الفصل الثاني

 

آليات الإرهاب في العراق

د. زهير المخ

 

 

مقدمة

 

من ركام نظام صدام حسين قرع الإرهاب بعنف على أبواب العراق معلناً هذا المستوى المقلق للعراقيين من صحبة الموت. جاء الإرهاب هذه المرة متكئاً على أعمال قتل وذبح وخطف وتفجيرات تطال عواقبه المدنيين الأبرياء. كانت إطلالته اقتحامية وكأنه اندفع لحجز مقعد في مكان فارغ يتسابق مع آخرين لاقتسامه.

ففي غضون أشهر قليلة من رحيل النظام السابق، تحول العراق إلى ملجأ مثالي للإرهاب والإرهابيين. ومن عدد محدود من التنظيمات الإرهابية المسلحة التي ظهرت على التوالي بعد سقوط صدام تزايد العدد على نحو مطّرد: جماعات إرهابية مسلحة من فلول صدام، جماعات إرهابية مرتزقة وأخرى متسربة إلى العراق عبر حدوده الشاسعة وثالثة نائمة بانتظار إشارة الانطلاق.

بكلام آخر، جاء الإرهاب مسلحاً بعموميات لا يصح البتة وصفها بالبرنامج أو حتى مقدمات برنامج في مواجهة الاحتلال، وبدا باكراً أنه يؤمن بأسلوب انتزاع الأدوار والمواقع عبر تحويل العراق إلى "حقول للقتل" أكثر مما يؤمن بالتنافس السياسي، وبالتالي أوحت ممارساته الأولى في الذبح المجاني بأنه قادر أن يخيف أكثر مما هو قادر أن يقنع.

هكذا تحول الإرهاب مشكلة للبناء السياسي الجديد للدولة بعدما نجح في اجتذاب الناقمين والمهمشين وبعدما تسلل إلى تياره الباحثون عن فرصة احتماء أو فرصة استقواء أو ارتزاق. لا يستطيع أحد الانحناء أمام مطالبه ولا يستطيع شطبه أو تنظيم الرقصة معه، فقد تحول تحدياً يومياً لا بد من الاصطدام به.

وفي الوقت الذي يحاول فيه العراق تجاوز آلام المرحلة الانتقالية العسيرة من قبضة الاستبداد والديكتاتورية إلى رحاب الديمقراطية والتعددية السياسية، مازال السؤال الذي يحوم فوق الرؤوس دونما إجابة شافية: من هم هؤلاء الإرهابيون ؟ وماذا يريدون ؟

وإذا كان القول بأن نصف الإجابة ليس بالأمر العسير، فهذا من باب تحصيل الحاصل، ذلك أن الهجمات الإرهابية المبكرة التي حصلت في مناطق عراقية متعددة حملت بصمة عناصر حزب البعث المنحل المتحالفة مع مجموعات ذات طبيعة شبيهة بـ "المافيا"، ترعرعت في كنف النظام المخلوع، أما برنامجها الوحيد فهو الانتقام الحرفي من كل العراق، وبالتالي فإن معظم الهجمات التي قامت بها هذه العناصر استخدمت فيها المتفجرات والأسلحة التي نهبت من المخازن الخاصة بالجيش العراقي المسرّح، فيما ظهرت بصمات أجهزة استخبارات النظام السابق بالتعاون مع الإرهاب القادم من الخارج واضحة على بعض العمليات التي طاولت اغتيال عدد من الشخصيات السياسية والدينية العراقية من بينهم  رئيس "المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق" السيد محمد باقر الحكيم في 29 آب/ أغسطس 2003 في مدينة النجف في انفجار أسفر عن مقتل عشرات المدنيين الأبرياء واغتيال عضو مجلس الحكم عقيلة الهاشمي التي تعرضت لحادث إطلاق نار في 20 أيلول/ سبتمبر 2003 على أيدي "فدائيي صدام" في بغداد.

والحقيقة أن العمليات الإرهابية التي نفذتها هذه العناصر يمكن وصفها بأنها "تقليدية"، بمعنى أنها إحدى الوسائل المعروفة التي تلجأ إليها عادة أجهزة أمن النظام العراقي السابق، إلا أنها، مع ذلك، ليست سوى ديكور هش لواقع أعقد، حيث يتسلل ناشطون بعثيون من خلال ثغرات أمنية كبيرة وفي حوزتهم مبالغ كبيرة يمكن استثمارها لإنتاج "مقاومة" وأعمالاً عسكرية مختلفة.

ومما لا جدال فيه أن هذه العناصر الموالية للنظام السابق شكلت بالفعل خلايا ضمت أطيافها عناصر من قيادات أمنية واستخباراتية عملت مع أجهزة النظام السابق السرية، فضلاً عن قيادات عسكرية وبعثية، تركت على عجل مراكزها وحملت معها أدواتها التقنية، الاستخباراتية والعسكرية، واستفادت أيضاً من مخابىء للأسلحة وزعها النظام السابق في شتى أنحاء البلاد، وبالتالي برعت بأداء قسطها في تحويل الساحة العراقية إلى "حقول للقتل".

تتعقد اللوحة العراقية أكثر فأكثر مع بروز نوع آخر من الإرهاب الذي ظلت البلاد تشهده، على نحو متكرر، منذ الإطاحة بالنظام السابق، يمكن وصفه بأنه "غير تقليدي"، لأن منفذيه الذين يتسرب معظمهم إلى العراق عبر حدوده الشاسعة يستخدمون أسلوب العمليات الانتحارية على نحو متكرر، وهذا ما يجعل الأخطار غير المتوقعة يحوم دائماً في الأجواء، لكنه يستهدف بالدرجة الأساس إبطاء بسط الاستقرار السياسي وتخريب مرافق البنية الأساسية للبلاد من أجل زيادة معاناة الشعب العراقي، وهم مصممون على جعل المسرح العراقي "ميدان المعركة الأول"، في التصدي للوجود العسكري الأمريكي حيناً، ومراكز الشرطة العراقية والحرس الوطني العراقي حيناً آخر. ولكن هذا الإرهاب الأعمى طالت عواقبه أيضاً ضحايا أبرياء عديدون أكثر مما يطال قوات التحالف، من بينهم أطباء وأكاديميون واقتصاديون ومهندسون وكوادر سياسية وقضاة ومحامون وشخصيات دينية وإعلاميون ومقاولون وآخرون غيرهم.

وإذا كانت مواصلة حساب سقوط الضحايا البريئة تبدو مستحيلة في بلد ما يزال يزرع الجثث ويسقيها كل يوم، فالثابت أيضاً هو أن هذه الظاهرة موروثة، إلى حد كبير، من سلوك النظام السابق، الذي أشاع مناخاً سياسياً واجتماعياً لا يهنأ إلا بفتح مواسير الدم على مصراعيها، حيث دفع العراقيون وما زالوا يدفعون ثمنه من اللحم الحيّ المتناثر على أرصفة الطرق وفي المقابر المقفرة.

 
في المخطط

 

سوف يركز هذا الفصل على ثلاثة محاور رئيسة، تستهدف بمجملها إثارة بعض القضايا التي تنبّه إلى آليات الإرهاب في العراق. ولتحقيق هذا الهدف، يستعرض المحور الأول البنية الاجتماعية والسياسية للمنظمات الإرهابية في العراق بصفتها مسؤولة عن إنتاج هذا النوع من التيارات العنفية، كما يمكن استخلاصها من خلال استعراض عدد من النماذج الرئيسة للتنظيمات الإرهابية الفاعلة على الساحة العراقية. ومن الجدير بالذكر، هنا، أن استعراضنا لهذه النماذج كان انتقائياً بعض الشيء. غير أننا حرصنا، في المقابل، على أن يكون الانتقاء منطلقاً من الحرص على تعميم الفائدة للقارىء من خلال التركيز على محطات أساسية تتعدى صعود نجم هذه التنظيمات إلى بنية وظروف ووقائع أخرى.  

ويرتكز المحور الثاني، بصورة أكثر تحديداً، على التقديرات الأولية للخسائر البشرية على مدى العامين المنصرمين التي تسبب فيه الإرهاب، إضافة إلى استعراض بعض صور الجرائم الإرهابية في العراق التي تقشعر لها أبدان سكان المعمورة، فيما يطلب الإرهابيون المزيد منها.

