الباب الأول

الاتجاه الرومانسي

أن المتُتبِّع لنشأة الرومانسية في الأدب الغربي، يلحظ انها كانت نتيجة ظروف عامة في السياسة والاجتماع والفلسفة والأدب، تفاعلت معاً في المجتمع الأوروبي آنذاك، ليتبلور من خلال تفاعلاتها تلك وعلى مراحل ما عرف بالمذهب الرومانسي (Romanticism). وقد  تشعب هذا المذهب في معاينة حسب الأقطار التي نشأ فيها، مما جعل من الصعوبة إعطاء تعريف محدد له؛ إلى الحد الذي جعل بول فاليري يرى أن المرء لا بد أن يكون غير متزن العقل إذا حاول تعريف الرومانتيكية ([1]) إلا أن الشائع عنها والمتفق عليه، أنها كانت ثورة تحريرية للأدب من سيطرة الآداب الإغريقية واللاتينية القديمة([2]). وقد تمكنت الحركة الرومانسية من اكتساب شخصيتها المميزة عقب الثورة الفرنسية ، ونهوض الطبقة البورجوازية التي استتب لها الأمر بعد نجاح الثورة وما جاءت به من مبادئ الحرية والإخاء والمساواة ، فأطلقت العنان للحرية الفردية لتحقيق ذاتية الإنسان ، رافضة أية قيود على الأدب والفن ، ذلك لأن جوهرها كان التحلل من كل الأصول والقيود والتخفف من أغلالها ، لكي تتحرر العبقرية البشرية وتنطلق على سجيها ([3]).

