنها على سبيل المثال:
- الاختفاء الغريب
- اللص الظريف وينكروتون
- اللص الظريف في القطار
- اللص الظريف في السجن
- ايزيدور الفتى
- اللص الظريف يسجن ثانية.
تلك كانت جهود جميل البحري
ويمكن ان نلاحظ عليها ما يلي:
1- انها كانت محصورة في مجال
الروايات التمثيلية وذلك لاحساسه باقبال المدارس والاندية والجمعيات على هذا النوع
لتمثيله في نشاطاتهم وقد لاقت جهود هذه نجاحاً وانتشاراً وسد بذلك فراغاً كبيراً كما يقول
الناعوري.
2- انه كان حريصاً على ما
يرضي الجمهور بمختلف فئاته فزيادة على الروايات التمثيلية السابقة التي لها
جمهورها، نجده يخصص كثيراُ من جهده ووقته للروايات البوليسية التي تلاقي رواجاً
بين الشابات والشبن، مما جعله ينشر منها اربعاً وعشرين، من بينها ثماني عشرة رواية
من المسلسل المسمى (اللص الظريف).
ب-اعمال روائية متقدمة
منوعة:
كان من تأثير الاجواء
الروائية السابقة ان حظيت الحياة الثقافية في فلسطين بمجموعة من الاعمال الروائية
المتقدمة نسبياً، وكلها موضوعة مؤلفة، وهذا يدل على ان مرحلة الترجمة السابقة مهدت
الطريق لبداية الوضع والتأليف في هذا الفن،وهذه الروايات هي:
3- مرقص العميان_عارف العارف
1947
4- في الصميم_ اسكندر الخوري
1947([44]) .
ولما كانت هذه الروايات
الاربع مختلفة الموضوعات والاساليب فقد
رأينا ان ندرسها كلاً على حدة:
1-مذكرات دجاجة للدكتور
إسحق الحسيني:
هذه الرواية من نتاج سنة
1943 وقد نشرت في طبعتها الاولى في شهر اغسطس من السنة المذكورة في العدد الثامن
من سلسلة (إقرأ) الصادرة عن دار المعارف بمصر وقد لاقت رواجاً بدليل طبعها للمرة
الثانية في يناير 1953 كما صدرت في طبعة ثالثة بدون تاريخ.وقد قدمها الدكتور طه
حسين بكملة جاء فيها: ((…… هذه الدجاجة فلسطينية وقد كتبت مذكراتها في اكبر الظن بلغة الدجاج
وعلى النحو الذي يصطنعه هذا النوع حين يكتب نبشاً أو تصويراً على ضروب من الصحف لا
نعرفها نحن ،والله عز وجل قادر على
كل شئ وقد علم سليمان عليه السلام منطق
الطير ولغة الحيوان وكأنه علم صديقنا الدكتور اسحق الحسيني لغة الدجاج فقد
قرأ مذكرات هذه الدجاجة الفلسطينية فقهم عنها احسن الفهم وترجم عنها احسن الترجمة
وقرأنا نحن ترجمته هذه فشاركنا دجاجة فلسطين فيما احست من حزن وفرح ومن لذة والم
ورأينا_ وما اعجب ما رأينا_ أن دجاجة فلسطين تجد من حب الخير وبغض الشر والطموح
إلى المثل العليا في العدل الاجتماعي وفي العدل الدولي وفي كرامة العروبة وحقها في
عزة حديثة تلائم عزتها القديمة ما يجده كل عربي من اهل فلسطين بل من اهل الشرق
العربي كله فليت شعري ايها ترجم عن صاحبه
ترجم الدكتور اسحق الحسيني
عن الدجاجة ام ترجمت الدجاجة عن اسحق الحسيني)) ([45])
.