ويستشرف الفصل الثالث، الآثار السلبية للعمليات الإرهابية التي تستهدف أساساً اغتيال مستقبل العراق الجديد، بما فيها وقف عملية إعادة الإعمار وإلحاق الضرر بالعراق والعراقيين وحرمان الشعب من ممارسة حياته الطبيعية والنهوض بمسؤوليته والتمتع بحقوقه المكتسبة.

 على أن صوغ التوقعات والاستنتاجات سيكون الناتج النهائي للفصل الذي تسجله الخاتمة.

 

المحور الأول

 

مصادر الإرهاب في العراق:

البنى التنظيمية وآليات العمل

 

لا شك أن تحديد هياكل القوى الإرهابية وتنظيماتها الفاعلة على الأرض العراقية تكتنفه صعوبات جمّة، خصوصاً في ضوء التعقيد الذي يحيط بهذه القوى سواء لغياب "واجهة سياسية" معلنة لها أو لعدم وجود قيادات ميدانية معروفة تتبنى مسؤولية العمليات المسلحة وأعمال القتل والخطف والذبح والتفجيرات تطال عواقبها المدنيين الأبرياء. وفي المقابل، تعدد الجهات والحركات والتنظيمات التي تتبنى هذه العمليات، سواء من خلال بياناتها الصادرة في وسائل الإعلام وشبكات الإنترنيت، أو من خلال المعلومات الرسمية الصادرة عن السلطات الأمنية العراقية أو عن القوات متعددة الجنسية.

من هنا، فإن السبيل الأمثل للتصدي إلى آليات الإرهاب في العراق هو دراسة واختبار الهياكل التنظيمية لعينة عشوائية للتنظيمات التي نمت وتكاثرت "كالفطر بعد الشتاء" في الساحة العراقية وبلغت أرقاماً من الصعب التدقيق في صحتها. والحقيقة أن بعض هذه التنظيمات ليست سوى مسميات لمجوعات أو وحدات تظهر وتختفي حسب ما تقتضيه الحاجة أو الظروف، فبعضها اكتفى ببيان واحد ثم اختفى عن الساحة مثل جماعة "مجاهدو صدام" التي تعهدت في بيانها للثأر من مقتل عدي وقصي صدام حسين، وهناك بعض المسميات ظهرت مشابهة لأسماء بعض تشكيلات الجيش العراقي السابق، مثل "سرية حطين – فرقة المدينة المنورة"، وهذا يجد تفسيره، جزئياً على الأقل، في انخراط بعض الضباط العسكريين السابقين في هذه التشكيلات. كما أن هناك تشكيلات تنتسب بأسمائها إلى المناطق التي تنطلق في عملياتها العسكرية منها مثل، "مجاهدو الفلوجة"، و "مجاهدو حديثة"، وأخرى تحمل تسميات مستوحاة من البنى والهياكل التنظيمية الموروثة من النظام السابق كـ "فدائيو صدام" و "جيش القدس" .

غير أن قيادة الجماعات المسلحة في العراق هي، في العموم، من نصيب تنظيمات "المجاهدين" الإسلاميين الذين تضم أطيافهم عناصر محلية من قيادات أمنية واستخباراتية عملت في أجهزة صدام السرية مثل تنظيم "جيش أنصار السنة"، فضلاً عن "مقاتلين" متشددين تسللوا من خارج الحدود، لعل من أبرزها تنظيم "قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين" الذي يتزعمه أبو مصعب الزرقاوي، وجميعها تبدو مصرة على الاستمرار في نهجها الذي يأخذ شكلاً أكثر وضوحاً في أسلوب العمليات الانتحارية ضد المدنيين الأبرياء وقوات الشرطة العراقية بهدف تحويل العراق إلى "إمارة" رديفة لنظيرتها السابقة في أفغانستان.

ففي ظل ما تشهده الساحة العراقية كل يوم من عمليات انتحارية ومن سيارات مفخخة ومن عبوات تزرع في حاويات القمامة وفي جنبات الطرق المزدحمة بالمارة وفي الأسواق الشعبية التي تغص بالمواطنين الأبرياء وفي الفنادق التي يرتادها رجال الأعمال الذين يغامرون في حياتهم وبأموالهم من أجل إنعاش اقتصاد البلاد وفي أماكن تجمع رجال الأمن والشرطة وأفراد القوات المسلحة الذين يسعون إلى العمل من أجل كسب رزقهم ويسهمون في الوقت نفسه في بناء المؤسسة التي من شأنها إحلال الأمن والاستقرار اللذين ينشدهما الشعب العراقي بحرقة وبمرارة، في ظل كل هذا الذي تشهده الساحة العراقية من أساليب قتل جماعي عبثي مدمر، يسعى الإرهابيون، بدم بارد، إلى إدخال البلاد في أتون حرب ضارية لا تستهدف سوى قتل العباد وتخريب البلاد.

ولعلنا لا نجانب الصواب كثيراً إذا ما اعتبرنا أن جناحي الإرهاب في العراق، اليوم، هما تشكيلات حزب البعث المنحل من جهة، والتنظيمات "الجهادية" المحلية منها أو تلك المرتبطة بتنظيم "القاعدة" من جهة أخرى، وكلاهما لا يقدمان سوى أعمال قتل وذبح وتفجيرات في إرهاب مكشوف تطال عواقبه المدنيين الأبرياء، وبرنامجهما الوحيد هو تحويل المسرح العراقي إلى ساحة قتل مجاني.

 

أولاً: تشكيلات الفصائل "البعثية" المسلحة

 

مما لا جدال فيه أن العناصر الموالية للنظام السابق شكلت بالفعل خلايا مسلحة على قاعدة العلاقات العائلية والمهنية، مستندة في ذلك إلى بيئة اجتماعية حاضنة لهذه العناصر، أخذت، بعد بداية عشوائية، بالتشكل شيئاً فشيئاً لتعيد إنتاج الهرمية التي كانت سائدة قبل الحرب. لكن لا يجدر بنا الافتراض أن وحدات الحرس الجمهوري و"جهاز المخابرات العامة" ذابا في "المثلث السني" من أجل مواصلة العمليات العسكرية، ذلك أن هذا "المثلث" كان واحداً من أكثر المناطق العراقية ولاء للنظام، وقناة الولاء كانت، بطبيعة الحال، المؤسسة العسكرية وأجهزة الأمن المختلفة، وهذا "المثلث" أيضاً مركز العشائر الأول. فاللحمة العشائرية مع الانتماء إلى المؤسسة العسكرية وما رافقها من امتيازات سمحت لأهل "المثلث"، نسبياً، بتجاوز المحن التي عاشها العراق كله في العقدين الأخيرين.

ولا ريب فإن التدقيق بهوية سكان مناطق "المثلث" يؤدي، بالضرورة، إلى استنتاجات تكفي لتكوين صورة أكثر تنوعاً في سياق محاولة تفسير ظاهرة اتساع نطاق النشاطات المسلحة في هذه المناطق بالمقارنة مع باقي مناطق العراق.

ولئن تجلى ميل سكان مناطق "المثلث، في الغالب، للانتماء إلى حركات ذات نزعة "عروبية"، من بينها حزب البعث، فإن ذلك يجد تفسيره، جزئياً على الأقل، في أن هؤلاء السكان ارتبطوا تاريخياً بعرى وثيقة مع امتداد البادية السورية. فعشائر آلبو نمر والمحاميد وآلبو عيسى وآلبو خليفة، على سبيل المثال، يمتد نفوذها إلى منطقة الرطبة على الحدود مع سوريا والأردن، وصولاً إلى عمق بادية الشام، الأمر الذي يتيح لأبنائها حرية الحركة في الصحراء، خصوصاً تلك الطرق الصحراوية التي غالباً ما تكون هدفاً لعمليات الخطف والسلب، حيث تنهل الخلايا المسلحة في هذه المناطق من تقاليد الغزوات ودفع الفديات ولكن أيضاً مع أشكال جديدة من العنف والإرهاب.

