الباب الثالث

الاتجاه الرمزي

ظروف نشأته :

 عند حديثنا عن الاتجاه الرمزي في الرواية الفلسطينية ، نغالي كثيراً  ، إذا وضعنا في الاعتبار أننا نعني به تيّاراً  أدبيـاً أو فنّياً ، شبيهاً بما عرفته الحياة الأدبية في أوروبا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر  ، خاصة في مجال الشعر على يد أقطاب هذا المذهب أمثال :  بودلير ورامبو وفرلين ، ثم مالارمية وبول فاليري . فقد كان لهذا المذهب ظروف معينة ، نفسية وعلمية وفلسفية حتمت ظهوره ، وهي بعيدة ومختلفة تماماً عن الظروف التي ألجأت الكاتب الفلسطيني في أحوال معينة وقليلة ، الى اللجوء الى الرمز وسيلة للتعبير عن الموضوعات التي يريدها ، مما جعل هذا المذهب عنده أقرب مما يسمى " المزية الموضوعية" . كان لسيادة العلم وانجازته الكبيرة الشاملة في النصف الأخير من القرن العشرين الدور الحاسم في تهيئة الظروف النفسية لظهور المذهب الرمزي في أوروبا ، فقد بلغ الاعتزاز بدور العلم وتجاربه وكشوفاته حدا كبيرا ، شمل كافة النواحي حياة الإنسان ، إذ أوجد " ط النزعة المنطقية العلمية التجريبية التي تخضع كل الموجودات للحس والمنطق والعقل ، ولا تؤمن إلاّ بالمادة والمشاهدة المحسوس "([1]).

وقد صاحب هذا التطور العلمي ، للفلسفة الوضعية الإيجابية التي نادى بها " أوجست كونت " ، وكانت ترى أن العالم بكل ما فيه يفسره المنطق والعلم التجريبي ، فهذا الكون موضوعي خاضع للعلم وتجاربه . ولقد رافق ذلك تغيرات اجتماعية واقتصادية أثرت في بنية المجتمع الأوربي خاصة في إنجلترا لما شهدته من اختراعات ونهضة صناعية ، أدت الى زوال عهد الإقطاع والأرستقراطية الزراعية وما صاحبه من نقمة لدى هؤلاء ، وحنين لحياة ما قبل الانقلاب الصناعي ، حيث كانت الامتيازات بأيديهم . ورغم كل هذه الانتصارات العلمية ، وما أدت إليه من تغير حياة الإنسانية الاجتماعية والاقتصادية فان " هذا الاتجاه الحسي المادي قد سد منافذ الروح ووقف مظاهر المادة وألوان المحسوسات يزاول نشاطه ولا يؤمن إلا بها ، فالموجود هو كل ما وقع تحت الحس وخضع للملاحظات الحسية والتجارب العلمية وأما ما عداه فوهم باطل لا وجود له ، ولا ينبغي أن يصرف إليه أي أنساني "([2]). قد أدى ذلك الإحساس بأن العلم وحده لا يشبع كل ما في نفس الإنسان من توق الى المعرفة والإحاطة بأسرار الكون وقد ظهر هذا الجانب فيما يمكن اعتباره تمردا على هذه الإيجابية العلمية ، فظهرت عدة بوادر مهدت للناحية الروحية من الرمزية([3]) من هذه البوادر كتاب "سبنر" (المبادئ الأولى ) وفيه يقرر أن كل دراسة تقصد فيها البحث في حقيقة الكون واستقصاء علّته لا بدّ أن تنتهي الى مرحلة يقف حيالها العقل عاجزا ، لا يستطيع أن يدرك عندها من الحق شيئاً "([4]).

وهو يرى أن العقل البشري أعدّ لفهم ظواهر الأشياء ، ولا يعدوها الى ما خفي وراء أستارها . يضاف الى ذلك الدراسات الفرويدية في علم النفس ، وقد بينت أن للإنسان حالتين : واعية يدركها العقل ، وغير واعية لا ندركها ولا نعرف كنهها . وقد دعا هذا " بعض الفلاسفة الى أن ينكر وجود الأشياء ، الخارجية ولا يرى الصور الذهنية التي تنعكس في مداركنا عن تلك الأشياء ، فأي شيء خارج لا يستمد وجوده إلاّ من الصور الذهنية التي لدينا عنه . وفيمل عدا هذه الصور لا يعتبر له وجود خارجي "([5]).. أدى ذلك فيما أدى إليه الى خلق حالة نفسية تنزع التحرر من الواقع الملموس ، والثورة على هذه الوضعية التي حصرت نفسها في العالم الحسّي ، ولم تؤمن بشيء سواه …… فكان لا بد من مذهب جديد تتمثل فيه تلك الحالة النفسية الجديدة ويعبر عن روح الثورة على أدب الواقع والعالم المحسوس الذي تزعزعت الثقة به فكان ذلك المذهب هو المذهب الرمزي "([6]).

وقد اتخذ هذا المذهب صوراً مختلفة ، وأثار العديد من القضايا في مجال اللغة واستعمالاتها والشعر وصوره([7]). أصبحت اللغة عند أقطاب هذا المذهب غير قادرة عن التعبير عن حقائق الأشياء وقد حصروا مهمتها مجرد الإيحاء لدى القارئ أو المستمع ، فهي رموز لما نشاهده في العالم الخارجي . ومن كاتب الى كاتب أغرق المذهب الرمزي في الإبهام والغموض ، ذلك أن الرمزية لا تعترف إلا بما يوحي به العقل الباطن من الصور والرموز . ومن ثم كان أسلوبها غامضا يعتمد على ما يتلقاه من أعماق ذاته وما يحدده خياله الباطن من صور . ومن هنا جاءت شطحات المذهب الرمزي التي لا تأبه إلا بعالم الشاعر الخاص والذي قد يكون عالما مغلقاً على نفسه ، أو بمعنى آخر عالماً له لغته ورموزه وصوره التي تستغلق على سامعيها فلا تجد عندهم أذنا تعيها أو تدرك خفاياها([8]). لقد نزعت الرمزية الى جعل الشعر متصلا بأحاسيس الفرد وعواطفه اكثر مما فعل الرومانسيون أنفسهم ، بل أن الرمزية أدت أحياناً الى جعل الشعر من شؤون الشاعر الخاصة بحيث غدا لا يمكن إيصاله الى القارئ([9]).

الرمزية الموضوعية :

بالإضافة الى تكريس الرمزية للتعبير عن ذات الخاصة كما سبق بشكل أقرب الى الإيحاء والتلميح والإبهام بواسطة الخيال وتصوراته واستغلال موسيقى اللغة الى أبعد حد ، وجدنا أن الرمزية امتدت الى معالجة " المشاكل الإنسانية والأخلاقية العامة ، تعالجها بواسطة الخيال وتصوراته ، وهذه التصورات تكون غالباً بعيدة عن مشاكله واقع الحياة ، فهي لا ترمي الى تصوير هذا الواقع وتحليله ونقده بل ترمي الى تجسيم أفكاره مجردة وتحريكها في أحداث ، تتداخل وتتشابك لإيضاح الحقائق الفلسفية ، نفسية كانت أم أخلاقية([10]). بهذا المفهوم لـ " الرمزية الموضوعية " التي تقترب من الواقع وتعالجه ، بقصد بنائه وتغيره نحو الأفضل ، تعامل الروائيون الفلسطينيون مع المذهب الرمزي ،  . بهذا المفهوم لـ " الرمزية الموضوعية " التي تقترب من الواقع وتعالجه ، بقصد بنائه وتغيره نحو الأفضل ، تعامل الروائيون الفلسطينيون مع المذهب الرمزي ، ليس إحساساً منهم بعدم القدرة على التعبير عما في نفوسهم ، أو هربا من الواقع الى عالم غيبي مليء بالأوهام والأحلام ، ولكن لأنهم عالجوا موضوعات واقعية تتعرض للعقائد الدينية ، أو لأنها تتناول أوضاعاً سياسية قائمة ، لا يمكنهم معالجتها بوضوح دون التعرض للاضطهاد والأذى ، وأحياناً كانت وطأة الموضوع ثقيلة على النفس الإنسانية ، مما جعل اللجوء الى الرمز أقوى في التعبير عما مكنونات هذه النفس من آلام وأحزان مصدرها قتامة هذا الواقع وتعاسته . لقد انتقلوا من الرمزية الأسلوبية الى الرمزية الموضوعية  " الواقعية ط دون إلغاء العقل والفهم السليم لحقائق حياتهم ، لأنهم في الأساس معنيون بفهمها ، بغرض الوصول بها الى الأفضل . " وما أظننا بحاجة هنا الى أن نميز بين المذهب الرمزي الذي يجعل الرمز غاية وبين الرمزية بمعناه العام ، والتي تشيع كل ألوان الأدب ، إذا ما عرفنا أن الأدب يتخذ من اللغة رموزاً للتعبير عن مفاهيم الحياة . غير أن الرموز في هذه الحالة الأخيرة لن تكون رموزاً بكماء بقدر ما تكون وسيلة لإبراز المعنى والإيحاء به "([11]).