هذا وقد لجأ الدكتور
الحسيني إلى استعمال الرمزية الموضوعية للتعبير عن موضوع الرواية، هذه الرمزية
الموضويعة التي ((امتدت ايضا إلى المشاكل الانسانية والاخلاقية العامة تعالجها
بواسطة الخيال وتصوراته وهذه التصورات تكون غالباً بعيدة عن مشاكلة واقع الحياة
فهي لا ترمي إلى تصوير هذا الواقع وتحليله ونقده بل ترمي إلى تجسيم افكار مجردة
وتحريكها في احداث تتداخل وتتشابك لايضاح الحقائق الفلسفية نفسية كانت اواخلاقية،
لذلك قد تبدو مصطنعة دون ان يضعف ذلك من قيمتها كما تبدو غير محتملة الوقوع دون ان
يذهب ذلك بصدقها وتغلغل مغزاها في الحياة([46])
)).
وقد لجأ الدكتور الحسيني
إلى هذا الاسلوب لعدم تمكنه من ايضاح الحقائق التي يعيشها وطنه في تلك الفترة
(1943) ابان هيمنة الانتداب البريطاني على فلسطين، وفتحه الابواب على مصراعيها
امام الهجرة اليهودية بشكل مكثف واسع، جعل الخطر محدقاً بفلسطين، هذه الحالة
بالذات هي التي اوحت له بهذه المذكرات التي جاء بها على لسان الدجاجة اتقاء لشر
الحكام البريطانيين الذين كانوا يعملون بجد وسرية لخدمة الهجرة اليهودية تمهيداً
لاعلان الوطن القومي اليهودي في ارض فلسطين. وقد لمس الدكتور طه حسين في تقديمه
للرواية هذه الحالة من بعيد في قوله: ((…… هذه الدجاجة عاقلة جد عاقلة، ماذا اقول؟ بل هي دجاجة مفلسفة تدرس
شؤون الاجتماع في كثير من التعمق وتدبر الرأي، فتصل إلى استكشاف بعض الادواء
الاجتماعية وتصف لها الدواء)) ([47])
اما المؤلف نفسه فقد اراد
ان يلفت انتباه القارئ إلى ان هذا الرمز الذي بنى عليه احداث روايته مرتبط
بالواقع، كيلا يهيم مع الخيال بعيداً، دون الوصول إلى غرض الكاتب، فيقول في كلمة
موجهة إلى القارئ الكريم، ((……هذه القصة تصف حياة دجاجة
عاشت في بيتي، ووقع بينها وبيني الفة ومحبة. فكنت أطعمها بيدي وارقب حياتها يوماً
فيوماً. والأحداث التي ترويها وقعت لها بالفعل،و هي لا تتجاوز المألوف في حياة
الدجاج. ولو قدر لصديقتي الدجاجة ان تتكلم بلغة الاناسي لما قالت غير ما تقرأ.
فأنا في الواقع اترجم لك
ما اوحت به اليّ.
أما عنصر الخيال فيها
فضئيل وهو لا يعدو ان يكون تعليقاً على هامش الحياة او تحليقاً في عالم المثل
العليا)) ([48]).
ان هذا التحليق في عالم
المثل العليا غير مقصود في ذاته عند الدكتور اسحق الحسيني، انما لرؤية مدى مطابقة
هذه المثل وتوفرها في واقعه وبيئته فهو ((لم تتجاوز به مثاليته تخوم عالمه، ولم
تدر به في اقبية السحاب، وانما اتخذ فلسفته الوجدانية وسيلة لدرس شؤون مجتمعه
السياسي والاجتماعي في تعمق وتدبر)) ([49]).
فالرواية تدور حول سرد
مذكرات على لسان دجاجة في بيتها الجديد وبين اترابها من الدجاج، وتعتمد على جو
الخيال دون الوقوع في الاغراب مما جعل البناء الدرامي لها يأخذ شكلاً قريباً من
شكل الفانتازيا. والاعتماد على هذا الجو الخيالي، مع الحرص على عدم الاغراق فيه،
كي يظل عالم الواقع حياً مائلاً امام القارئ، جعل البناء الدرامي في الرواية
ضعيفاً، خاصة بسبب شغفة الشديد بالعديد من المناقشات النظرية في عالم الاخلاق
والمثل العليا والفلسفة الانسانية في شؤون الحياة المختلفة مما اثر كثيراً على سير
الحدث الداخلي في الرواية، وبالتالي اسهمت علميات الانقطاع المنتشرة في طول
الرواية إلى عدم اكتمال البناء الدرامي ووضوحه، مما يجعلها اقرب إلى المذكرات
الفلسفية النظرية الهادفة إلى ارساء قواعد اخلاقية مثالية تعالج شؤون الحياة
والمجتمع.