وبالتالي كانت ثورة الرومانسية عنيفة على الذوق الكلاسيكي المزيف ، فرفضت أن تسن قوانين أخرى  غير القوانين التي تعلن الحرية([4]) .ويرى (فان تيجم) أن المذهب الرومانسي تم وضعه على مرحلتين الأولى سيطرت عليها مدام دي ستايل ، حيث بدأ تفضيل النماذج الأجنبية ، ونماذج الكتاب الفرنسيين أمثال روسو ، ومرحلة ثانية سيطر عليها فيكتر هوجر من سنة 1820 الى سنة 1830 ، إذ سعى الى تجديد تقنية المسرح والى التعمق في طبيعة الشعر الأساسية ([5]) وقد ربط بين الرومانسية وقضية التحرر (الليبرالية) التي سادت العصر ، معتبراً إياها الليبرالية في الأدب . وقد اعتبرت أيضاً المبادئ المتحررة في السياسة توازي الرومانتيكية في الأدب ([6]). ويؤكد الدكتور محمد مندور أن تأثيرات آداب الألمان والإنجليز التي انتقلت الى فرنسا على يد مدام دي ستايل وشاتوبريان وأمثالها ، كانت قليلة التأثير في نشأة المذهب الرمانسي ، إذا ما قورنت بتأثيرات الحالة النفسية التي ولدتها الثورة الفرنسية وما تلاها من مجد نابليون وانهياره ، الذي أوجد حالة نفسية حزينة محطمة ، ومما لا جدال حوله أن الأجواء السياسية في فرنسا لعبت دوراً مهماً  في بلورة الحركة الرومانسية ، فالرياح التي جاءت بها الثورة الفرنسية ، توطد دعائم البورجوازية  ، جعلت الفرد الأوربي يتطلع  الى تحطيم أسس العبودية والإقطاع ، آملاً التمتع بالحرية التي طالما حرم منها ، وامتد هذا الانقضاض الى كافة القيود ، بما فيها قيود الأدب نتيجة إحساس الفرد الأوربي بذاتيته المستقلة والمتحررة ، وقد أدى جان جاك روسو في هذا المجال تأثيراً واسعاً في أفكاره السياسية في (العقد الاجتماعي ) أو أعماله الأدبية في قصته (هيلويز الجديدة ) ، حيث ضرب عرض الحائط بالتقاليد الاستفراطية التي كانت تحافظ عليها الكلاسيكية ، فأدارها حول قصة  حب حول فتاة منالطبقة الاستفراطية (النبلاء) ، وفتى من الطبقة( البورجوازية ) ، هذه الطبقة التي استمرت في انطلاقها محدثة كافة التغيرات التي تضمن لها السيادة والسلطان ، وقد " كان روسو وأصحابه من زعماء الرومانسية قوة لا يستهان بها ضد رجعية النظام الاقطاعي الفاسد ، وطاقة ثورية ضد الفساد في زمنهم الذي كان قد أستولى على ضمائر الناس الذين كبلتهم قوى الثبات والأرستقراطية " ([7]) أن احساس أفراد الطبقة البورجوازية بذاتهم ، وتطلعهم الى تحقيق هذه الذات على أنقاض المجتمع الاقطاعي والأرستقراطي عجل بتبلور النزعة الرومانسية في الأدب والفن ، وقد سعى الأدباء والفنانون الى التعبير  عن العلاقات الجديدة التي بدأت تسود المجتمع في كافة المجالات ، اذ أصبح هؤلاء الساخطون الرومانسيون لا يرون أن هناك موضوعات ممتازة : فكل شيء يمكن أن يكون موضوعاً للفن([8]). وقد اسهم مع الظروف السابقة ، فيما يختص بنشأة الرومانسية ، ما ساد من تيار الفلسفة العاطفية في اوروبا  في النصف الثاني من  القرن الثامن عشر ، حيث اعتمد الفهم والشعور  أساسين للادراك واعتماد العقل على الشعور  بالجمال الذي هو الدعامة كل نشاط انساني([9]) وقد اعطت الفلسفة دوراً كبيراً من العاطفة، وجعلت لها المقام الاول قبل العقل في كافة النشاطات الانسانية ، وأدى ذلك الى الاعتماد على الذوق الفردي في تقييم العمل الفني . وقد فتح الأدباء الرومانتيكون الباب واسعاً أمام عواطفهم الذاتية لتأخذ المساحة الكبرى من نتاجاتهم الأدبية ، فجاءت مشاعرهم واحاسيسهم شديدة التفجر والوضوح ، ولم يعد العقل عندهم سيطرة على العمل الفني ، فالأمر أصبح للأحاسيس العاطفية الجائعة . وهناك من عبر عن الرومانسية بأنها " أدب عاطفي "([10]). ولما كانت الحركة الرومانسية في أساسها تعبيراً عن أنتفاضة الطبقة البورجوازية الناشئة وتصميمها على التمرد على كافة الحقوق المقدسة التي كانت للطبقة الأرستقراطية  ورموزها ، لذلك شددت كثيراً على حرية الفرد وذاتيته في كافة المجالات ، وقد " كان نشدان الحرية في مظهرها الفني والأدبي باعثاً على نشدانها في كل ميدان . فالفرد حرّ   والفكر حرّ والعاطفة حرة والتعبير الأدبي حرّ  "([11]). وبشكل عام فأن نضال الرومانتكيين وموافقهم من قضايا العصر ، خاصة في سبيل التحرر الانساني ، كان نضالا شجاعاً ، واعتبروا التحرر السياسي هو جوهر القضية ولبها ، لأنهم آمنوا يومذاك أن الاستبداد انحراف بالحكم عن طبيعته([12]). وقد امتدت تأثيرات الحركة الرومانتيكية تاركة بصامتها واضحة في الشعر والقصة والمسرحية والنقد ، وفي الشخصية الإنسانية ذاتها آنذاك . من الواضح أن المذاهب الأدبية العالمية ، من كلاسيكية ورومانتيكية وواقعية وغيرها ، عرفتها الحياة الأوربية نتيجة تطورات معينة في بنية المجتمع وفكره، ولذلك جاءت بشكل متعاقب ، وكأن كل مذهب كان يحمل في أحشائه بذور المذهب القادم، والمذهب الجديد شكّل على ما سبقه . فقد كانت الرومانتيكية ثورة عاتية على الكلاسيكية وما صاحبها ، ثم جاءت الواقعية تمرداً على انطوائية الرومانسية احتجاجاً على الحياة البورجوازية التي جاءت بالرمانتيكية ، واستمرت في صعودها الرأسمالي المخيف ، الذي حول كل شيء الى سلعة أرنست فيشر([13]). ونتيجة لذلك ، لم تعرف الحياة العربية هذه المذاهب الأدبية بنفس الوسيلة والمستوى وعمق التأثير ، كما عرفناه في الحياة الأوربية ، وذلك بسبب اختلاف الوضع الاجتماعي والفكري ، وتخلف الحياة السياسية العربية ردحاً طويلاً من زمن تحت مختلف أنواع الاستعمار والاحتلال ، مما جعل المنطقة العربية متخلّفة في تطورها السياسي والاقتصادي والاجتماعيّ ، وبالتالي الأدبي ، عن أوروبا ، لأن الأدب مرتبط في صعوده وهبوطه بكافة النواحي السابقة . الا أن هذا لا يعني أن أدبنا العربي ظل معزولا عن التيارات العالمية الحديثة ، فقد تجاوب أدباؤه وفنانوه مع التأثيرات هذه المذاهب ، نتيجة الاطلاع على الآداب الاوروبية وبنسب مختلفة ، الاّ " أن مظاهر التجديد هذه على ما لها من قيمة ، وعلى ما استتبعت من جهد كبير محمود من كبار كتابنا الذين وصلوا أدبنا بالأدب العالمي لم تتبع تياراً فنياً متكاملا محدد المعالم ، ولم تدعمها فلسفة تمثل الاتجاه الفكري للعصر "([14]).  لذلك  فعند دراسة أثر هذه المذاهب  اثر في الأدب العربي ـ ومنه الرواية الفلسطينية موضوع بحثنا ـ لن نجد مطابقة حرفية لما عرفته هذه المذاهب من سمات وملامح في الآداب الأوربية ، انما انعكست في جوانب وأصداد معينة ، جعلت لدينا أدباً متأثراً في ملامحه العامة بهذه التيارات مع اضفاء الملامح الوطنية المحلية علية ، ويلاحظ في هذا الصدد " أن هذه المذاهب والمدارس أيضاً أو بعضها على الأقل دخلت متلازمة متزاحمة الى تربتها العربية في بعض البلدان العربية المتطورة أو كالمتلازمة ، ولم تنشأ متعاقبة نشأة طبيعية في المناخ كما حدث لها في تاريخها في الغرب "([15]). وهناك من بنكر أن كتابنا مجرد صدى للآداب الغربية ، وأن ترديدهم للقضايا والأفكار النظرية التي كانت محل جدل هناك ليس دليلاً على انغمارهم وفنائهم فيها وضياع معالم شخصياتهم الفنية . وأنه اذا كان المذهب الغربي يقوم بدور نقطة الضوء  الجذابة فانه ـ غالباً ـ مجرد  مفجر لطاقات موجود ة قبله عند أدبائنا. وأن كتابنا لو لم يتعرفوا على المذاهب الغربية لانتهوا من تلقاء أنفسهم الى اكتشاف نظائر لها تناسب مجتمعهم وتطورهم التاريخي والثقافي([16]). وهناك من يميل الى الرأي الأسبق للدكتور محمد غنيمي هلال , فيؤثر استخدام كلمة اتجاه بدلا من مذهب أو مدرسة لأن استخدام إحدى الكلمتين يعني  أن تكون هناك قواعد مرسومة , وخصائص محددة تلتزم بها المدرسة ويعتمد عليها المذهب في حين أن أدبنا العربي لم يعرف هذه المدارس بالمعنى الفني الدقيق. ([17])