وقد أدرك الروائيون الفلسطينيون بهذه الناحية جيداً لأنهم كانوا يضعون في الاعتبار التزام الرواية ونضاليتها ، وكي تؤدي هذا الدور ، وتكون قادرة على الوصول الى الجماهير ، لابد أن تكون رموزها واضحة ، بعيداً عن المعميات السلبية الهاربة ، وهذا ما يفسر قلة الروايات الفلسطينية التي تعاملت به فهو رمز واضح يساعد على توضيح المعاني التي يردها الكاتب ، التي هي في الغالب قضايا اجتماعية وأخلاقية ، لم يتمكن الكاتب  من معالجتها بشكل مباشر . لقد كان الروائي الفلسطيني  يعي تماماً : لمن يكتب ؟ ولماذا يكتب ؟ فرغم أنه يكتب لجميع ، وجميع البشر كما يقول سارتر([12]) ، فانه كان يتوجه لا شعوريّاً التي فئة معينة من هؤلاء القراء ، بشكل خاص . هذه الفئة هي جماهير التي يحيا بينها ، مدركاً حجم الألم والقمع والواقع على كاهلها . لذلك التزم بشكل واضح بأهدافها في الحاضر والمستقبل ، فعنده " أن الكاتب هو في موقف في عصره ، وذلك أن لكل كلمة صداها ، ولكل صمت أيضاً "([13]). فاختار أن يقول كلمته بشتى الوسائل شريطة أن تكون بعيدة عن المعميات الموغلة في الإبهام والغموض ، كي تؤدي دورها النضالي وسط جماهيره لتجاوز الحاضر المؤلم ، نحو المستقبل أكثر إشراقاً . وقد عانى من هذه القضية غسان كنفاني عقب صدور روايته ( ما تبقى لكم ) 1966- فقد كان يدرك أنه كاتب قضية وطنية ، يسخر كل إمكاناته الأدبية والفنية لخدمتها وخدمة جماهيرها .

ولمّا جاءت روايته هذه بأسلوب تجريبي ، اعتمد على تداخل تيارات الوعي ، وإدخال الزمان (الساعة) والمكان (الصحراء) شخصيتين رئيسيتين فيها ، أدرك غسان كنفاني عقب صدورها رغم انها ليست رمزية ، ومن الممكن فهمها بصعوبة قليلة أن أسلوب هذه الرواية لا ينسجم مع التزامه الوطني الجماهيري .. " يقول : " في الواقع رواية " ما تبقى لكم"  هي قفزة من ناحية الشكل , ولكنها أثارت بنفس الوقت تساؤلات بالنسبة لي .. لمن أكتب أنا ؟ هذه الرواية قلة يستطيعون من بين قرائنا العرب أن يفهموها . فهل أنا أكتب من أجل أن يكتب أحد النقاد في مجلة أنني اكتب رواية جيدة ، أم أنا أكتب من أجل أن أصل الى الناس وأن تكون هذه الرواية شكلاً من أشكال الثقافة الموجودة في مجتمعنا ، والتي من واجب المثقف أن يتعامل فيها مع الناس .. "([14]). وقد سبق أن أشرنا الى هذا الباب الثاني . وقد أتخذ التعبير بالرمز في الرواية الفلسطينية اتجاهين :

1- الرواية التي تعاملت مع الرمز بشكل كامل ، وهي " تلك الروايات التي وصلت بأسلوب رمزي خالص للتعبير عن مضمونها . وهذا يحكم بناء الرواية ، ويسيطر على خطوطها العامة من أولها الى آخرها "([15]). في هذا النوع يعتمد البناء الكلي للرواية على الرمز ، من خلال أحداث مشدودة للواقع ، بأسلوب يسهل على القارئ  أن يفهم مدلولات الرمز في الواقع .

2-  الرواية التي اعتمدت بناءً روائياً غير رمزي إلاّ أنّه يتخلله رموز جزئية ذات دلالات على نواح واقعية ، ولم يتمكن الكاتب من معالجتها بوضوح كباقي نواحي الرواية وأفكارها ، فاعتمد الرمز بشكل جزئي داخل روايته غير الرمزية للتعبير عن هذه النواحي وتلك الأفكار ، سواء عن طريق تحميل هذا الرمز لحدث او شخصية ن لينفذ من خلالها الى المعاني والأفكار التي قصدها .

1- الرواية الرمزية الشاملة :

2- من الروايات الفلسطينية التي تعاملت مع موضوعها ببناء رمز كامل ، روايتا : " الكابوس "([16]) و" نزل القرية غريب"([17]). ولما كانتا الروايتين الوحيدتين اللتين تعاملتا بهذا الأسلوب ، لذلك سنحلل كلاً منها على حدة ، خاصة أن اختلاف موضوعيها ، لن يضطرها للتكرار

الكابوس

أمين شنار

عقب هزيمة المروعة التي منيت بها الأنظمة والمجتمعات العربية فيما عرف بنكسة 1967 ، ثار في الأوساط العربية سؤال كبير : ما السبب في هذه النكسة ؟ هل هو التخلف العربي ؟ أم عدم الوحدة العربية الحقيقية في مواجهة الخصم ؟ أم الدعم الغربي غير الحدود للعدو ؟ أم بعدنا عن الدين ؟ الى آخر هذه التساؤلات التي حاولت الإجابة على هذا السؤال المصيري ، خاصة انها نكسة خطيرة ، تجيء بعد نكبة 1948 بسنوات ليست قليلة ، مكملة احتلال العدو الإسرائيلي للوطن الفلسطيني كله ، ومعه أراض عربية أخرى . تأتي رواية (الكابوس ) لتعطي رأيا في أسباب هذه النكسة ، معتمدة الرمز أساسا فنياً للتعبير من خلال شخصيات متفاعلة مع الحدث الأساسي ، وفي الوقت ذاته فهي شخصيات ذات أبعاد رمزية ، تؤدي الى بعض الخلاف حول ما ترمز إليه رغم محاولة الكاتب ربطها بأحداث وردود أفعال تقربها من الواقع ، وذلك بسبب تعدد الاسقاطات الرمزية على بعض الشخصيات  . 