تبدأ الدجاجة مذكراتها بعد
انتقالها إلى بيت مالكها الجديد مقارنة بين حياتها عند المالك القديم وما جدَّ عند
المالك الجديد في حياتها الخاصة مع اترابها من الدجاج، ثم التغيرات التي طرأت بعد
وفاة زوجها_ المالك الجديد_ على كافة مسالك حياتهن الخاصة والعامة… ((وما ان اسلم
زوجها روحه حتى هرعنا اليه وانكببنا عليه نذرف الدموع مترحمات متوجعات. كنا نبكي
وننتحب ما شاء لنا البكاء والنحيب. ولكننا لم ننتفع لما ذرفنا من دموع.
ورأينا ان التجمل بالصبر
هو آخر سلاح مفجوع فنقلنا زوجنا من مأواه إلى مثواه. وبعد ان عدنا إلى مستقرنا
عودنا التوجع والتفجع حتى كدنا نشعر ان نفوسنا تحاول ان تجد لها مخرجاً من
اجسامنا، ويا ليتها خرجت)) ([50]).
بعد موت هذا الزوج اشتدت
الاخطار على البيت…. ((وافجيعتاه ؟ لقد انهار عمود بيتنا، وحامي حمانا، واسد عريننا،
واصبحنا نهبة لكل غاز فمن يرد عنا اليوم العادي والباغي؟ ومن يدفع عنا الشر
والعدوان؟ لقد اصبحت حياتنا بعد زواجنا امر من العلقم…..))([51]).
وفي مكان آخر تشخص دجاجة
(عاقلة رشيدة)_كما يسميها_الحالة بقولها لأترابها من الدجاج: )) إنني اعلم ما وقع
بينكن ولا احسبكن بعد ما اصابنا من فجيعة بعائدات إلى ما كنتن فيه من خصام وخلاف
فسيبطش بنا جميعاً دون رحمة ولا شفقة، وان اعتصمتن بحبل المحبة والوفاق وفقتن
متكاتفات، ورددتن بوادر الاضمحلال. ونحن وان كنا اناثاً ضعيفات فان الله معنا ما
دمنا مع انفسنا، فضعيفان مؤمنان متحدان اقوى من قوي باغ معتد، لانا نستمد قوتنا من
الاتحاد والحق، ويستمد عدوُّنا ضعفه من البغي والعدوان….))([52]).
وتلح الرواية كثيراً على
الجوانب النظرية-الروحية لحياة الانسان، بشكل يجعلها في مجملها مجموعة تنظيرات في
مسائل الانسانية المثالية……….((لله دنيا الحب ما اجملها واقوالها،انها جميلة لانها تشيع الحنان
والرحمة والتفاهم والاخاء وتبعث الرضا والسرور، والبهجة والاطمئنان.
ويه قوية لانها قادرة على
ان تصنع ما يعجز جميع القوى. ان الحب نور يملأ القلوب ويوحي اليها الطهر والوداعة
والرفق والشفقة والحنو والحنان. ان الحب اذا دخل قلباً طهره من الجشع والحقد
والبغض وكل رذيلة تتصل بالمخلوق. وان الحب قوة نشيطة مسيرة إلى الخير والاصلاح……………… وان اعجب لشيء
فعجبي لهذه المخلوقات، التي لا تتوسل بالحب لتتغلب على ما ينشأ بينها من خلاف
ونزاع وخصومات. فما من مشكلة تستطيع ان تثبت امام الحب بل لا يمكن ان توجد مشكلة
في عالم الحب. فالحب والخلاف لا يجتمعان في مكان واحد…))([53]).