الرومانسية في الرواية الفلسطينية

كانت فلسطين قبل الحرب العالمية الأولى جزءا من الأقاليم الآسيوية المنوطة تحت لواء الإمبراطورية العثمانية , وقد شهدت البلاد معارك واسعة بين البريطانيين والعثمانيين حتى استولت القوات البريطانية على مدينة القدس في ديسمبر 1917, وفي سبتمبر 1918 تم استيلاء القوات البريطانية على كامل فلسطين , بعد طرد القوات العثمانية

وتصفيتها, وبذلك انتهت علاقة الوطن الفلسطيني بالإمبراطورية العثمانية . وقد تطورت الأوضاع السياسية في فلسطين وعموم سوريا بشكل سريع مفاجئ للسكان المحليين , إلى أن أعلن الانتداب البريطاني رسمينا على فلسطين بواسطة مجلس عصبة الأمم في يوليو 1922.

وقد كان من أثر وقوع المنطقة بكاملها تحت الانتدابيين البريطاني والفرنسي , أن تهيأت ظروف أفضل للاتصال بالآداب الغربية والاطلاع على تجاربها الجديدة في مجال الأدب والفن, نظرا لسهولة الاتصالات سواء بالدول الغربية صاحبة الانتداب , أو بالدول العربية المجاورة الواقعة تحت سيطرة الدول نفسها , وبالذات مصر التي سبقت في الأخذ بأسباب الحضارة الغربية عقب الحملة الفرنسية عليها , وقد""شهدت السنوات العشر الأولى من عمر الانتداب الانكليزي في فلسطين والأردن كما شهدت الفترة نفسها من عمر الانتداب الفرنسي في بقية أجزاء سوريا العامة تجارب أدبية جديدة تحاول في نجاح أن تعبر عما في نفس الانسان العربي في كل من أجزاء سوريا العامة الأربعة تعبيرا كهذا الذي نراه في مجال القصة عند خليل بيدس ومدرسته التي تحف به من حوله وتكتب في مجلته النفائس العصرية "([18]).

وقد سبق ذلك مؤثرات أخرى ساعدت على وصل الحياة الأدبية في فلسطين والعالم العربي بما عليه الحياة الأدبية الغربية , منها انتشار الصحافة والمدارس, خاصة مدارس الارساليات التبشيرية التي عرفت منها فلسطين الكثير,وبالذات المدارس الروسية([19]), ويركز الدكتور خالد ياغي ([20]) على دور الأديب محمد روحي الخالدي في إقامة الجسر الضخم بين الثقافة الغربية والثقافة الأوروبية في كتابه "تاريخ علم الأدب عند الافرنج والعرب وفيكتور هوجر" الذي أصدرته مطابع الهلال في مصر سنة 1904 ([21]) , بعد أن كان قد نشر مقالات متفرقة في مجلة الهلال . وما يهمنا هنا إشارة الدكتور ياغي إلى رومانسية الخالدي البورجوازي الذي عاش في فرنسا سنوات من التعليم والعمل أيضاً ، وكان يحمل بين جوانحه نفس الرجل الرمانسي الذي عرفه عند هوجر ، اذ كان الخالدي رومانسياً شديد التحمس لرومانسية حين تعصب للحرية في الفن الأدبي ، وحين ربط بين الحرية والارتفاء في الأدب ، و