" هذه الأوراق هي ميراث جدل ، الرجل الأول الذي كان يقرأ ويكتب في القرية . خذها واقرأها على مهل ، واعمل بما جاء فيها . حتى إذا لحقت به في دار الحق ، وأرجو أن يكون ذلك قريباً ، أعلمته أنني حققت وصيته "([18]). بهذه العبارة من الأم لولدها "فرحات" ، تبدأ رواية (الكابوس) ، معطية للقارئ شحنة من الإثارة والترقب ن حيث تضع بين يديه في جو يلفه الغموض جدّاً مات مخلّفاً هذه الأوراق السرية بدليل حفظها بصندوق حديدي وأمّاً تتمنى الموت وتستعجله ، وابناً بإمكانه وحده أن يعرف ما بداخل هذه الأوراق السرية التي آلت إليه حسب وصية الجد بان لا تقع في يد أحد إلا إذا كان الرجل صالحاً يخرج من صلبه . ولا ننتظر طويلاً ، فالابن يفك الأوراق ، يبدأ قراءتها ، لتنكشف انا من خلال الأرضية التي سوف تشكل ساحة الصراع كما شاهدها الجد المتوفى ، دون أن يتمكن من التنبيه إليها ، فأودعها أوراقه .

ساحة الصراع:

كافة أحداث الرواية المتلاحقة بشكل عنيف ، من خلال شخصيات فاعلة متنوعة الملامح ، تدور على الأرضية التي ترسمها مذكرات الجد على النحو التالي : -

.. قرية صغيرة تتكون من بيت واحد كبير يتربع على جبل البخور ، وأمامها مجموعة من الأكواخ الحقيرة من الطين والتبن ، الحياة هادئة مصبوغة بالأحزان ، وضيوف كثيرون يزورون البيت لا تعرف القرية عنهم شيئاً رغم أحاديثها الطويلة حولهم . من البداية تعطينا المذكرات صورة من الواقع الاجتماعي في القرية ساحة الصراع مستقبلا حيث الاستغلال والفوارق الطبقية المخيفة . " نحن فقراء ، نعيش على حفنة من القمح مختلطة بالتراب ، يجود بها علينا حقل ورثه أهل القرية عن آبائهم بأنصبة متفاوتة ولا يجود الحقل إلا بعد عمل شاق يشترك به الرجال والأطفال والنساء، فيتصبب منهم العرق، وتتيبس شفاههم من طول الدعاء أما البيت الكبير فهو، كما يبدو لنا، يعيش ، مثلما نعيش، على القمح. ولكن حقوله شاسعة، تحيط بحقلنا المشترك حتى توشك أن تلتهمه. ونحن جميعاً، رجالاً ونساء، نتعهد تلك الحقول، نزرعها ونحصدها، لصاحب البيت، على سبيل العون والعرفان بالجميل، وان كان بعض الخبثاء يرون أننا نفعل ذلك مرغمين. والشيخ الكبير. لا يظهر في أزقة القرية إلا نادراً، وفي أيام المواسم، وما اشد ما كان يغمرني الشوق لاجتلاء محيّاه كلما اطل، ممتطياً جواده المطهم، ذا السرج البديع الذي تتدلى على جنباته الزينات"([19])

من هذا الشيخ الكبير؟

ترسم مذكرات الجد لهذا الشيخ صورة شبه غامضة، تجعل الخلاف حول ما يرمز إليه وارداً، وإن كان بالإمكان ترجيح ما تدل عليه ملامحه في الواقع الذي تعيشه القرية، خاصة بعد أن تتكشف عناصر الصراع، ومواقفها المتعددة. كما تقول المذكرات، فقد كان للقرية شيخ جليل اسمه (نجم)، تستظل بظله، وتدين له بالطاعة. وقد أشاعوا فجأة انه مات، وان الشيخ الكبير الحالي صاحب البيت القرميدي الرابض على جبل البخور قد اخذ عنه الولاية. إلا أن الجد صاحب المذكرات لا يعترف بهذه الأقاويل التي يرددها أهل القرية، فهو يعتقد أن أولياء الله انقضى عهدهم، وقد كان الشيخ نجم آخرهم، وهو يتهم الشيخ الكبير الجديد الذي لا يعرف له أحد أصلاً ولا اسماً بأنه صاحب إشاعة موت الشيخ نجم، ويستغرب كيف استطاع أن يقنع صاحب القرية الأصلي بأن يموت، ويتركها له.

أطراف الصراع:

تقدم الرواية الشيخ نجم والشيخ الكبير الجديد الذي ادعى انه اخذ عنه الولاية، مرة كأطراف في الصراع، وأخرى كأسباب لنتائج هذا الصراع. أما أطرافه الأساسية فهي:

1- أهل القرية، الواقعون تحت الظلم والاستغلال كما سبق، دون أن يتمكنوا من الاحتجاج، فالموت لم يتكلم او يسأل، وقد شهدت القرية أنواعاً من هذا الموت. يضاف الى ذلك جهل القرية، وتخلفها الشديدان، فأهلها لا يعرفون ما يدور خلف الجبل الذي تغفو القرية في حضنه، الى درجة أنهم لم يصدقوا الأخبار التي يأتي بها (أبو ناجي) صاحب الدكان الوحيد، بعد كل سفرة يقوم بها الى هناك لجلب حاجيات دكانه من أقمشة وصابون وكاز وزيت.

لقد أقاموا الدنيا بسبب ما نقله حول المدن و القصور خلف الجبل، أن أهلها يستعملون سيارات تتحرك على عجلات. حتى أمام الجامع نفسه- المفروض أن يكون واعياً متعلماً- رفض هذه الإخبار مؤكداً أن ليس على الارض بعد قريتهم إلاّ عدد قليل من البشر المتوحشين، أما الآخرون فدهشتهم لا توصف.

2- الخواجا موسى، وما يرمز إليه، وكما تقول المذكرات "اغلب الظن أن هذا الرجل الغريب قدم من وراء الجبل، فهو وان كان يتكلم بلساننا ويتقن لهجتنا إلاّ أنّه ليس مِنّا. يزعم أن اسمه موسى. لكن ما اسم أبيه؟ وما اسم جده؟ ولماذا لا يعرف المسنون من أهل القرية أباه وجده إذا كان ما يزعمه حقاً من انه من مواليد قريتنا وسافر مهاجراً منها ثم عاد؟ لا..لاانه كاذب. وروايته هذه مختلقة، كي يندس بها بين الناس.. لست خائفاً بالرغم من اني وحدي اعرف أي خطر يحمله إلينا هذا الرجل الغريب. واعتقد أن شيخنا الغريب الذي يحميه…….إن موسى يريد القرية كلها. ويريد البيت الكبير بالذات"([20]).

وتحدد المذكرات أوصافه الجسمانية، مما يجعل ما يرمز إليه واضحاً، كما تذكر ما يردده أهل القرية في مجالسهم همساً عن حماية الشيخ الكبير للخواجا موسى، وان الشيخ الكبير نفسه غريب عن القرية، وما أبداه بعض أهل القرية من ضرورة الاحتجاج، والتعرض لموسى وضربه ومضايقته، وقد كان ذلك . من خلال طريقته في رسم ساحة الصراع، وتقديم أطرافه، ومن خلفها ، تصبح الرموز الأساسية في الرواية واضحة، وإن أُختُلِف حول بعض مدلولاتها. فـ (القرية) ساحة الصراع هي (فلسطين) وأطرافه أهل القرية (الشعب الفلسطيني) والخواجا موسى (اليهود). أما الشيخ  الكبير فهو (الدين). وإن اسقط هذا الرمز في لقطات ثانية على (جبل البخور) الذي يصر الخواجا موسى على هدمه، وقد اعتبر د.صالح أبو إصبع أن الشيخ نجم يرمز الى الخلافة العثمانية بما ترمزه من معاني الدين والتراث الحضاري، والشيخ الكبير الجديد هو دولة الانتداب البريطاني([21]).