ولما غلبت هذه الجوانب
النظرية_ الروحية، كان نصيب الاحداث في الرواية قليلاً مما جعل تلمي خط متصاعد
للحدث في الرواية صعباً, كانت بداية
الاحساس بالخطر عندما شاهدت دجاجة من اترابها وجهاً غريباً،((فقالت : انظري وراءك
فنظرت واذا وجه غريب يلوح من بعيد ، فقالت : يظهر انه مخلوق ضعيف لا خطر له .
وماذا يريد ؟ وانطلقت كالسهم نحو ذلك الوجه ، وريشها يضطرب اضطراباً شديداً .
فحلقت بها . وما كاد ذلك الوجه
يراها حتى تواري عن الانظار …. فقالت : لا اطبق ان ارى غريباً في هذه الديار "([54]).
وتستمر هذه المذكرات بنفس الاسلوب حتى تصل إلى نقطة الخطر الاساسية ، وكأنها في
ذلك الوقت (1943) تتنبأ بما ألم ّ
بالشعب الفلسطيني بعد ذلك في نكبة سنة (1948) .." … أوينا إلى
مضاجعنا مبكرين ، وقد نغمنا بالطعام
والشراب . وفي الصباح اليوم شعرنا بحركة غير مألوفة خارج المأوى ، ففزعنا . وبعد
قليل فتح الباب ، واذا بعملاق يدخل المأوى وفي وجهه شر مروع . فتراكضنا في المأوى
وهبّ الاولاد من نومهم مذعورين اشد الذعر ، وجالت يد العملاق فينا جولة الارهاب
فقبضت على أترابي جميعهن الواحدة بعد الاخرى ، فصحنا وصاح الاولاد ، والعملاق
منصرف عنا … لقد حلت بنا مصيبة تجل عن العزاء والتواسي … فال أعزاء والدموع تنهمر من عيونهم إلى اين سيقت أمنا ونساؤنا ؟
فأخذت أترضاهم بذكر الطف الاحتمالات
، وقلت : لعلهم نقلوا إلى مأوى آخر . فقالوا : كيف يشتت الشمل ، ويحال بين
الأم و الأبناء ؟ "([55])
وتبلغ الأحداث مأساويتها في هذه المذكرات في اللحظة التي " عدنا إلى مأوانا
عشية يوم بعد نزهة جميلة ، وما كدنا نبلغ الثغرة حتى أحسسنا حركة غير مألوفة في
داخل المأوى ، فوقفنا وهممنا أن نعود خشية ان نكون قد ضللنا الطريق .. ولكنا تفحصنا الساحة بقعة بقعة ، فأذا هي
ساحتنا فدخلنا واحدة تلو الآخر … ثم اتجهنا إلى المأوى ونظرنا إلى داخله،
فإذا هناك مخلوقات غريبة
عنا ، فولجت الباب واذا مجالسنا
مشغولة ، ففزعت وصحت : من هنا فردت عليّ أنني قائلة : لا تجزعي أيتها الأخت
. نحن مخلوقات مثلهم حملنا إلى هذا المأوى ولم نعلاف إلى اين نحمل . وقلت : اهاربات
من ضيم وعذاب انتن ؟ فقالت : لا انما حملنا اليكم من بيوتنا . قلت اتمكثن طويلاً
هنا ؟ قالت : لا علم لنا بذلك . ودخل الأعزاء ، وتقاسمنا المأوى وبتنا ليلتنا في
ضيق "([56]).
ان هذا المقطع من الرواية
واضح الدالة ، فأي مطلّع على مجريات التاريخ الفلسطيني في تلك الفترة ، يلمح فيه
بجلاء جهود الحركة الصهيونية التي كانت قد كثفت نشاطاتها في تهجير يهود العالم إلى
الوطن الفلسطيني ، دون أن يكون هناك سبب مقنع وراء هذه الحركة ، فقد اقتلع اليهود
من بيوتهم في مختلف أنحاء اوروبا
وامريكا ليكونوا في خدمة الحركة الصهيونية الهادفة إلى اعلان وطن قومي يهودي في
فلسطين ، تنفيذاً لوعد بلفور الصادر في سنة 1917 ، وهذا ما كان ، وتم تنفيذه في 15
أيار سنة 1948 .
