![]() |
كيف بدأت فكرة هذا الكتاب ؟
إن ما يجري في العالم العربي وخاصة في القطر العراقي
العامين الماضيين جعل المشهد العربي في الداخل والخارج من الصعب تصوره أو فهمه ،
وقد بدى وكأنه لوحة سيريالية لا يتفق إثنان على شرحها أو تفسيرها، وخاصة ما استجد
بعد سقوط النظام العراقي في ابريل من العام 2003 .
فرغم أن هذا السقوط أدى الى تخلص الشعب العراقي من نظام
إستبدادي إرتكب بحقه العديد من الجرائم الفردية والجماعية ، إلا أن تقييم هذا
السقوط إختلف بشكل مريع في عموم الأقطار العربية ، فهناك من ما يزال يبكي على سقوط
ذلك النظام ويصوره على أنه نظام وطني ، وهناك من يعترف بإستبداده وجرائمه ولكنه لم
يعجبه سقوطه بمساعدة قوى أجنبية دون أن يجيب على سؤال: وهل بدون مساعدة تلك القوى
، كان من الممكن إسقاطه وقد إستمر على قلب الشعب العراقي قرابة أربعة عقود، دون أن
تبدو أية إمكانيات لتحرك داخلي يؤدي إلى إسقاطه ، رغم الحديث الموثق داخل العراق
وخارجه عن جرائم ذلك النظام وتعدياته على الشعب العراقي ، وعلى جيرانه من دول
إسلامية وعربية . وهناك الغالبية العظمى من العراقيين قد أعلنوا إبتهاجهم وفرحتهم
لسقوط ذلك النظام ، وقد عبر العراقيون عن ذلك بخروجهم في نهاية يناير 2005
بالملايين الى صناديق الإقتراع ليمارسوا حقهم لأول مرة في إنتخابات ديموقراطية
مباشرة رغم هول العنف الذي كان وما يزال يسود الشارع العراقي.
هذا العنف الذي إختلف العرب في تقييمه وتسميته، فهناك من
يعتبره إرهابا واضحا صريحا، والآخر يعتبره مقاومة وشريفة أيضا، ومن خلال تنظيرات
هذا الآخر بدأ تدفق الشباب من الجوار العراقي وخارجه لدخول العراق بأية وسيلة
للمشاركة فيما يسمونه مقاومة ، مقابل الأغلبية العراقية من كافة الإثنيات والطوائف
التي تعتبر ذلك إرهابا صريحاً يستهدف حاضر الشعب العراقي ومستقبله بدليل الإصرار
على مواصلة الإستعدادات لبناء وتمتين الجبهة الداخلية ومقاومة هذا العنف، الذي
أساء بشكل صريح لصورة العربي المسلم التي اصبحت في الدوائر العالمية الرسمية
والشعبية ، هي صورة الإنسان الذي لا يعرف إلا العنف والإرهاب الأعمى خاصة بعد أن
إستهدف هذا العنف الشخصيات التي لا علاقة لها بالخلفية السياسية لما يجري في
العراق ، كالصحفيين والدبلوماسيين والمدنيين العاملين في مؤسسات إنسانية ، كما
إستهدف منظمات دولية كالصليب الأحمر وهيئة الامم المتحدة .
إزاء هذا المشهد الملتبس جاءت فكرة هذا الكتاب ليجيب على
الأسئلة التي بدأت تتفاعل في الشارع والذهن العربي ، وبعد مداولات وإتصالات مع
العديد من الكتاب والمثقفين، إستقر الرأي أن يقوم الدكتور خالص جلبي بكتابة الفصل
الأول من هذا الكتاب، ليقدم الخلفية والإطار الفكري لتلك الأسئلة الخاصة بهذا
العنف وعلاقته بالإسلام، خاصة أن بعض من ينّظر لهذا العنف يحاول أن يجد له خلفية
إسلامية حتى ولو عبر لوي عنق الحقائق وتفسيرات قصرية لآيات من القرآن الكريم
ووقائع من التاريخ الأسلامي، وكذلك ليقدم الوجه الآخر للإسلام الذي يتجاهله
الكثيرون ، وذلك عبر سؤاله ( وهل في الإسلام لاعنف ؟ ) ، ولن أذكر في هذه المقدمة
الإجابة التي توصل اليها الدكتور خالص جلبي، لأترك الفرصة للقارئ للوصول الى
الإجابة ، عبر هذا الكم الهائل من المعلومات والأدلة من القرآن الكريم والتاريخ
الاسلامي التي يوردها الكاتب بأسلوب إيماني ممتع ، ينطلق من خلفية الباحث المتمكن الغيور
على صورة المسلم والإسلام في ظل التشويه الذي لحق بها ، ليس ممن يمارسون هذا العنف
فقط ، ولكن ممن ينظّرون له أيضا .
ولتقديم ما يثير العديد من الأسئلة ، فيما يخص الإلتباس السائد حول ما يجري
من عنف ، يكتب الدكتور زهير المخ ، الفصل الثاني من الكتاب بعنوان ( آليات الإرهاب
في العراق ) في محاور ثلاثة ، يدرس
في المحور الأول (مصادر الإرهاب في العراق ) ، حيث يفكك البنى التنظيمية للجماعات
المختلفة التي تمارس هذا الإرهاب ، عبر أجنداتها الخاصة التي سيكتشف القارئ من خلال المحور الثاني ( تخريب الموزاييك
العراقي ) ، أنها أجنـدات لن ينتج عنـها إلا ( إغتيال مستقبل العراق ) ، الذي هو
موضوع المحور الثالث، وذلك عبر عرض وثائقي مقنع ، تتميز به كتابات الدكتور زهير
المخ، وفيما يخص المحاور الثلاثة لهذا الفصل، فإن ما تم تقديمه ودراسته بهذا
الأسلوب التحليلي الهادئ ، لو قرأه أغلب منظّري ذلك الإرهاب ، أعتقد أنهم لن
يختلفوا مع الكاتب ، على أن ما ينظّرون له ، لا يمكن تسميته إلا أنه (إرهاب) ،
ولنترك الحكم لكل قارئ .
ولما كان من ضمن الأسئلة المطروحة ، لماذا كل هذا العنف
وما هي خلفيته، كتبت الفصل الثالث حول ( المناهج التعليمية والتربوية ) السائدة في
الوطن العربي طوال القرن الماضي ، محاولا إثبات أنها مناهج تغذي هذا العنف ، ولا
تراعي التقدم العلمي والتكنولوجي، وهذا ما يفسر دخول شعوب فقيرة العصر النووي منذ
عقود طويلة ، والأقطار العربية رغم كل ما فيها من امكانيات مادية وطبيعية ما زالت
في عصر البخار ، لأن هذه البرامج التعليمية والتربوية ، لن ينتج عنها إلا العنف
والتخلف والبقاء خارج إطار العصر .
هذا الكتاب، قصدنا منه إثارة الأسئلة في
العقل العربي والمسلم ، إنطلاقا من خلفية وعقل الإنسان الذي يؤلمه ويدمي قلبه ،
الواقع العربي خاصة ما تجلى في العراق على مدى السنتين الماضيتين ... هذه هي
أسئلتنا وكما نرى إجاباتها ، وعلّها فرصة للقارئ ليضع أجوبته الخاصة بعد قراءته
هذا الكتاب .
أحمد أبو مطر