وطريقة رسم صورة الشيخ الكبير يتخللها غموض وتناقض، فهي حيناً ترمز الى الاستغلال والفوارق الطبقية، وحيناً آخر ترمز الى التواطئ مع الخواجا موسى والمتستر على أعماله، وحيناً ثالثاً ترمز الى الدين، فعند لجوء فرحات وعودة الى مقام الشيخ نجم، في نهاية الرواية،كملاذ ومخلص، يقول عودة "شيخنا الكبير هنا، هنا في أعماقنا. ولم يغب"([22]).

إن عدم الدقة في رسم شخصية الشيخ الكبير، كرمز، جعله "لا يكاد يعطي المعنى الحقيقي الذي يرمز  إليه في نهاية أحداث الرواية، ولا أجد سبباً واضحاً لهذا التناقض بين الرمز ومعناه. هذا مع أن الكاتب قد نجح الى ابعد حد في أن يجعل الأحداث والشخصيات تتضافر جميعاً على تعميق شخصية  الشيخ الكبير وتجسيم أبعاده الرمزية في ذهن القارئ،دون أن يبرز على مسرح الرواية"([23]).

تفاعل الحدث:

(فرحات) هو الشخصية الرئيسية في الرواية، من خلال ردود فعله ومواقفه إزاء ساحة الصراع، وأطرافها السابقة، يتحرك الحدث ويتصاعد نحو نتيجة لّمحت إليها مذكرات الجد. لقد وضعت هذه المذكرات أول خيط من خيوط الحدث- الفعل بما يشبه المسؤولية الوطنية بين يدي فرحات، فقد كان جده ذا بصيرة وحكمة نافذة، دَبَّ في قلبه الشك من الرجل الغريب (الخواجا موسى) الذي يُبَيت شراً للقرية وأهلها. لاحظ الجد أن هذا الرجل الغريب يتجول بحرية كاملة في القرى، ويأتي من الأفعال وما يعاقب عليه أهلها بالموت، كل ذلك تحت سمع خفراء الشيخ الكبير وحمايتهم وما معنى تهديده الدائم لمن يضايقه "ملعون انت وأبوك.. سأذبحك واذبح أباك سترى يا ملعون". وما معنى توجهه الدائم صوب البيت الكبير حيث الشيخ الكبير؟.

قرر الجد أن يكشف هذا السر، فتوجه الى البيت الكبير عارضاً على كبير الخدم أن يعمل بستانياً في الحديقة الكبيرة المسورة، فقبل أن يعمل تحت التجربة, وكانت المفاجأة المذهلة عندما شاهد يوماً الخواجا موسى يدخل البيت الكبير، يرحب به الشيخ الكبير.. فألصق أذنه على الجدار، ليسمع الخواجا موسى يقول للشيخ الكبير.. "إذا انهدم الجبل بين قريتكم والعالم، ودخل أولادي وأحفادي بيوتكم، فسيكون لك المجد والسلطان جزاء عونك وتأييدك"([24]).كيف ذلك؟ لم يعرف الجد، فقد شاهده كبير الخدم، فجرّه من لحيته، وقذف به وراء الأسوار.

عند هذه النقطة، انتهت مذكرات الجد، وكان الخيط الأول من خيوط الحدث، حيث بدأ " فرحات" الفعل. ويبدأ مدفوعا بتناقض كبير اكتشفه في حياة أسرته: جد حكيم.. وطني مخلص، أحس بخطر الخواجا موسى، وخاطر بنفسه كي يكتشف سره، وها هو يودعه في مذكراته، عَلَّ ابناً مخلصاً من صلبه، ينتفع به، ويكمل المسيرة. وعلى النقيض أب خان وطنه، وباع نفسه لصاحب البيت الكبير حيث عمل عنده خفيرا، وكان لا يرحم أحدا من المخالفين، إلا أنه كان ذكيا يتدخل أحيانا في شؤون البيت الكبير، لذلك حبسوه في البئر، وحرموه من أهله، وتركوه يموت بحسرته. إلا أن ما يزيد هذا التناقض تأزما في نفسية فرحان، وصية أمه قبل وفاتها وهي تضمه الى صدرها: " لا تكن مثل أبيك، واحترم ذكرى جدك"([25]). من وسط ذاك التناقض ، مدفوعاً بهذا التأزم كان قرار فرحات.. " .. قررت أن أعمل شيئا أثار به لجدي الذي أذلوه حتى أصابه الجنون فيما يروون، ولأبي الذي امتصوه، ثم لفظوه كالنواة"([26]). وهنا يجب أن يلاحظ أن مذكرات الجد كانت دوماً دافعاً خفياً له كي يكمل المهمة التي بدأها جده. ما إن يبدأ فرحات خطوته الأولى حتى يشي به أحد الأصدقاء المقربين الذين تعاهد معهم عل العمل، فيساق الى البيت الكبير حيث الخفراء والخواجات وما يسمى الشيخ الكبير دون أن يراه أحد، ويسام ألوان العذاب، خاصة في البئر الرهيبة التي تُضرب بها في قريته الأمثال... " إن الداخل إليها مفقود والخارج منها مولود" وهنا يحدث منعطف غير متوقع في حياته، إذ أخرجوه من البئر، ليختار الموت أو التعامل مع الخواجات بوظيفة خفير،فكان جوابه " نعم بكل سرور" . من ناحية نفسية، يعيش فرحات بوجدان قلق موزع، فهو لا ينطلق في أفعاله من أرضية صلبة، تدرس الواقع، وتقرر. أغلب أفعاله ردود فعل لتأثيرات خارجية، أو انعكاس لمؤثرات نفسية تعيش في وجدانه. بعد أن أخرجوه حيا من البئر، بعد عذاب مؤلم، سألوه:

" ـ هل ترضى بوظيفة خفير؟ !

يقول : " لم أكن أتوقع السؤال، لذلك لم أتوقع أن يكون جوابي:

ـ نعم، بكل سرور"([27]).

لقد أجاب دون توقع، دون تفكير، هرباً من مؤثرات خارجية. العذاب الذي عاشه في البيت الكبير. إلا انه يتخلص من عذاب الجسد ليقع في عذاب النفس "خلال عملي الجديد، كنت ثوبي الرسمي وعصاي الغليظة موزع النفس بين أبى وجدي والشيخ الكبير وأهل قريتي، وخفارتي المطيعة، وعنادي القديم. وكان الناس يبتعدون من طريقي. وما اكثر ما كانت تصفعني تعليقاتهم:

-     جاسوس ابن جاسوس!

-     سيلقى مصير أبيه!

-     رحم الله جده الشيخ درويش!مات ولم يخلف! ([28]).

أما عذابه النفسي الموجع، فقد عاشه، عند زيارته لقبر أمه، ففي وجدانه اللاوعي تعيش وصيتها الأخيرة إليه قبل موتها بلحظات " وجاء خميس الموتى، فزرت قبر أمي. وبينما انا أحدق في ترابه سمعت صوتها الشاحب يردد.

-     لا تكن مثل أبيك. واحترم ذكرى جدك!

فقلت، وأنا انحني على التراب:

-     لكنك يا أماه لم تبصريني في ظلام البئر!

قالت وصوتها الشاحب يقطر مرارة:

-     بل رأيتك. وحسبت انك سوف تصعد الى ارض الحياة، لا أن تغور في بئر جديدة.

-      ماذا افعل، أماه؟ قولي ماذا افعل؟

وغاب صوتها المقهور، وهو يجر من أذني صداه؟س

-     واحترم ذكرى جدك!" ([29]).