ان ما يثير الخلاف و التساءل
الشديد هو الذي طرحه الدكتور الحسيني في المذكرات لمواجهة هذه الحركة ، أو هؤلاء
الأغراب الذين دخلوا البيت وتوطنوا فيه رغم انف أهله، فعندما زادت مضايقات الغرباء
القادمين واعتداءاتهم حتى اصبحت امراً غير مقبول اجتمع اهل البيت ليناقشوا الوضع
الطارئ….((…وبعد ان استرحنا قليلاً قلت للزعيم: غني آسفة لما وقع في
الليلة الماضية……..فقال: لقد وُضِعْتُ في مَأزق حرج اضطرني ان اخرج عن حدود الادب.
فقلت: وماذا عزمت ان تفعل؟ فقال: لا يمكن ان يتسع المأوى لنا جميعاً. ويعزّ عليَّ
ان اغادر المأوى الذي نشأت فيه لاخْلِيه لهذه الاسرة الطارئة. ونحن بين امرين: إما
ان نتنازل عن مأوانا، واما ان نتمسك به ونطرد الغريبات منه. فقال احد الاولاد: لا
يعقل ان نتنازل عن مأوانا الذي نشأنا فيه، والواجب يقتضي ان تعود الاسرة من حيث
اتت. فصاح الاولاد هذا حق. وليس فينا واحد يهون عليه ان يفرط في مسقط رأسه. فقال
الزعيم: اذاً نحن متفقون. ويجب ان نعود حالاً وننفذ الخطة. وتحرك الاولاد يهمون
بالعودة فقلت : رويدكم ايها الاعزاء !
اتظنون ان الاسرة تخضع
لرأيكم وتغادر المأوى؟ فقال الزعيم: عن لم تغادره طوعاً غادرته كرهاً … فقلت: وان نشب
بينكم قتال فماذا تفعلون؟ فقال الزعيم: ان حملنا على الشر ركبناه. قلت: اذاً
تلتجئون إلى القوة. قال: نعم. قلت: اتؤيدون سلطان القوة، وتحكمونه فيما يشجر بين
المخلوقات من خلاف؟ فقال الزعيم: لسنا مسؤولين عن الخلاف، فقد سببته الاسرة، والشر
بالشر والبادي اظلم. قلت: وان وقع خلاف مع فريق اشد منكم قوة فماذا تفعلون؟ فنظر
الاولاد إلى بعضهم متسائلين، ثم قال الزعيم: ندافع دفاع المستميت فإن تغلبنا ظفرنا
وان غُلِبْنَا مِتْنَا في سبيل الواجب. فقال آخر: لو وقع لغيرنا من المخلوقات ما
وقع في مأوانا فماذا يجري؟………..قلت: يلتجئون إلى القوة كما تريدون ان تفعلوا، فقالوا: اذن نفعل
كما يفعل غيرنا. فقال الزعيم: اذن لا يصح ان نلام. فنحن اولاد ندافع عن حق لا شبهة
فيه، وثانياً نرد ظلماً حلَّ بِنَا وثالثاً نفعل ما يفعل غيرنا في مثل حالنا.
ورأيت قوله مصيباً، ولكنه لا يحل الخلاف، ولا يلتثم مع المثل العليا كالتي تمسكت
بها طوال حياتي. فأنا التي قاومت البغي وحكم القوة وكرهت الكبرياء، كيف اسلم الآن
حل هذه القضية للقوة)) ([57]).