ومن الواضح أن البطش الذي عهده العراقيون في نظامهم السابق لم يعامل بموجبه سكان هذه المناطق، فنظام صدام حسين كان يستمد قوته من هذه البيئة وبالتالي كان من الصعب عليه أن يمارس قوته في المركز الذي يستمدها منه، فاضطر إلى إقامة معادلة تقضي بمنح زعماء العشائر بعض الامتيازات في مقابل مساهمة هؤلاء بحماية خاصرة العراق الغربية عبر التغاضي عن التحالف بين بعض قادة الأجهزة الأمنية وبين عشائر تلك المنطقة. وكان لافتاً أن النظام تغاضى تماماً عن عمليات التهريب التي شهدتها طرق الصحراء الشاسعة عبر التحايل على نظام النفط مقابل الغذاء باستبدال السلع المقايضة بالنفط، واستبدالها بسيولة نقدية عبر إعادة بيعها من جديد. وكان لضباط الأجهزة الأمنية امتيازاتهم وهباتهم كما كان لرؤساء العشائر مهمة "تصريف" الشحنات النفطية من خلال علاقاتهم التاريخية عبر الحدود مع امتداداتهم العشائرية في الدول المجاورة.[1]

هذا التحالف الضمني الذي أتاح إقامة توازن ما، سيكون بعد سقوط النظام بمثابة "الملاذ الآمن"، ليس لبعض العناصر القيادية في حزب البعث ولمسؤولي الأجهزة الأمنية فقط، بل لعسكريي الجيش العراقي السابق كذلك، خصوصاً أصحاب المراتب العليا الذين وجدوا أنفسهم، بعد قرار حل الجيش والأجهزة والتشكيلات الأمنية والعسكرية التابعة له، عاطلين عن العمل، وشوكتهم مكسورة، مما لم يكن يجرؤ أحد على تخيّله حتى في أضغاث الأحلام.

وليس من المستغرب القول إن هؤلاء المسؤولين الأمنيين والعسكريين السابقين باتوا يشكلون واحدة من الحقائق الثقيلة لعراق ما بعد صدام حسين. فقد وجد هؤلاء أنفسهم، فجأة ومن دون سابق إنذار، أفراداً بعيدين عن مصدر القرار ومحرومين من المنافع والامتيازات التي كانوا يتمتعون بها في ظل النظام السابق، يعيشون على هوامش علاقاتهم العائلية والعشائرية، قضت الظروف بالوجود على رقعة أرض مشتركة، ولم يعرفوا من تقاليد التعايش إلا احتراف الأوامر.

وبحسب بعض التقديرات, فإن نحو 300 ألف من سكان الموصل, وهي ثاني أكبر مدن العراق ويبلغ عدد سكانها نحو مليونين, كان معيلوهم ينتسبون إلى هذه التشكيلات الأمنية والعسكرية، وهؤلاء أيضاً وجدوا أنفسهم على حين غرة عاطلين عن العمل بعد إطاحة صدام وصدور قرار حل القوات المسلحة، وبالتالي كان من المنطقي أن ينتقل بعض هؤلاء إلى صفوف "المقاومة" في الموصل.

هكذا اتسع مسرح "المثلث" للاعبين جدد انتشروا في معظم مناطقه يتميزون بالوجوه السمراء والمنتفخة، المحددة شواربهم الكثيفة بدقة، لكنهم راحوا يتحدثون بأصوات غير معهودة بالعسكر. يقول أحدهم: "أنا ضابط متقاعد في الجيش أسرت في إيران خلال معركة القادسية وبقيت في الأسر عشر سنوات، ثم أفرج عني قبل نحو ثلاث سنوات، وأنا اليوم من دون عمل بعد أن حلّ الجيش ولم أتقاض في الأشهر الستة الفائتة سوى مبلغ مئة دولار، في حين أنا أب لتسعة أطفال إضافة إلى زوجتي". أما الضابط الآخر الذي كان يقف مستمعاً لشكوى زميله، فله قصة مختلفة، فهو مقدم في الجيش لكنه حرم من أي راتب بسبب عضويته في فرقة حزبية إلى جانب عسكريته وهو جزء من عقاب جماعي يتعرض له البعثيون في العراق كله، علماً أنه زوج لامرأتين ولديه من الأبناء عشرة.[2] أما العقيد السابق مزهر العزاوي الذي انضم لجيش العاطلين في بعقوبة، فهو الآخر يشعر بالمرارة والحسرة على "أيام العز" الغابرة حين كان يستمتع بمنصبه العسكري في ظل النظام السابق بكل ما يعنيه ذلك من منافع وامتيازات، فيقول: "كنا نحصل على رواتب مجزية وحوافز سخية، مساكن رخيصة وسيارة، والآن ضاع كل شيء، فقد ولت أيام المنح والسيارات".[3] 

هذه العينات من الضباط المسرّحين الذين باتوا يشعرون بمهانة كبيرة لما آل إليه وضعهم الاجتماعي، هم، في المقابل، مادة جاهزة لاستقطاب "قوى الظل" البعثية الناشطة في هذه المناطق التي تستغل هذه الثغرات وفي حوزتها مبالغ كبيرة من المال تستثمر لإنتاج "مقاومة" وأعمالاً عسكرية مختلفة، مستفيدة من حالة الفراغ الأمني المريع لتجنيد هؤلاء الضباط والاستفادة من خبراتهم المكتسبة.

وتتحدث التقارير الأمنية العراقية في منطقة الأنبار عن عضو القيادة القطرية لحزب البعث فرحان المحمدي وهو من أبناء الفلوجة يقوم بتجنيد الضباط السابقين عبر تقديم إغراءات مادية كبيرة. كما تشير التحقيقات الأمنية مع ابن عم الرئيس العراقي المخلوع عز الدين المجيد، الذي ألقي القبض عليه، إلى أن الأخير كان يستخدم مبالغ تتراوح بين مليارين وسبعة مليارات دولار كان قد سرقها عناصر النظام السابق للاستفادة منها في استقطاب هؤلاء الضباط للاستفادة من خبراتهم المتراكمة في العمليات الإرهابية.[4]

لم يحتكر البعثيون لوحدهم استقطاب هؤلاء الضبط فحسب، بل أن تنظيم "قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين" استقطب كذلك بعضاً من الرموز العسكرية هذه، من بينها رئيس الجهاز الإعلامي في التنظيم "أبو ميسّرة العراقي" والقائد العسكري لعمليات منطقة بغداد الكبرى "أبو الدرداء العراقي"، وهما ضابطان خدما في الجيش العراقي وعملا مع بداية "الحملة الإيمانية" التي أطلقها النظام في مطلع التسعينات على تشكيل "تيار سلفي جهادي" داخل قطاعات الجيش والحرس الجمهوري، كما أشرفا على تدريب "جيش القدس"، وتكوين خلايا من المتطوعين العرب، إضافة طبعاً إلى اللواء السابق في الجيش العراقي عبد داود سليمان الذي يشغل حالياً منصب المستشار العسكري لتنظيم "قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين".

وحسب بعض المصادر العسكرية العراقية، إن "أبو ميسرة و"أبو الدرداء"، هما ضابطان سابقان في الجيش برتبة عقيد، وكانا ضمن الذين دربوا صغار الضباط في الجيش العراقي وجهاز الاستخبارات على أساليب القتال وفنونه المختلفة، وهي التدريبات التي أمر صدام حسين بها على ثلاثة مراحل داخل العراق واستمرت 6 سنوات، درّب خلالها نحو 70 ألف ضابط وضابط صف من نخبة القوات المسلحة العراقية.

وفيما بقي هؤلاء الضباط مشمولين بالحماية العشائرية أولاً وبشبكة العلاقات مع مسؤولين سابقين في الأجهزة الأمنية المختلفة ثانياً، فمن البديهي أن ينخرطوا في صفوف "مقاومة" هي الأحوج لخبراتهم العسكرية المكتسبة، بما فيها القصف بالهاونات وزرع العبوات الناسفة وما إلى ذلك، خصوصاً أن هذه الفئة تمتلك الخبرات القتالية الممزوجة بقدر عال من التدريب والممارسة التي اكتسبتها خلال اشتراكها في الحروب المتتالية التي خاضها النظام السابق. ولم يكن عديم الدلالة ما نقلته وكالة الأنباء الفرنسية عن أحد القياديين في "المقاومة" حين أشار إلى "أن الأكثر عدداً من المجموعات المقاتلة أولئك الذين طردوا من الخدمة العسكرية" لأنهم، حسب اعتقاده "الأفضل تنظيماً ويقفون وراء العمل النوعي، ويتمتعون بقدرة عملياتية كبيرة لا تتوفر لأنواع المقاومة الأخرى، فهناك عمليات تنفذها مجموعات كبيرة منهم تضم ما بين 60 إلى 70 مقاتلاً".