لذلك، انطلاقاً من هذه المؤثرات النفسية، التي لا يمكنه الهرب منها، لأنها تؤرقه بوطأة اشد من عذاب البئر الجسدي، يقرر فرحات الاستجابة الى نداء الأم، كيلا يتنكر لذكرى جده، وهذا يعني حسم موقفه، والعودة الى صفوف أهل القرية، يعمل على طرد الغرباء. مرة أخرى، على المقهى، يستقبلونه. بنظرات التوجس والخوف، فقد اصبح في نظرهم جاسوساً، ورغم ثورته عليهم، وتعريضه بهم، بقصد أثارتهم وتحريكهم ضد الخواجات، فانهم لا يحركون ساكناً، مما أثار حفيظته، فخرج من المقهى  يسب ويلعن، وليس أمامه إلا مذكرات الجد، التي أصبحت وكأنها تعويذة لها مفعول السحر في نفسه،وعلى ضوئها يحدد أفعاله. تصدمه كلمات المذكرات.".أُقسم بالعلي القدير يا ولدي، انني سمعته يوم ألصقت أذني بالجدار، سمعته يقول، وفي صوته فحيح غاضب مجنون: إذا إنهدم الجبل بين قريتكم والعالم، ودخل أولادي وأحفادي بيوتكم فسيكون لك المجد والسلطان جزاء عونك وتأييدك" ووسط استغراقه الروحي في كلمات الجد، مشبعاً بصوت أمه من القبر يناديه "احترم ذكرى جدك! يتراءى له هذا الجد، "كان شيخاً جليلاً؟ براق العينين في جلباب ابيض فضفاض. وكانت على رأسه عمامة بيضاء، وفي يده مسبحة طويلة. سألته في لهفة: هل انت راض عني، يا جدي؟ .- كل الرضى يا بني، إذا انت أكملت رسالتي.- لكن كيف؟ ارني الطريق يا جدي.- اذهب غداً الى الشيخ الكبير، وقل له: إحذر الغرباء، فهم يطلبونك انت. ولن يرضوا بك ماسحاً لأحذيتهم إذا استطاعوا هدم الجبل!" ([30]).

هنا أول الطريق أمام فرحات. هو- كما تلاحظ_ لا يقرر. إنسان مسلوب الإرادة. القرار يتحدد له ضمن مؤثرات نفسية معينة، ثم يكون العزم على الفعل. مرة أخرى، وهو لم يحظ بعد الخطوة الأولى، يوضع أمام امتحان عسير عند الخواجات أيضاً، فرغم انه ما يزال خفيراً عندهم، فانهم يقتادون الى البيت الكبير، للتحقيق معه، فيما قاله على المقهى لحظة احتدام غضبه على رواده. "انا الخفير فرحات محمود درويش. اعمل تحت إمرة الخواجا رئيس الخفراء، الذي يطأكم جميعاً بنعليه، ونعلاي من نعليه. فقدمي على جباهكم! افعلوا شيئاً يا عبيد الخواجات! ارفعوا رؤوسكم يا بقر!" ([31]).إن هذا القول في عرف الخواجات تحريض على الثورة، جزاؤه القتل، وقد قتل رجل عجوز من زبائن المقهى لمجرد انه عقب على كلام فرحات السابق بقوله "ليتك يا فرحات تعرف مكانك"، فما بالك بالتحريض العلني على الثورة!. إزاء هذه الضغوط الخارجية والنفسية، خيل لفرحات أن الشيخ الكبير (الدين) قد مات، وإلاّ فأين هو؟ لم يره أحد من القرية، ولا سمع صوته أحد؟ أين هو لينقذه وأهل القرية من هؤلاء الغرباء؟."انه ميت، وما ههنا إلا الخواجات ينتظرون ساعة الصفر، كي يهدموا الجبل ويزحفوا"([32]).

وكان كبير الخفراء قد قرأ هواجسه النفسية، فأجابه:"لا. لا شيخنا الكبير لم يمت. انه يشملنا ويشمل القرية ببركانه. من نحن لولاه؟ لكن لا اقدر أن اسمح لك بمقابلته. فهو لا يحب رؤية أحد، لا سيما من أهل القرية التي احبها فجحدته!" ([33]). إذاً خاب ظن فرحات، فقد كان يتمنى  رؤيته ليبلغه رسالة جده.. وما دام الأمر كذلك، فلماذا لا يعاقبونه بسرعة على تحريضه رواد المقهى؟ لماذا يمدون في عمره؟ هل سيساومونه على خدمة جديدة؟. وكان فعلاً  فها هو كبير الخفراء "يقف فجأة أمامي ويلتفت إليَّ بكل وجهه: - اسمع أريدك أن تعلن في القرية وفاة الشيخ الكبير"([34]) وبعد ردود فعل، وإثارات، ومساومات "أنا اعرف أن النبأ يفجعك، وان إعلانه على الناس مسألة غير يسيرة. فهذا الشيخ بالنسبة إليكم هو وهمكم الكبير الذي لا يعني فقدكم إياه إلا انتهاء الحياة، حياتكم العجيبة.. قل لي، كم تقدر عمر هذا الشيخ الذي كان؟ ألفاً من الأعوام؟ أليس عجيباً أن يعمر كائن حي كل هذه السنين. لماذا تصرون على تصوره فتياً قوياً كما كان…….. لن تصدق انه مات، حتى لو رأيت جثمانه، إلا إذا استبدلت برأسك هذا، رأساً آخر جديداً. ليس به مرض. حاول أن تفهم . أيكون حيّاً ولا يحرك ساكناً؟ أيكون حياً ويرانا نسرح ونمرح ولا يفتح فمه بكلمة."([35]).

ويهدده بالقتل حيناً وبالاغراءات المتنوعة حيناً آخر، إن لم يخرج، ويعقد اجتماعاً لأهل القرية، يخبركم فيه بموت الشيخ الكبير "أثرهم ضدنا بكل قواك البلاغية. حرضهم، خاطبهم بهذه العبارات الرنانة التي تزخر بها لغتكم. فان تنادوا لحمل السلاح، انتقاماً لشيخكم الميت، ولطردنا من حيث أتينا، فان ذلك هو غاية المراد"([36]) إذن هذا هو الهدف، إثارة أهل القرية لحرب لم يستعدوا لها، فتكون النتيجة الهزيمة واحتلال القرية.

مواقف وردود فعل:

يخرج فرحات مكلفاً بهذه المهمة الصعبة، وسط أمواج من أثقاله النفسية، ووعود كبير الخفراء واغراءاته إن نفذ المهمة، وتهديداته بالقتل أن هو أحجم، والمهلة أمامه أربعة أيام. هذه المرة يقوى على نفسه، رغم ما يعيشه من ازدواجية وتناقض، ويقرر العمل. يستدعي ثلاثة من أصدقائه المخلصين. يخبرهم بموت الشيخ الكبير كما تلقاه من كبار الخفراء، فتتعدد مواقف الشخصيات رامزة الى مواقف فئات المجتمع من الصراع ضد الخواجا موسى الذي يرمز للعدو.

علي سعد الدين:

"معلم في مدرسة القرية، هادئ لكن هدوءه يغلف ثورة لو وجدت طريقها لانطلقت"([37]) هكذا عرفه فرحات في بداية إحساسه بالعمل. من خلال حوارهم معا تستكشف معالم شخصيته ومواقفه.

·     " فهو يرفض كافة مفاهيم القرية وتراثها البالي. يعلق على ما يشاع عن موت الشيخ الكبير بقوله: " الحقيقة أن الشيخ الكبير في حكم الميت. حتى لو لم يمت"([38]).

" أي شيخ كبير هذا، يستسلم لأعدائه وينتظر منا أن نحميه"([39]). " ماذا يجدينا الشيخ الكبير وهو غائب بعيد؟"([40]). وعندما يقترحون أن يذهب فرحات لملاقاة الشيخ الكبير يطلب منه المشورة والعون، يجيبهم: " أنا أرى في المحاولة جهدا ضائعا وسخيفاً فأنت لن تلقاه. لأنه ليس هناك"([41]). " يا فرحات، يؤسفني أن  تكون منشغل الذهن بهذه الترهات. ماذا؟ أنسيت أنك كنت معلما؟ أتكون الخرافة في المعلم؟ دع نجما والشيخ الكبير والتفت الى مصلحتك"([42])." إنه ميت. وقريتنا ستموت إذا ظلت متشبثة بالأموات"([43]).