ما دامت تكره اللجوء إلى
القوة، فما الحل في مثل هذه القضية؟ وهي قضية واضحة لا جدال فيها، اسرة باغية
ظالمة دخلت مأوى غيره، تزاحمها فيه بغير وجه حق، وبدأت تضايقها،وتعتدي عليها
تمهيداً لطردها منه، والاستيلاء عليه…. ما الحل اذا استبعدنا اللجوء إلى القوة؟ الحل كما تراه هذه
الدجاجة العاقلة((……. ليس لكم الاّ ان تنشروا في هذه الارض، وتبشروا الخلق بالخضوع
للحق وحده وتقنعوا الباغي بأن بغيه يرده. وعندئذٍ تحلون قضية عامة انما قضيتكم جزء
منها.ليذهب كل واحد منكم إلى بقعة من بقاع الارض وليوقف نفسه على نشر العدل
والمساواه والمحبه بين الخلق جميعاً …….. وان لم تفلحوا فستفلح مبادئكم على ايدي اعقابكم، او اعقاب
اعقابكم)) ([58]).
ان هذا الحل الذي
تعتمده الدجاجة العاقلة_او
الرواية_مرفوض في كافة المفاهيم، فهو مثالي مغرق في مثاليته، ومن شأنه ان يزيد
العدوان بغياً وظلماً. انه حل لا يأخذ في اعتباره قوانين المنطق والاخلاق
والتاريخ. ان الحاح المثل العليا على وجدان الدكتور الحسيني في عالم لا يعترف
بالمثل، جعله يلجأ إلى هذا الحل، وهو يعرف مقدماً عدم امكانية نجاحه ((وان لم
تفلحوا فستفلح مبادئكم على ايدي اعقابكم او اعقاب اعقابكم)) واظنها لن تفلح ابداً،
فالمعتدي لو كانت لديه امكانيات الاعتراف بهذه المثل لما بدأ بعدوانه من الاساس.
2- ((في السرير)) لمحمد
العدناني
في ربيع سنة 1935 مرض
الكاتب مرضاً صدرياً لزمة فترة طويلة، واتعبه في العلاج وارهقه، فكتب قصته مع
المرض، التي انتهى من كتابتها واصدرها في طبعتها الاولى في ربيع سنة 1946،واعاد
صدورها في طبعتها الثانية في نيسان سنة 1953. في مقدمة الطبعة الاولى يعرفها
بقوله: ((….
هذه قصة حقيقية وقعت لي حوادثها كلها ابان خمرضي الطويل، وفيها من الحوادث
الطريفة،وغرائب المصادفات ما يجعلها اقرب إلى الخيال منها إلى الحقيقة)) ([59]).
وهي مجرد سرد تقريري لمراحل مرضه، وسير علاجه في القدس والقاهرة وحلوان وبرلين دون
محاولة اقامة بناء درامي (حبكة) يجمع احداث القصة، ويطورها باتجاه الوصول إلى عالم
روائي متكامل، فهي مجرد حوادث طريفة ومصادفات غريبة_حسب قوله_جمعها مصادفة حسب
تواردها إلى ذاكرته دون تنسيق او ايه رابطة داخلية. وإلى جانب هذه الحوادث
والمصادفات كان شديد الاهتمام بامور عدة اسهمت كثيرا في بقاء هذه الحوادث
والمصادفات مجرد سرد تقريري، منها:
1- الولع بالاسلوب الغريب
المنمق
يهتم الكاتب كثيراً
باسلوبه كي يجيء منمقاً مليئاً بالكلمات الغريبة، مما يلجئه في اغلب الاحيان إلى
شرح الكلمات في الهوامش، وقد أخذ هذا النوع من الاسلوب اهتماماً كبيراً منه
مستعملاً الكلمات الغريبة البعيدة عن ذوق العصر…. يقول في وصف مديرة المستشفى الانجليزية: ((…… خيل اليها،وهي خالسة في غرفتها على كرسيها الخيزران، انها كسرى
انو شروان، وغرفتها الايوان، وعصاها الصولجان فبأي آلاء ربكما تكذبان، فصعرت خدها،
وشمخت بأنفها، وتاهت على الاطباء والمرضى والعواد، وحسبت نفسها عنترة بن شداد،
وحية بطن الواد)) ([60]).
ويقول في موضع آخر: ((