وإذا أضفنا حقيقة أن قنوات التهريب وطرقه وأمواله هي اليوم نفسها قنوات "المقاومين" وطرقهم وأموالهم ومؤيديهم من "المجاهدين" العرب، فيصح القول عندئذ إن بيئة هذه المناطق تشكل "الحاضن الأول" لهؤلاء "المقاومين"، فطرق الصحراء عينها تلك التي طالما سلكوها لأغراض الالتفاف على مقايضة النفط بالغذاء والتسلل عبر الحدود ربما مقايضات وعلاقات مع عشائر أخرى من خارج الحدود. كما يصح الاستنتاج هنا أن "المقاومة" في هذه المناطق أصبحت "نمط حياة" ألفه أصحابها وشكل امتداداً لنشاطات عادية كانوا يؤدونها في السابق، وهم الذين رأوا في "المقاومة" بوابتهم الذهبية للانتقال إلى موقع يحاولون فيه استعادة بعض النفوذ الغابر.

ومن خلال تتبع نشأة وتطور هذا النوع من "المقاومة" يمكن القول إنها بدأت بمجموعات صغيرة من مختلف أجهزة حزب البعث، خصوصاً من المكتب العسكري، ومن عناصر الأجهزة الأمنية وبقايا ضباط الحرس الجمهوري المسرحين، حيث راحت تجمع الأسلحة من معسكرات الجيش المنهار، وتطورت إلى خلايا تقوم بأعمال مسلحة فردية، وتبلورت في هياكل تنظيمات مسلحة بعد اندماجها في خلايا أخرى.

وتبين التقارير الاستخباراتية الأمريكية أن كل خلية تتبع هيكلاً تنظيمياً يقف على رأسه قائدان وأربعة مساعدين، إضافة إلى ثلاثين عضواً آخر، وهذه مقسمة، بدورها، إلى كيانات أصغر حسب طبيعة كل نشاط منها، فهناك متخصصون بتفخيخ السيارات وآخرون قتلة محترفون، إضافة إلى عناصر متخصصة في القيام بهجمات الهاون والصواريخ، وآخرون مختصون في زرع القنابل على جوانب الطرق ونصب الكمائن.[5]

إلا أن التقارير الاستخباراتية هذه تتفاوت في تقديراتها لعدد هذه المجموعات المقاتلة، ففي حين يذهب بعض التقارير إلى التأكيد على أن حجم الأفراد المشاركين في العمليات الإرهابية لا يتعدى 5 آلاف عنصر، تشير تقديرات أخرى إلى أن العدد الحقيقي لهؤلاء الأفراد أكبر بكثير مما كان مقدراً سابقاً، حيث يتجاوز العدد ما يقرب من 20 ألف عنصر يتوزعون على تشكيلات مسلحة[6]، لعل من بين أهمها:

 

( أ ): مجاهدو صدام

 

برزت هذه المجموعة على الساحة العراقية بعد إعلان مسؤوليتها عن هجمات إرهابية في 24 تشرين الأول/أكتوبر 2003. ومقاتلو هذه المجموعة جميعاً من العناصر الموالية لرأس النظام السابق. وما يشاع أن هؤلاء من العناصر البعثية الناشطة الذين أشرف صدام حسين بنفسه على تنظيمهم في إطار وحدات من "النخبة" التي أنشأها في العام 1998 في إطار الاستعداد لمرحلة ما بعد سقوط النظام. وتتكون نواة التنظيم من نحو 3 آلاف ضابط بين سن 20 و 30 سنة ينحدرون، في غالبيتهم العظمى، من مناطق تكريت والموصل وديالى والرمادي، إضافة إلى منطقة الأعظمية في بغداد. وظلّت نواة هذا التنظيم سراً حتى لأجهزة الأمن والعاملين داخل القصر الجمهوري، فيما خضع أفراد هذا التنظيم لتدريبات قاسية شملت صناعة قنابل شديدة الانفجار باستخدام مواد متاحة محلياً، كما تدربوا على استخدام بنادق قناصة بمناظير ليزرية تمّ سحبها من معسكرات الجيش العراقي، كما تمّ لهذا الغرض شراء منازل مدنية تحولت لأوكار سرية في مناطق متفرقة من العاصمة العراقية والمدن الرئيسية الأخرى.

وبالرغم من السرية البالغة التي يحيط تنظيم "مجاهدو صدام" أنفسهم بها، فقد أشيع أن عدداً من الضباط السابقين انخرطوا في صفوفه، لعل من بينهم اللواء الركن محمود عايز نجم حنيش المرسومي واللواء الركن رعد عبد المهدي كريم الجبوري واللواء الركن حمود المحمود حمادي عودة الجنابي واللواء الركن رعد عبد المهدي كريم الجبوري والعميد سامر كامل توفيق الناصري وآخرين غيرهم.

 

( ب ): جيش محمد

 

تشكّلت هذه المجموعة في نيسان/أبريل 2003 عقب سقوط النظام. وبحسب التقارير الصادرة تباعاً عن وزارة الداخلية العراقية، فقد جاء تشكيل "جيش محمد" من بقايا عناصر جهاز الاستخبارات وبعض الضباط العاملين ضمن قوات الحرس الجمهوري المنحل بأمر مباشر من الرئيس المخلوع صدام حسين، ليكون بمثابة "الجناح العسكري" لحزب البعث، حيث يوحي الاسم وكأن المجموعة تعمل تحت راية "الجهاد" الإسلامي.

ولا يعرف، بالضبط، عدد عناصر هذه المجموعة، إلا أن البعض يقدرها بنحو 5 آلاف عنصر جميعهم ينتشرون في مناطق "المثلث"، يخضعون لقيادة من 6 أشخاص جميعهم عراقيون. ويقال أن معسكرات تدريب هذه العناصر تقع في منطقة بعقوبة وجوارها. وتنتشر خلايا "جيش محمد" في العاصمة بغداد ومدينتي الرمادي والموصل، كما أن ساحة عملياتها تمتد بين مطار بغداد وقاعدة الحبانية الجوية، وهي مسلحة بصواريخ "سام 7" المضادة للطائرات.[7]

وفي 15 تشرين الثاني/نوفمبر 2004 ألقت السلطات الأمنية العراقية القبض على أحد قادة "جيش محمد" المدعو مؤيد ياسين أحمد الملقب بـ "أبو أحمد" وهو أحد الضباط السابقين في قوات الدفاع الجوي العراقي التابعة لقوات الحرس الجمهوري المنحل. وبحسب مصادر وزارة الداخلية العراقية، فإن أحمد قام، في وقت سابق، بزيارة إلى سوريا التقى فيها محمد يونس الأحمد الوزير السابق وعضو القيادة القطرية لحزب البعث العراقي للتنسيق فيما بينهما "لمواصلة العمل في التخريب والقيام بعدد من العمليات التخريبية التي نجم عنها قتل العديد من الأبرياء من أجهزة الشرطة والجيش، إضافة إلى قتل العديد من المدنيين".[8]

 

( ج ): فدائيو صدام

 

من المعروف أن تأسيس هذه المليشيا شديدة الفتك كان في العام 1995 بمبادرة من عدي الابن الأكبر لصدام حسين أسبغ عليها هذا الاسم كقوة قمع حسنة التدريب، طويلة اليد، متفوقة التجهيز العسكري، تضرب بسرعة وبصورة موجعة كل أشكال المعارضة الممكنة، إن جاءت من ضمن المؤسسة العسكرية بصورة مشروع انقلاب أو من خلال المجتمع الأهلي بصورة تمرد أو عصيان.