 

·     أما فيما يتعلق بالمعركة مع العدو، فهو يرى: " أية معركة؟ نحن واهمون إذا تصورنا أن باستطاعتنا أن نطرد الغرباء. فهم أكثر منا وأكثر علما وتجربة"([44]). إذن ما العمل؟ ـ " أرى أن نترك المسألة للزمن"([45])، وذلك لأنه من زاويته ـ وكان محقاً بدليل تأييد فرحات له ـ يدرك أهداف العدو جيداً .. " دعني أسألك يا فرحات. لماذا اختاروك انت لتبليغنا الخبر الخطير؟ هل يحسبوننا من السذاجة الى الحد الذي نصدق معه أنهم يطلبون رأسك؟ كيف، وهم يريدون افتعال معركة تمحونا عن آخرين، وتنصرهم علينا الى الأبد؟ "([46]).

علي، كما يبدو من أقواله وأفعاله، رمز للشاب المثقف، من ناحية، السلبي من ناحية أخرى.  توصل من خلال ثقافته الى رفض تعلق القرية بالقيم البالية المتوارثة التي يرمز إليها الشيخ الكبير، إلاّ أنّه سلبي يعرف الطريق، ويحدد مواطن الداء، دون القيام بعمل، أو المشاركة في عمل الآخرين وجهودهم. يكتشف أهداف العدو، وما يقابلها من ضعف القرية وتخلفها، ورغم ذلك يرى أن نترك المسألة للزمن. إنه رمز لقطاع كبير من المثقفين، الذين لا يضعون ثقافتهم في خدمة مجتمعاتهم.

عصام الفاخوري:

"شاب حذر لكنه نظيف، فتح دكان بقالة صغيراً برأسمال ورثه عن أبيه. كان قد هاجمني، في مقهى الزهور، عهد خفارتي. ولما علمت عاتبته، فأصر على موقفه مني، ولم يعتذر شأن الكثيرين ممن كانوا يتملقونني خوفاً من منصبي، وينتقدونني في غيابي تملقاً للآخرين"([47]).

·     بالنسبة للشيخ الكبير، وما يرمز إليه، عندما احتدم النقاش بين علي الذي مر ذكره، وعودة الذي سيأتي، تدخل بينهما ملطفاً جو النقاش بقوله: "علي لا يعني الإنكار، يا عودة. انه يريد للشيخ الكبير أن يتحرك، أن يحمي قريته, هذا كل ما في الأمر"([48]) ومن جانب آخر يرى أن "المسألة واضحة يجب أن نحرر الشيخ الكبير أولاً"([49]).

  أما عن موت الشيخ الكبير، فله وجهة نظر، ترى أن "(نجم) لم يمت. ولا الشيخ الكبير مات، لكني شخصياً اشك بأن لهما دوراً في معركتنا المقبلة"([50]).

·     أما فيما يتعلق بالمعركة المقبلة مع العدو، فهو يرى أن الشيخ الكبير "رضاه يكفينا وعلينا نحن أن نفكر لأنفسنا ونعمل"([51]). علينا "أن نتفق على خطة عمل طويلة.. لا لقاء بالشيخ الكبير. بل عمل وإعداد"([52]). وهذا يعني "أن نبدأ بتنظيم أهل القرية سراً، وتدريبهم في انتظار اللحظة الحاسمة([53]).

عصام الفاخوري، شخصية ترمز لقطاع من الشعب، يمثل الفئة الثورية                                                                                                                                                                                                                                                          التي تحتكم الى العلم والتخطيط والأعداد، فهو يعرف طبيعة العصر، لذلك يرفض الارتجال، والاتكالية التي تستند الى أوهام الكسالى الذين يقولون (الله معنا) وكفى…… ويرى أيضاً أن الدين نفسه بحاجة الى أن نحرره من كل الأوهام والأدران التي ألحقناها به……إن إيمانه بالعمل من اجل الوطن لا جدال فيه، لذلك –رغم اختلافه عن علي وعودة حول أسلوب العمل وانسحابه- نجده يوم الاجتماع المقرر في مسجد القرية، من المشاركين فيه، بعكس نموذج علي السابق.

عودة حمد الله

"كهل في الخمسين، لكن له حمية الشباب. لم يكتم إعجابه بجدي. ويوم كان يدار اسمي في مجلس يشهده، كان يقول: حيا الله جده، وإني والله، ألمح فيه أملاً لهذه القرية، كبيراً، واعتقد انه سيستأنف مسيرة جده في الوقت المناسب"([54]).

·     عودة، له موقف واضح متعصب من الشيخ الكبير (الدين). عندما اخبرهم فرحات بما يقوله كبير الخفراء عن موت الشيخ. انتفض كمن أصيب في الصميم.. "دعوا هذا العبث. شيخنا الكبير لا يموت انتم تعرفون ذلك. أم هي لعبة يخترعها الخواجات؟([55]). ويواجه إنكار علي بشدة.. "دع عنك هذا يا علي، أن علومك ليست شيئاً  إذا لم تعترف بالشيخ الكبير، باني القرية وحاميها.لست منا، لا نريدك، إذا أنكرت الشيخ الكبير"([56]) وعندما اقترح فرحات مقابلة الشيخ الكبير، هتف عودة "ذلك هو الرأي، يجب أن نتصل بالشيخ الكبير ونرى رأيه يجب"([57]).

وعندما يرى فرحات ضرورة الاتحاد في مواجهة العدو، والانطلاق من موطن القوة، يقاطعه عودة قائلاً:"من الشيخ الكبير"([58]). فالشيخ الكبير عند عودة هو مصدر القوة. وعن الشيخ الكبير يقول عودة وهو يضرب على صدره بكفه: "انه هنا. هنا"([59]).

·     أما بخصوص المعركة المقبلة مع العدو، فرغم ما يبدو من إيمانه الأعمى بالدين واتكاله الكلي عليه، إلا انه يقرن ذلك بالعمل، فيخرج بالشباب الى البيادر يعلمهم الطراد([60])، ويدور على أهل القرية يدعوهم للعمل والاستعداد للمشاركة في خطة احتلال البيت الكبير، لإنقاذ الشيخ وطرد الغرباء.

عودة حمد الله، "يرمز الى جماهير الشعب التي ترتبط بتراثها والتي تمتلك الحماسة والاندفاع والرغبة في المقاومة"([61]) ويملك –كرمز- القدرة على العطاء، والاستمرار الطويل في البذل كما سنرى.

فرحات درويش

الشخصية الرئيسية في الرواية التي يتصاعد الحدث الروائي من خلال ردود فعلها ومواقفها. عايشناه من أول الرواية فعرفنا ازدواجيته وتذبذب مواقفه، فمرة يعلو، وأخرى يسقط في بئر الأعداء الحقيرة. مرة يشده جبنه وخوفه نحو مواقع أبيه الذي تعاون مع العدو، وأخرى يستيقظ ضميره مع الصوت المتفجر من مذكرات جده، ومن قبر أمه، فيحاول الصعود، لينهار مرة ثانية أمام التهديد والإغراء.. إنه ـ مع شيء من التحفظ ـ

يرمز للطبقة البورجوازية التي قد تحرض على الثورة، وقد تقودها، لكنها لا تفقد شيئاً لأنها لا تضحي بنفسها ([62]). الذي يلفت الانتباه زيادة على تذبذب مواقفه ، انتهازيته فهو مشدود الى وعود الخواجات من طرف، والى خدمة قريته وطرد الغرباء من طرف آخر، لقد كان يخطط لركوب الموجه بقصد وإصرار، كيلا تفوته أية مناسبة. عندما طرح الموقف من الأصدقاء الثلاثة، توصل من خلال النقاش الى فكرة مؤداها.. "ان لحظة البطولة هي لقاء بين البطل والفرصة السانحة. لقاء لا يتقدم ولا يتأخر. لم لا تكون هذه هي الفرصة السانحة وأكون أنا البطل. وأحسست بالخجل انا البطل؟ انا بكل ضعفي ، ترددي وطفولتي؟([63]).