وبعد الإطاحة بنظام صدام حسين في نيسان/أبريل 2003، انتشر العديد من أفراد هذه المليشيا في أماكن متفرقة من العراق، وخصوصاً في محيط العاصمة العراقية وفي مناطق غرب العراق. وفي بداية نشاطها، لجأت عناصر من هذه المليشيا إلى تشكيل عصابات مسلحة لإرهاب المواطنين وللقيام ببعض أعمال السرقة والسلب. إلا أن أفراداً آخرين من هذه المليشيا انخرطوا في تشكيل مجموعات مدربة تدريباً كافياً لشن "حرب عصابات"، ومرتبطة تنظيمياً بالمقدم فارس عبد الغني الناصري، ابن عم عدي، قامت بتنفيذ بعض العمليات التخريبية تحمل بصمات "فدائيو صدام"، حسب مصادر عسكرية واستخباراتية عراقية مطلعة، لأن طبيعتها تحمل طابع التدريبات التي تلقاها عدد من عناصر هذا التنظيم خلال وجودهم في معسكرات التدريب خصوصاً المتعلقة منها بالتفجيرات وزرع الألغام الأرضية ومهاجمة الدروع من خلال الاستعانة بمجموعات صغيرة، كما كان يحدث خلال عمليات التدريب.[9]

لكن هذا التنظيم ظل "وكراً" للعديد من قادته السابقين، من بينهم على سبيل المثال للحصر الفريق الركن على عبد محمود على اللهيبي، واللواء الركن عوين جمعة التكريتي، واللواء الركن مكي مصطفى، واللواء الركن جاسم حسن علي صالح الدليمي، واللواء الركن صدر هاشم حسن لطيف الراوي، واللواء الركن رياض عبد أحمد التكريتي، وآخرين غيرهم. 

 

( د ): قيادة قوات المقاومة والتحرير في العراق

 

يتبين للمتابع الحصيف للبيانات التي تصدرها هذه المجموعة أن خطابها في الإجمال بعثي، ولكنه ممزوج بنكهة إسلامية. وفي الحقيقة، تظل هذه المجموعة الأكثر تميزاً من نظيراتها، سواء من زاوية الفعل الإعلامي أو من زاوية العمليات الإرهابية التي تنفذها.

وتشير تقارير استخباراتية عراقية أن هذه المجموعة تتألف أساساً من عناصر "جهاز المخابرات العامة" ومن أعضاء سابقين في الحرس الجمهوري الخاص، إضافة إلى عدد من الضباط السابقين في "فرع العمليات الخاصة بمكافحة الإرهاب"، وان هذه العناصر خططت للقيام بما يمكن أن يطلق عليه بـ "حرب العصابات" حتى قبل انهيار النظام البعثي في بغداد.

وتستند هذه التقارير على التحقيقات التي أجريت مع بعض المعتقلين من هذه المجموعة، إضافة إلى الوثائق التي تم العثور عليها في أماكن متفرقة من البلاد، حيث تبين أن هناك هيكلية قيادية محترفة لقيادة حرب العصابات والشوارع ولتخطيط وتنفيذ الهجمات في كل أرجاء العراق.

وتشير التقارير ذاتها إلى أن لدى هذه المجموعة خبرة في تصميم الأحزمة المعبأة بالمتفجرات لتستخدمها العناصر الانتحارية في شن الهجمات، إضافة إلى تدريب العناصر الإرهابية على استخدام المتفجرات والأسلحة الخفيفة وأعمال الخطف والاغتيالات والتفجيرات.[10]

وبالرغم من الضربات التي تلقتها هذه المجموعة على أيدي القوى الأمنية العراقية وقوات التحالف، إلا أن النواة المركزية ما تزال فاعلة، خصوصاً في مناطق "المثلث"، حيث يشاع أن هناك تقسيم عمل بين قيادتها تتيح لها بعض المرونة في اتخاذ القرار، سواء لجهة تمويل العمليات الإرهابية أو لجهة تسهيل دخول الإرهابيين الأجانب وتقديم الدعم المالي واللوجستي لهم. ومن بين هؤلاء الذين يشكلون قمة الهرم اللواء السابق في الحرس الجمهوري خليل أحمد علي الويس ومهدي ناصر العبيدي ومحمد يونس ورمضان زيدان الجبوري وياسر سبعاوي إبراهيم الحسن ومثنى شهاب أحمد الدوري (ابن أخت عزت إبراهيم الدوري) وهاشم حسين رضوان الجبوري ومحمد رجب الناصر وحامد إسماعيل درويش المعروف أيضاً باسم (أبو أمجد)، وهو أحد كبار الضباط في فرقة نبوخذ نصر التابعة لقوات الحرس الجمهوري السابق، ومن المتخصصين بتنفيذ هجمات بالعبوات الناسفة ضد البنى التحتية العراقية.

 

( هـ ): حزب العودة

 

على الرغم من المعلومات الشحيحة المتوافرة عن حزب العودة، فإن الاسم يوحي بمحاولة إعادة تنظيم خلايا سرية تابعة لحزب البعث بغية السعي من جديد إلى الإمساك بالسلطة الضائعة. إلا أنه مع ذلك لا يعرف له وجود في الساحة العراقية سوى من خلال البيانات التي يوزعها في الشارع والتي لا يبيّن فيها الحزب برنامجه السياسي أو توجهاته الفكرية ما عدا التحريض لشن هجمات على قوات التحالف.

ومهما يكن من أمر، فإن هذه الجماعة التي تتمركز قيادتها في الموصل ويقودها محمد الصميدعي، أحد قيادات حزب البعث في المدينة الشمالية، تتكون أساساً من العناصر السابقة من الأجهزة الأمنية، إضافة إلى عدد من العسكريين والبعثيين هم، في الإجمال، من الكوادر البعثية الوسطى، تم تنظيمهم في خلايا منتشرة في بغداد والموصل وتكريت والفلوجة والرمادي.

لكن اعتقال أمين سر حزب البعث في بلدة الحويجة مؤخراً وهو العميد الركن السابق مجيد الحميد المعروف بـ (أبو أزهار) من قبل الأجهزة الأمنية العراقية أماط اللثام عن بعض المعلومات المتعلقة بهذا الحزب، من بينها أن جناحه العسكري يضم أفضل المقاتلين في الجيش العراقي المنحل وأرفعهم تدريباً وأحسنهم تجهيزاً، وبالأخص القوات الخاصة، ويتألفون من ضباط سابقين يمتلكون كميات كبيرة من المال ويمنحون 500 دولار نقداً لأي عراقي يرغب في الانضمام إلى التنظيم. كما كشفت المعلومات الأمنية أن العديد من قيادات هذا التنظيم موجودون في سوريا، من بينهم عضو القيادة القطرية لحزب البعث محمد يونس الأحمد، وزميله الآخر عضو القيادة القطرية والمسؤول السابق عن تنظيمات البعث في محافظة ديالى عبد الباقي عبد الكريم عبد الله السعدون، حيث خصصت الحكومة مبلغ مليون دولار لمن يدلي بمعلومات تقود إلى إلقاء القبض عليهما.[11] إضافة إلى النائب السابق لمدير الاستخبارات العسكرية حسيب الرفاعي الذي تعتبره المصادر الاستخباراتية العراقية أحد مهندسي العمليات الإرهابية في العراق.

وتشير المعلومات الأمنية إلى أن الرجلين، قاما بإعادة تشكيل الشبكات الإرهابية تحت اسم "حزب العودة" ومن بينها مجموعة كريم عباس ساري التي ألقت الشرطة العراقية القبض عليه، وهو قائد مجموعة مسلحة مسؤولة عن شن عدد من الهجمات على البنى التحتية النفطية في كركوك، بما فيها هجمات على الآبار النفطية وعلى المصافي وتفجير خط الأنابيب الناقل للنفط إلى تركيا، وأن ساري يتلقى الأوامر من محمد يونس الأحمد مباشرة.

كما كشفت المعلومات الأمنية أحد أقارب الرئيس العراقي المخلوع المدعو بشير مطر التكريتي الذي يعد بمثابة "عضو ارتباط" للتنظيم في مدينة الشرقاط، القريبة من الموصل، ويقوم بتمويل الإرهابيين وتجهيزهم بالسلاح. كما أن أحد قادة المكتب العسكري لحزب البعث في بغداد، فاضل إبراهيم محمد المشهداني، هو مسؤول، أيضاً، عن تنسيق وتمويل هجمات إرهابية وإنه يعمل بمنزلة "حلقة وصل" بين قادة حزب البعث المختبئين في سوريا والإرهابيين في داخل العراق، إضافة أحمد حسن كاكا العبيدي، أحد أركان النظام المخلوع، والذي كان مسؤولاً عن تنظيمات البعث المنحل في محافظة كركوك وأحد الأعضاء البارزين في تنظيمات ما يسمى بـ (فدائيو صدام)"، حيث بذل العبيدي جهداً دائبا لمحاولة إعادة تشكيل فلول البعث بعد سقوط النظام المباد، وقام من أجل ذلك بالسفر مرارا إلى سوريا من أجل التخطيط للهجمات والحصول على التمويل والأسلحة من خلال اجتماعاته مع أعضاء النظام السابق الهاربين مثل محمد يونس الأحمد الذي يستخدم الأراضي السورية كـ "ملاذ آمن" للتخطيط والقيام بالعمليات الإرهابية بشكل مباشر". كما قام العبيدي يقوم بتجنيد عناصر من حزب البعث المنحل ومن السلفيين "الجهاديين" وتوجيههم للقيام بعمليات إرهابية ضد المدنيين العراقيين والقوات الأمنية العراقية في المناطق الشمالية وخاصة في محافظتي كركوك والموصل، إضافة إلى تواطئه مع مجاميع إرهابية من أمثال " فدائيو صدام"، فضلا عن كونه المشتبه الأساسي وراء هجمات القناصين التي تستهدف ضباط الشرطة، وقيامه بتمويل العمليات التخريبية التي تستهدف أنابيب النفط في مناطق كركوك.

 

( و ): الجبهة الوطنية لتحرير العراق

 

تشير المعلومات المستندة إلى تقارير أمنية عراقية أن الإعلان عن ولادة هذه الجبهة جاء حصيلة سلسلة من الاتصالات المكثفة بين ممثلين ميدانيين لاثني عشر تنظيماً مسلحاً من فلول النظام السابق. وفيما لا يعرف الكثير عن القوة الحقيقية لهذه الجبهة، فإنه من المؤكد أن بضع مئات على الأقل من بين أعضائها هم من بعض ضباط الحرس الجمهوري المسرحين، إضافة إلى بعض المسؤولين السابقين في تنظيمات حزب البعث المنحل، وهو ما يمكن استنتاجه من مفردات البيان الذي أصدرته الجبهة غداة الإعلان عن تأسيسها، حيث أكد البيان على أن الجبهة "ستعمل تحت راية الله أكبر"، مطالباً الشعوب العربية بأن "تشد أزرنا، لأن الجرح واحد والمعركة واحدة والعدو واحد"، وهي كناية على التمسك بشعارات النظام السابق الذي ظل يردد باستمرار مثل هذه المقولات.

ووفقاً لمعلومات استخباراتية عراقية وأوروبية متطابقة، أن عدداً من أبناء عمومة الرئيس المخلوع صدام حسين، بعضهم يقيم في كل من سوريا وأوروبا، هم الذين وقفوا وراء تشكيل هذه الجبهة ويقومون بتقديم الدعم اللوجستي لها، بما فيها عمليات تهريب الأسلحة والأفراد والمال إلى داخل العراق لدعم العمليات الإرهابية هناك.

وتشير هذه المعلومات إلى أن "الجبهة الوطنية لتحرير العراق" يقودها ثلاثة على الأقل من أبناء عمومة صدام من أسرة المجيد، الذين يعيشون في سوريا وأوروبا، طبقا لما ذكرته هذه المعلومات. ومن بين الشخصيات الرئيسية، فاتك سليمان المجيد، وهو من أبناء عمومة صدام وضابط سابق في قوات الأمن الخاصة هرب من العراق إلى سوريا في ربيع 2003 وربما لا يزال يعيش هناك.

وقد تبلورت وجهة النظر القائلة أن أبناء عمومته يساعدون على تمويل هذه الجبهة انطلاقاً من حقيقة أن تلك المعلومات معتمدة، جزئيا، على شكوك في تحركات أخيرة للأموال والبضائع، بما في ذلك نقل مبالغ نقدية إلى سوريا، اكتشفتها أجهزة الاستخبارات المركزية الأمريكية.

وأوضحت المعلومات الاستخباراتية أن فاتك المجيد الذي يعتقد انه في الثلاثينات من عمره ويوصف بأنه «رجل التمويل الرئيسي» في العمليات، يعيش في سوريا بعلم من السلطات السورية. وبالإضافة إلى كونه من أبناء عمومة صدام فهو شقيق زوجة قصي صدام حسين وهو ابن شقيق علي حسن المجيد المعروف أيضاً باسم "علي الكيماوي". وأشارت هذه المعلومات إلى أن فاتك المجيد، الذي لم يكن ضمن أي قائمة أمريكية للمطلوبين،  قد نقل كميات كبيرة من الأموال إلى سوريا، وربما كان متورطا في شراء أسلحة ومساعدة المقاتلين الأجانب على التسلل إلى داخل الأراضي العراقية.

أما الشخص الآخر من أفراد أسرة المجيد، فهو عز الدين الذي وصفته التقارير الاستخباراتية بأنه كان قبل اعتقاله من قبل السلطات العراقية " ممولاً للعديد من التنظيمات المسلحة، بما فيها الجبهة الوطنية لتحرير العراق". وقد أكد مسؤولون أمريكيون أن التقارير الاستخباراتية احتوت على معلومات تربط عز الدين المجيد وفاتك المجيد وشخصية أخرى على الأقل من الأسرة، بالإضافة إلى عدد من المساعدين بعمليات دعم التنظيمات البعثية المقاتلة في العراق. وحدد المسؤولون الأمريكيون الشخصية الثالثة باسم عز الدين المجيد التكريتي وهو من أبناء عمومة حسين كامل، وقالوا إنه يملك مطبعة وله علاقات بالسوق السوداء. وتضيف تلك المعلومات بعدا جديدا لصورة باتت أكثر وضوحاً من ذي قبل للعناصر المنخرطة في هذه الجبهة، بل أخذت تتبلور في الآونة الأخيرة لتلقي الضوء على تركيبة هذه الجبهة التي تضم مجموعة عريضة من الضباط العسكريين والاستخباريين السابقين.[12]

كما أن هناك معلومات استخبارية محددة حول القيادة والسيطرة لهذه الجبهة. وأوضحت أن الجهود الهادفة إلى الكشف عن مسارات التمويل والتسليح قادت إلى "عدة دول، والعديد من الأفراد، الذين يمولون هذه الجبهة". فبالإضافة إلى أسرة المجيد، يبدو أن بعض رجال الأعمال والأصدقاء المقربين يشاركون، أيضاً، في تمويل العمليات المسلحة لهذه الجبهة.

 

( ز ): كتائب الفاروق

 

يعتقد على نطاق واسع أن "كتائب الفاروق" التي أعلن عن تأسيسها في حزيران/يونيو 2003 هي مزيج من عناصر "جهادية" إسلامية ومن بقايا الأجهزة الأمنية والعسكرية للنظام السابق. ويمكن للمرء أن يصل إلى استنتاج مفاده أن "كتائب الفاروق" تضم في صفوفها عناصر "جهادية" غير عراقية أيضاً.

وبالرغم من أن أدبياتها ونشراتها توحي للقارىء أنها تقتصر في عملياتها العسكرية على استهداف القوات الأمريكية في مناطق مثل الرمادي والفلوجة، إلا أن الاعترافات التي أدلى بها بعض عناصر "كتائب الفاروق" الذين ألقي القبض عليهم مؤخراً، تشير إلى مسؤولية "كتائب الفاروق" على ذبح الناس على الهوية، على امتداد الطريق بين اللطيفية والحصوة والإسكندرية والمحاويل، وهم المسؤولون عن مقتل العديد من رجال الدين وقاصدي العتبات المقدسة في النجف وكربلاء في محاولة لإشعال نار الفتنة الطائفية، وجلب الانتباه إلى مناطق أخرى بعيداً عن مناطق "المثلث السني" الأخرى التي تعدها القوات متعددة الجنسيات والحكومة العراقية مركزاً لتصدير"التمرد المسلح" وبؤرة لتوزيع الإرهاب الوافد من خارج العراق.

وفي هذا الصدد، أكدت بعض قيادات "كتائب الفاروق" في اللطيفية أنها نفذت مذابح في حق مسافرين أبرياء في المنطقة التي أطلقت عليها تسمية "مثلث الموت"، وإنها على استعداد دائم لتنفيذ المزيد، وإن عناصرها هم الذين رفعوا ثلاث لافتات على الطريق العام عند مدخل المدينة، يحذرون علناً سكان مدينة الحلة من سلوك هذا الطريق والمرور بمنطقة اللطيفية.

كما أفادت مصادر استخباراتية عراقية أن كتائب الفاروق تتلقى دعماً مالياً ولوجستياً من عناصر بعثية مقيمة في الخارج، وأنها تنسق هجماتها مع قيادة قوات المقاومة والتحرير في العراق.