انها فكرة انتهازية واضحة ، فرغم انه يعترف بضعفه وتردده، إلا انه لا يريد ضياع هذه الفرصة السانحة حسب قوله، فربما خدمته الظروف، واصبح بطلاً.

ما بعد الهزيمة:

وقع الزلزال في القرية، إشارة الى الحرب. وانهزمت القرية أمام طوفان الخواجات، الذي حولها ركاماً من الحجارة والآدميين. ويختفي كل الشخوص، ولا يبقى في الصورة سوى فرحات وعودة، بعد أن أعلن الغرباء موت الشيخ، وأشاعوا الموت والدمار في القرية: ينهار فرحات، ويخاطب عودة بصوت مذبوح: "لو رأيته وهم يطوحون به بين أيديهم..  يسقط تحت أقدامهم...." يبتعد عنه عودة وهو يهتف: "لا أريد ان اراه. لا أريد ان ارى أحداً. حسبك، ان بكاءك يذلني. شيخاً كبيراً هنا. هنا. في أعماقنا ولم يغب" ([64]). فيسأله فرحات:"ماذا تعني؟ هل بقي لنا شيء بعد؟ ([65]). فيجيبه، وهو ينظر الى القرية المحترقة.. "كل شيء. بقينا نحن، إذن فقد بقي كل شيء"([66]).انه يرى ان هذا الذي حدث كان شيئاً لا بد منه. كان صرخة استغاثة من شيخنا الكبير الذي هجرناه.. قريتنا الحبيبة الوادعة القابعة في حضن الجبل. كان لا بد ان تموت. لتبعث"([67]). ويصرخ فيه منادياً ..."كفى. كفى. تعال . أمامنا عمل كثير في هذا المقام الذي سنتخذ منه مأوى... تعال" ([68]). وعندما يسأله فرحات بدهشة "نقيم هنا؟"يجيبه بحزم:"نعم هنا. وقد بدأت في إزالة الركام. تعال انظر. من يصدق ان هذا المقام كان مليئاً بالأفاعي والعقارب"([69]). ويتحرك عودة، ليدخل المقام، ويتبعه فرحات وفي قلبه تولد أغنية حزينة.

هذا هو سبيل الخروج من الهزيمة كما تشخصه الرواية ... العودة الى الدين بعد تخليصه مما ألحقناه به من شوائب وادران.. اللجوء الى الدين- كما يرى الكاتب- هو طريق الخلاص.

الأسلوب والبناء الفني:يرى جبرا إبراهيم جبرا: أن "الرواية، بحد ذاتها، يجب ان تكون مليئة بالجو الشعري، وأنا اعتقد ان الروائي لا يمكن ان يكون كبيراً إذا لم يكن على صلة عميقة بالشعر، وعلى فهم عميق للشعر، وقد يكون هو نفسه شاعراً فيما مضى... لأن حِس الروائي للكلمة، وحسه للصورة.. وهما حسّان شاعريان- هما حسّان ضروريان للرواية.. فاللفظة مهمة في الرواية، والصورة مهمة كذلك، بقدر ما هما مهمتان في الشعر ثم التركيب الشعري، والتصاعد الشعري.. هذا كله في الحقيقة، يجب ان يكون في الرواية الجيدة ([70]). في حين يرى الكاتب الأميركي البرت كوك "أن القصيدة إذا كانت فجّة لغوياً وموسيقياً، فلن تكون شيئاً على الإطلاق. فالشعر بالدرجة الأولى صنعة لغوية.ولكن الرواية الجيدة لا يمكن ان تكون بلغة ضعيفة، ويمكن ان تكون رواية فقيرة بلغة جيدة. ولعل عدم امتلاك ناصية اللغة يوقع في خطر. ولكن العلاقة الخاصة بين اللغة في الرواية والملاحظات التي تحكيها هذه اللغة، تجعل من الممكن لرواية جميلة أن تكتب بلغة مسطحة وفجة وخالية من الجمال"([71]).

ورغم ما يبدو من تفاوت بين الرأيين، إلا أن البرت كوك نبّه للخطر الذي يوقع فيه عدم امتلاك ناصية اللغة، ويلفت الانتباه الى انه "بينما يوجد عالم القصيدة كاملاً ومغلقاً على نفسه، متشكلاً من النظام الخاص للآلئ اللغة وشواردها، فإن عالم الرواية- حتى وان كان قصة وهمية Fantasy يربط نفسه بالعالم الواقعي([72]).

ولقد حققت رواية الكابوس الناحيتين، فقد كان أسلوبها في الغالب قريباً من الشعر الخالص، فالكلمات مكثفة موحية، مليئة بالدلالات والصور، وقد جاءت صفحات كثيرة منها، وكأنها لوحات شعرية، هنا نذكر ان الكاتب شاعراً له تجربة طويلة في عالم الشعر، وما يزال. إن دور اللغة هنا يتعدى مجرد التعبير عن الحدث، إنه يفجر المزيد من الإيحاءات في نفس القارئ، والتي تجعله قادراً على تمثل الأجواء والظروف النفسية للكاتب. في مثل هذه "الأنماط التي تنحو نحواً شعرياً لا بد ان تستغل في القصة إمكانيات التعبير الشعري، على أساس ان جمال التعبير هنا شيء يقصد إليه قصداً ويعول عليه كل التعويل في الإثارة والتشويق معاً. فالتعبير في هذه الأنماط عنصر بنائي وليس مجرد وسيلة للبناء"([73]).

في أماكن كثيرة تشعر ان اللغة منتقاة بعناية، فالرواية تعالج تجربة لها وقع خاص في نفس الكاتب، لا تعبر عنها إلا كلمات معينة، كما تعطي نفس الدلالات التي يريدها، والأجواء التي يعيشها، ولما كانت الكلمات موحية معبرة، جاء الحوار مركزاً، والجمل قصيرة، لأن الاعتماد على ما تحمله اللغة من إيحاءات، خاصة انه اعتمد في بداية الرواية على أسلوب السيرة الذاتية من خلال مذكرات الجد، ثم تداعيات تيار الوعي لكشف مكنونات نفس فرحات بالذات. أما البناء الدرامي، فلقد كان يتشكل عنده من خلال وجهة نظره التي سوف يدلي بها في المسألة المطروحة، والتي جاءت الرواية لتوضيحها. وقد كان اعتماده على تفاعل الشخصيات من خلال حبكة تخضع لمنطق السبب والنتيجة، كما يقول. فورستر، فقد كان الإحساس بالسبب والنتيجة يسيطر على ترتيب أحداث الحبكة الروائية. إن تشخيصه لواقع القرية، وسلوك أهلها، ومواقفهم ، ومعتقداتهم، كانت كلها تقود الى الزلزال- الهزيمة، في آخر الرواية.

وقد اهتم أثناء ذلك بملاحظته تفاصيل السلوك الاجتماعي لأفراد القرية وأفراد الخصم(الخواجات)، فاستطاع ان يقرب من ذهن القارئ الواقع الذي كان يعيشه، دون أن يحس بأهميته، وخطورة النتائج التي سيؤدي إليها. وكي يصل الى هذا الغرض جاءت الحبكة مترابطة الأجزاء، تقود عبر التفاعل مع الشخوص، الى النهاية الحتمية. هذا وقد أحاط البناء الروائي بهالة من (الفانتاتزيا) من خلال الأجواء الخيالية التي اضفاها على بعض الأحداث، ورسم بعض الشخصيات الرامزة، لذلك اختلط عنده الحلم بالواقع، والواقع بتداعيات الماضي، مع أوهام البطل وتخيلاته، كل ذلك في بناء فني رائع([74]) يضفي غموضه على العمل جدية ومهابة.