ثانياً: "إسلاميو" العراق و "مجاهدو" الخارج

يخطىء من يعتقد أن بروز "الإسلام الجهادي" في العراق إلى واجهة الأحداث كان حصيلة لسقوط النظام السابق، بل يعود بروزه إلى الساحة منذ منتصف السبعينات، وهو التيار الذي انبثق مما يمكن تسميته "عودة الروح" للحركات ذات المشروع السياسي القائم على فرض الإسلام وشرعيته كمنهج سياسي – اجتماعي مركزي. 

ففي الوسط السني العراقي، دخلت بصورة متتالية أفكار الأصوليين لاسيما أبو الأعلى المودودي وقادة الأخوان المسلمين في مصر وحزب التحرير الإسلامي. ويمكن للمرء أن يجد امتداداً لها في الأفكار والتنظيمات في مناطق "المثلث السني"، بل يمكن القول إن الولاء لحزب البعث لم يكن سوى ديكور هش لواقع أعقد، ملأت فراغاته أفكار وانتماءات أخرى لم تعلن عداءها للبعث ولا غربتها عنه: إنه التحول من التدين التقليدي إلى الإسلام "الجهادي" الذي أتاحه سقوط النظام في بيئة مؤيدة لهذا النظام ولكنها في الوقت نفسه جاهزة تماماً للابتعاد عنه.

هذان النقيضان الظاهريان، أي تأييد النظام والابتعاد عنه في آن معاً، لم يكونا، على أي حال، ابنا اللحظة الراهنة، ذلك أن مناطق كالفلوجة والرمادي وغيرها من مناطق "المثلث" حصلت فيها اختراقات طفيفة شكلت في ما بعد نواة التحول الذي تشهده هذه المناطق اليوم. في هذا السياق حددت صحافية من مدينة الفلوجة مرحلة التسعينات باعتبارها بداية لتشكل مجموعات إسلامية لم يسبق أن عرفتها المدينة، فبدأت لحى طويلة وملابس شرعية، ومجموعات سلفية قامت ذات مرة بشراء مجموعة أجهزة تلفزيونية وحطمتها أمام حشد من الناس في أحد شوارع المدينة، مما اضطر النظام، في عزّ "الحملة الإيمانية"، إلى إقفال أحد المساجد لإيوائه عناصر تنتمي إلى هذه المجموعات المتشددة. لكن النظام سعى، من جهة أخرى، إلى محاولة كسب عطف هذه المجموعات من خلال "الحملة الإيمانية" التي أطلقها في مطلع التسعينات، حيث بادر إلى بناء المساجد العملاقة وإلى ترميم المساجد القديم، وأضاف عبارة "ألله أكبر" إلى العلم العراقي.

لقد بدا من الواضح بالنسبة للنظام السابق أن سياسة العنف التي كانت إحدى أعمدة حكمه لم تمارس بالصورة المعهودة ضد هذه المجموعات بالمقارنة مع مناطق أخرى من العراق، لأن النظام كان ضعيفاً إلى حد ما في مناطق "المثلث"، خصوصاً الفلوجة والأنبار، لأنه كان يستمد قوته من هذه المناطق، وبالتالي كان من الصعب عليه أن يمارس بطشه فيها، فاضطر إلى إقامة نوع من التوازن أتاح هامشاً واسعاً للجماعات الإسلامية الحركية من اختراقه على الرغم من حال المراقبة الدائمة التي كانت الأجهزة الأمنية للنظام تخضعهم، باستمرار، إليها.

وجوه هذه الجماعات ولحاها كانت تفصح، بصورة جلية، عمّا كان يعتمل في الرؤوس، إنه عالم السلفيين "الجهاديين" الذي كان آخذاً بالاتساع في هذه المناطق، على الرغم من الخبرات الكبيرة التي أظهرتها الأجهزة الأمنية التابعة للنظام في مجال ملاحقة هذه الجماعات وضبطها، لكنها مع ذلك أحدثت اختراقات كبيرة في صفوف هذه الجماعات، الأمر الذي مكّن الطرفين من إجادة لعبة الرسائل المتبادلة ومن إيجاد مساحة انكشاف مشتركة يستفيد كلاهما منها، مع غلبة الفائدة التي تجنيها الأجهزة الأمنية طبعاً بفعل تغلغلها وضبطها حدود اللعبة.

إلا أن متابعي التيار السلفي "الجهادي" في هذه المناطق يجمعون على أن المساجد كانت عقدة أساسية في بنيانه. ولهذا الارتباط صورة مختلفة، من بينها اعتماده على مجموعة متنوعة من الروافد الفكرية، لعل أهمها توظيف مقولات ابن تيمية ومدرسته المتمثلة في بعض ميراث شيوخ الدعوة الوهابية، كما كان هناك تأثراً واضحاً في مدرسة سيد قطب المتمثلة في "جماعة الجهاد" المصرية، وهناك كذلك "التكفيريون" من أمثال أبو محمد المقدسي (عصام محمد طاهر البرقاوي) وأبو بصير الطرطوسي ( عبد المنعم مصطفى حليمه)، وبالتالي كان معين هذا التيار مزيجاً من أكثر الأفكار السلفية تطرفاً.

وفي مطلع التسعينات، شهدت العراق تبدلات كبيرة، خصوصاً إثر هزيمة الجيش العراقي بعد احتلال النظام السابق للكويت في العام 1991، بما تمثله من فشل جديد يضاف إلى قائمة طويلة من مغامرات النظام السابق الفاشلة، وما تولد عنه من خيبات وإحباطات أدت إلى لجوء الكثيرين للمساجد باعتبارها باب الخلاص المنشود لانتشالهم من حال الإحباط الذي بات يكتنف تفاصيل حياتهم اليومية، فتغذت السلفية "الجهادية" من معين جديد.

وترسم شخصية علي جاسم محمد المشهداني العضو الناشط في تنظيم "جيش أنصار السنة" في الموصل صورة معبّرة عن التحول الذي طرأ، ولو بصورة بطيئة، على بعض الجماعات العراقية في الانخراط بعالم السلفية " الجهادية". ففي الثمانينات كان علي في عداد الجنود الذين قاتلوا في الصفوف الأمامية في الحرب العراقية – الإيرانية، وانضم بعد ذلك إلى قوات "الحرس الخاص"، لكنه في مطلع التسعينات شعر بخيبة الأمل من حزب البعث الحاكم، وبدا حينها يتردد كثيراً على أحد المساجد في منطقة حمام العليل ويقضي معظم وقته هناك. وبسبب هذه التوجهات الدينية، طرد علي من الخدمة العسكرية، لكنه في المقابل أصبح عضواً في جماعة "أنصار الإسلام"، وتحول لاحقاً إلى تنظيم "جيش أنصار السنة"، حيث تشير التقارير الأمنية أن علي أحد المسؤولين عن العملية الإرهابية التي وقعت في كانون الأول/ديسمبر 2004 في قاعدة أمريكية بالقرب من الموصل وراح ضحيتها 22 جندياً أمريكياً.[13]  

وليس بالمستغرب أن يوفر غياب النظام واختفاء مؤسساته الأمنية ظروفاً يمكن على أساسها أن نؤرخ لبداية إعلان التيار السلفي الجهاد عن نفسه، والذي يتصدر ناشطوه الإرهاب في العراق اليوم، من بينهم الشيخ عبد الله الجنابي الذي برز إلى واجهة الأحداث كأحد أمراء "إمارة الفلوجة" على خلفية المواجهات التي شهدتها المدينة مع القوات الأمريكية في ربيع 2004.

وبالفعل، فقد بدا الشيخ الجنابي زعيماً مطلقاً لـ "المجاهدين" الذين ضمت أطيافهم متشددين إسلاميين، بعضهم كان التحق بتنظيم "أنصار الإسلام" في الشمال وعاد إلى المدينة بعد سقوط نظام صدام حسين، وعناصر من قيادات أمنية واستخباراتية عملت في الأجهزة السرية للنظام السابق، مثل عمر حديد الذي كان يشغل مرتبة متقدمة في الحرس الخاص للرئيس العراقي السابق قبل أن يلتحق بتنظيم "القاعدة" ويتدرب في قواعده في أفغانستان،  فضلاً عن قيادات عسكرية وبعثية.

أكثر من ذلك، وسّع الشيخ عبد الله الجنابي منطقة نفوذه إلى اللطيفية وتحويلها "إمارة" رديفة لنظيرتها في الفلوجة، مستنداً، في الأساس، على أبناء عشيرته المتوزعين إلى الجنوب من اللطيفية وتحديداً في بلدات الإسكندرية والحصوة والمسيب وجرف الصخر التي تحولت إلى مراكز متقدمة لهجمات إرهابية مسلحة ضد قوات الشرطة العراقية وإلى فخ قاتل وقع فيه الكثير من المدنيين الأبرياء كما ابتلع المئات من المسافرين خصوصاً على الطريق الرئيسي الذي يصل بين العاصمة بغداد ومحافظات الفرات الأوسط، ما عرف لاحقاً بـ "مثلث الموت".[14]

ويبدو واضحاً أيضاً أن السلفية "الجهادية" العراقية اختارت المسجد كمكان هو الأرسخ من غيره في استقطاب المناصرين لدعوى "الجهاد"، وكمصنع لتفريخ "المجاهدين". ففي مدينة الفلوجة، مثلاً، يصعب على أي إمام مسجد هناك أن يلقي خطبة لا تتضمن الدعوة إلى الجهاد، فالناس يطالبون بإلحاح بالحض على "الجهاد".

ولئن كانت السلفية "الجهادية" تطل برأسها في هذه المناطق التي ساهم واقعها الاجتماعي والسياسي في إنتاج هذا النوع من التيارات العنفية،  فإنها كانت، أيضاً، البيئة الحاضنة لـ "المجاهدين" العرب من أنصار التيارات السلفية الجهادية، أمثال تنظيم "قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين" الذي يتزعمــه الإرهابي الأردني أحمد فضيل الخلايلة المعروف بـ" أبو مصعب الزرقاوي"، و "كتائب المجاهدين" و "الجماعة السلفية الجهادية"، وجميعها تيارات "جهادية" تسللت إلى داخل الأراضي العراقية سواء ضمن ما عرف حينها بـ "الدروع البشرية" لقتال القوات الأمريكية في أثناء المعارك التي كانت تدور رحاها قبل انهيار النظام السابق أو ضمن أفواج "الأفغان العرب" بتوجيه مباشر من تنظيم "القاعدة"، لكي تتحول مناطق مثل الفلوجة والرمادي وبعقوبة وبلد والموصل وتكريت عواصم "الجهاد". إنها البيئة الأهلية الأكثر تجانساً في عملية هضمها للوافدين الجدد، حتى وإن أظهرت في بعض الأحيان معارضة لهم.

بدا الأمر إذا صحت الرواية، وهي في الغالب صحيحة، لقاء مبكراً بين مجاهدين "مهاجرين" وبين آخرين "أنصار" في هذه البيئة، بما في ذلك عناصر من حزب البعث، في استحضار لا يخلو من مغزى للفجر الإسلامي الأول، أو بلغة أكثر حداثة، بين القضايا الاستراتيجية الكبرى والعمل التكتيكي المباشر الذي يعالج الوضع العراقي المعقد بالسكاكين والقنابل البشرية. وعاشت الشراكة هذه في حضن شراكة أوسع يتخلل كل واحد من ثناياها ذاك اللقاء بين الشيطاني والرباني، فـ "الأنصار" قدموا المال والمكان وجسر العبور، فيما تبرع "المهاجرون" بالعقيدة "الجهادية".

ومن المسائل التي تحتاج بعض التمعن، في هذا المضمار، هي الطبعة الجديدة لحزب البعث، حيث أن "الصحوة السلفية" ميزت السنوات الأخيرة من حكم صدام حسين بتشجيع مباشر منه شخصياً. لكن غيابه عن المسرح العراقي ترك بصمات واضحة للخطاب الديني الفائق المميز لبيانات "جهاز الإعلام و النشر" و بيانات "القيادة القطرية" لحزب البعث التي تجعلنا نتساءل عن الحدود التي تفصل حزب البعث "العلماني" عن الفصائل السنية السلفية "الجهادية". ففي حين يصرح "القاعديون" و خاصة "جماعة التوحيد و الجهاد" بتكفير صدام حسين و النظام البعثي السابق، فإن الفصائل السلفية الأخرى تتجنب مهاجمة القيادة البعثية، لكن ذلك لا يعني بالضرورة التحالف بين الطرفين. فبيانات البعث التي تؤكد على قيادته للمقاومة تشير إلى نوع من تشوش العلاقة بينهما: فبالرغم من تجنب الفصائل السنية "المعتدلة" في "المقاومة العراقية" مهاجمة حزب البعث ورموزه، فإن ذلك لا يعني أنها جزء منه و أنها تأتمر بقيادته فهي تصر، على أي حال، على التميز من خلال عناوين سياسية وعسكرية خاصة بها.[15] 

ولكن، ما هي الخطوط العامة لتوجهات هؤلاء "المهاجرين" الذين يغذون يومياً ما يطلق عليه "الجهاد في العراق" ؟ 

ربما نجد بعض ملامح الإجابة لدى رئيس "للجنة الشرعية لجماعة التوحيد والجهاد" عمر يوسف جمعه الملقب بـ (أبو أنس الشامي)، ليس باعتباره شخصاً مقرباً من (أبو مصعب الزرقاوي) فحسب، بل لأنه، ربما الوحيد بين أقرانه، يمتلك موهبة الكتابة أيضاً. ولئن لا يعرف الكثير عن شخصه، إلا أن التدقيق المتأني في قراءة بعض كتاباته والاستماع للبعض الآخر من تسجيلاته الصوتية قبل مقتله في أيلول/سبتمبر 2004 في الفلوجة تتيحان ما يكفي لتقصي برنامج "جماعة التوحيد والجهاد" ورؤيتها.

كان أبو أنس الشامي تلقى تكوينه الفكري، فقهياً ومذهبياً، في الكويت، قبل أن تنقلب الساحة العراقية إلى "ساحة جهاد" بزمن طويل، وكان متأثراً على ما تشير إليه بعض كتاباته اللاحقة بمجموعة سلفية "جهادية" بزعامة الشيخ محمد بن سرور زين العابدين. ويشير الشامي، في هذا الخصوص، إلى أن أول ما دفعه للارتباط الروحي بهذه الجماعة تأثره الكبير، في ظل أجواء حرب الخليج الأولى، بمحتويات المجلة الفصلية التي كانت لسان حال الجماعة وهي مجلة "السنة" التي تصدر عن مركز الدراسات الإسلامية ببرمنغهام في بريطانيا، ولكنه سرعان ما انتقد هذه الجماعة بشدة في الأشهر الأخيرة قبل مقتله لأسباب تتعلق، أساساً، بقراءتها للوضع العراقي وتحديداً لدعمها "هيئة علماء المسلمين في العراق".[16]

وقبل انضمامه إلى تنظيم (أبو مصعب الزرقاوي)، تأثر الشامي بمرشد التيار "الجهادي" في الأردن الشيخ أبو محمد المقدسي (عصام محمد طاهر البرقاوي) الذي لعب دوراً مركزياً في تقوية عضد الحركة السلفية "الجهادية" بالأردن، ويعدّ كذلك بمثابة "الأب الروحي" للزرقاوي نفسه. ولعل أكثر ما تأثر الشامي به من بين مؤلفات أبو محمد المقدسي كتاب "ملة إبراهيم" الذي يعدّ شبيهاً إلى حد كبير بكتاب سيد قطب "معالم في الطريق" في مستوى تأثيره وصياغته لإيديولوجيا "السلفية الجهادية". ويقوم الكتاب على فكرة بسيط مؤداها الأخذ بنص الآية الكريمة: "وقد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنّا براء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده". وهذا الأخذ و"التأسي" يتمثل بالكفر بـ "الطاغوت" والبراءة منه. 

إلا أن لأبي أنس الشامي مصدرين أساسيين آخرين تمكن من خلالهما الإطلالة على تفكير الجماعة و طموحاتها في سياق علاقتها بالوضع العراقي: أولهما "مذكرات مجاهد في الفلوجة"وهي متداولة عبر المواقع الالكترونية سواء بصوته مباشرة أو على شكل ورقة ويرجح أنها منشورة في نيسان/أبريل 2004؛ وثانيهما تسجيل صوتي بعنوان "الرد على شبهات حول