ب- ونزل القرية غريب

احمد عمر شاهين

هذه الرواية تعالج بالرمز موضوعاً، لم تتطرق إليه- فيما أعرف- رواية فلسطينية أخرى. العلاقة بين المثقف والجماهير والسلطة، ودور المثقف إزاء الجماهير الواقعة تحت القمع والإرهاب المتسلط. هل دور المثقف ان يسير مع الجماهير نحو حتفها الذي تقودها إليه سلطة غاشمة، لا تمثل إرادتها مطلقاً،أم عليه- بحكم وعيه الثقافي- تقع مسؤولية توعيتها وتثويرها ؟

هل دور المثقف انتظار استعداد الجماهير للعمل، أم أن عليه أن يسهم في خلق هذا الاستعداد؟ هذه التساؤلات هي موضوع رواية "ونزل القرية غريب".

وقد عالجتها الرواية بأسلوب رمزي، كان يعطيه الكاتب دوماً إشارات ودلالات واقعية، فجاءت رموزه واضحة، من خلال بناء روائي اعتمد على الإثارة والترقب، دون ان يصل حدّ الروايات البوليسية السطحية، فهما إثارة وترقب نابعان من سيطرة الموضوع الفكري على الحبكة التي ستحمل لنا وجهة نظر الكاتب من التنظيرات المبكرة في هذا الموضوع، أحاديث الزعيم الصيني(ماو)، التي ألقاها في ندوة الأدب والفن بيانان سنة 1942([75]).حدد (ماو) جوانب الموضوع موضحاً الموقف الذي يجب ان يتخذه المشتغلون بالأدب والفن، ومسألة اتجاههم، ومسألة الجمهور، وأخيراً عملهم ودراستهم, إن ما يعنينا هنا العلاقة بين المثقف- كمشتغل بالأدب والفن- والجمهور وقد أكد (ماو) في هذا الصدد ضرورة ان يحدد الكاتب موقفه لصالح الجماهير، وهذا يعني فهمها ومعرفتها معرفة جيدة، ولن يتأتى ذلك ما دام الكاتب يعيش بمعزل عن الجماهير، ويحيا حياة فارغة جوفاء([76]).

عقدة البطل المثقف:

البطل الرئيسي في الرواية، البطل المثقف، بدون اسم. وذلك لأن الكاتب قصد أن يعطيه أبعاداً رمزية، كممثل لأبناء طبقته، إلا انه قبل انتهاء الرواية، وبعد أن توضحت ملامح شخصيته، وموقفه من طرفي الصراع في القرية، أهلها من ناحية، والقزم (رمز للحاكم والسلطة) من ناحية ثانية، أعطاه الكاتب اسماً تجريدياً، عبّر عن حقيقته عند نفسه، وعند الآخرين. (غريب). من وجهة نظر القزم (الحاكم- السلطة) لأنه كقوة متسلطة حريص ان تبقى القرية على جهلها، لذلك حرم عليه الاتصال بأي منهم. و(غريب) عند نفسه عن الجماهير. لأنه لم يتمكن من البقاء بينها، رغم انه طالما تمنى ذلك. و(غريب)عند الجماهير نفسها، لأنها وجدته دون طموحاتها التي علقتها عليه،وانتظرت من اجل مجيئه طويلاً.

من البداية، هو محكوم بعقدة أساسية. أحلامه كمثقف، وقدرته على ممارستها في الواقع. من دون رفاقه يحلم دوماً، ويطمح الى ان يمارس دوراً بعيداً عن تشدّقهم بالكلمات الكبيرة، التي يعقبها عمل ما. في الوقت الذي يعرف انه دعيّ ثقافة الى حد ما.... "إنّه يعرف أنه دعيّ ثقافة ومن بين كل عشرة كتب اشتراها لم يقرأ سوى اثنين او ثلاثة وبالكثير أربعة، وأنه لو حسب الكتب التي لم تقرأ في مكتبته مطبقاً عليها هذه النسبة، لبلغت اكثر من ألف كتاب.... ألف كتاب دفع ثمنها عدّاً ونقداً لترقد في الدواليب وعلى الرفوف ولا مانع من قراءة فصل من هنا وفصل من هناك، او حتى قراءة تلخيص لبعضها في الصحف والمجلات حتى يتشدق به أمام الأصدقاء والغرباء على السواء..." ([77]).

ورغم ذلك لديه طموح لدوره ما يميزه عن بقية الأصدقاء. حاول ان يمارس هذا الدور مع  الثورة الجزائرية، فلم تمكنه ظروفه. وحاول مع الثورة الفيتنامية، فلم يكونوا بحاجة إليه. أما الثورة الفلسطينية، فقد قابلته بالتردد والوعود. قبل ذلك حاول الانتحار. وجَبُن. "أكثر إيلاماً لنفسي كانت محاولتي القيام بعمل إبداعي حلاً لكل مشاكلي لكني لم أجد من يحكم لي او عليّ"([78]). تحت وطأة هذه الإحباطات المتعددة، تحدى كل رفاقه، وقرر القيام بأي عمل، وكان أن عين- بناء على طلبه- مدرساً في قرية بعيدة علّ ممارسته بين الجماهير، وإسهامه في توعيتها، يحل عقده هذه، التي جعلته يحس أنّه عبء على الحياة. أمّا رفاقه فقد اعتبروا أقدامه هذا فرصة ثمينة... "اذهب فعلى كل حال انت واحد منا وهذا اختبار عملي للعجينة التي صنعنا منها هل هي زائفة او أصيلة؟"([79]).

داخل الاختبار:

بعد رحلة شاقة مخيفة، وصل القرية، التي لا تربطها طرق بعالم المدينة. بصعوبة وصل الى منزل. وبصعوبة اكثر تعرف الى بيت من بيوتها على الحاج علي، وهو عجوز كفيف، والحاجة زينب، الذين أنكرا معرفتهما به:

"- الحاج علي والحاجة زينب...

قال العجوز الأعمى: من انت؟

قال :ألا تعرفني يا حاج علي! ألا تذكريني يا حاجة زينب!

كنت اشتري البيض من عندك وانا صغير وكنت تعطيني حبات الشيكولاته.

أنسيت؟

قال العجوز بحزن: لا افهم ما تقول أيها الغريب.. اجبني ودعك من كل هذا ... من انت؟.... ومن أين قدمت؟

قال: أنا المدرس الجديد... وقدمت من المدينة.

دوت في القاعة أصوات رجال كثيرة تقول بدهشة: من المدينة! المدرس الجديد!" ([80]).

"تناول الطعام، استقبله العجوز الأعمى ورجل قزم دميم (ستكشف ملامحه كرمز للحاكم- السلطة بعد قليل). افصح له العجوز عن رفضه ممارسة مهمته في القرية، واضعاً إياه في جو مرعب.مليء بالخوف. "منذ سنتين جاء غريب وقال انه هو المدرس الذي عينته الحكومة... ثم  لم تعجبنا تصرفاته فحبسناه في مغارة الجبل"([81]). وقد اكتشف ان هذا القزم الدميم، يتحكم في شؤون القرية، فهو المشرف على السجن، والقلعة ، والتعليم، والزراعة والنظام، وتنظيف دار الحكم، وكل شيء. ولمزيد من الرعب، أخذه القزم الى سجن في الجبل، ليشاهد المدرس- الغريب، الذي سبقه الى القرية منذ سنتين. حيل بينه وبين أهل القرية. رفض العجوز والقزم ان يسكن معهم في بيوت القرية. أعطوه دار بعيدة كان يسكنها حاكم القرية.