![]() |
الجزء الأول
كيف ينظرون إلى تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر
د. شاكر النابلسي*
1- النكبات الكبرى والكوارث
الفظيعة مجال كبير ومناسبة عظيمة لكي تجلس الأمم مع أنفسها وتحاسب وتنتقد ذاتها،
وتتبين ما كسبت وماذا ربحت من تلك النكبة أو من هذه الكارثة. ولقد كانت كارثة
الحادي عشر من سبتمبر 2001 قبل خمس سنوات، مناسبة للأمة العربية والإسلامية لكي
تقف هذا الموقف النقدي الذاتي لكي تخرج من مثل هذه الكارثة بالعبر والخبر، كما
يقول ابن خلدون، باعتبار أن الأمة العربية والإسلامية كانت العنصر الفعال في هذه
الكارثة الإنسانية الفظيعة، وأنها كانت الفاعل والجاعل والعامل.
2- إن كارثة الحادي
عشر من سبتمبر 2001 ، لم تكن كارثة أمريكية بقدر ما كانت كارثة إنسانية عالمية
"مُعولمة" شاملة وعامة بالمعنى الحقيقي والواقعي، وليس بالمعنى المجازي.
فضحايا هذه الكارثة لم يكونوا من الأمريكيين فقط، ولم يكونوا
من الأوروبيين فقط، ولم يكونوا من المسلمين فقط، ولم يكونوا من المسيحيين فقط، ولم
يكونوا بيضاً فقط، بل كانوا من كل ديانات وألوان وأجناس الأرض التي كانت تضمهم
نيويورك كمدينة عالمية، وليست كمدينة أمريكية فقط. وكان من بين ضحايا هذه الكارثة
مسلمون من بنغلادش، ومن الباكستان، ومن ماليزيا، ومن إندونيسيا، ومن تركيا، ومن
مصر، ومن لبنان. وكان من بين هذه الضحايا مسيحيون من الشمال: من أمريكا،
وبريطانيا، وفرنسا، وإيطاليا، والدانمارك، وبلجيكا، وألمانيا، والسويد، وسويسرا،
وإسبانيا، وايرلندا، وكندا. ومن الجنوب: البرازيل، والبرتغال، وتشيلي، وكولومبيا،
والمكسيك، والسلفـادور، وفنـزويلا، وأورغواي. وكان من بين الضحايا بوذيون من
اليابان، والصين، وكوريا، وتايوان، والفلبين. وكان من بين الضحايا بيض، وسود، وحمر،
وصفر. إذن، فهذه
الكارثة كانت ضد الإنسانية وقيمها جمعاء، ولم تكن ضد القيم الأمريكية فقط. وهذا هو
السر وراء اختيار برجي نيويورك لتدميرهما.
3- إن هذه الكارثة
كانت كارثة فظيعة ومروّعة وشنيعة، وهي بمثابة اختبار جديد للعقل الديني الإسلامي
وللعقل السياسي العربي. والجدير بالاهتمام هو أن نعرف كيف فكَّر العقل العربي
والإسلامي بهذه الكارثة ونتائجها، وكيف حللها، وهل استفاد منها أم لا؟
كذلك فإن هذه الكارثة، كانت امتحاناً جديداً وعسيراً للعقل
السياسي العربي، وكان مطلوباً من هذا العقل أن يقول كلمته الواضحة والصريحة فيها.
فهل استطاع العقل العربي بعد مضي نصف قرن على "عصر
التنوير" العربي الذي ابتدأ في مطلع القرن العشرين أن يُغيّر من بياناته
الخطابية والإنشائية والعاطفية المتعصبة وانتصاراته البلاغية، ويتخلّى عن التعالي
والمكابرة والنرجسية، ويحتكم إلى الواقعية والمتغيرات الدولية الجديدة، ولا ينظر
إلى الكوارث والأحداث وكأنه يعيش وحده في هذا العالم، دون أي اعتبار للآخر؟
4-إن العقل العربي الذي عالج وتصدّى لهذه الكارثة، هو العقل
العربي نفسه الذي فشل في المواجهة مع الغرب على مدار القرن العشرين والذي خاض عدة حروب مع إسرائيل
خسرها كلها تقريباً. وهو العقل العربي نفسه الذي فشل فشلاً ذريعاً في مسألة
التحديث والتنمية وإقامة دعائم الدولة القوية العلمانية والعلمية والعقلانية. وهو
نفسه العقل العربي الذي لم يُحقق قدراً يُذكر من الديمقراطية بعد مضي ما يقارب
القرن من الزمان، منذ أن رحل عن أرضه المستعمرون العثمانيون. وهو العقل العربي
نفسه الذي صنع الحكّام المستبدين والذين يرى الغرب أنهم أفضل بكثير من حكام اللحى
والعمائم (طالبان) على حد تعبير محمد رصاص ، في مقاله (11 أيلول فصاعداً، المحطة
الثالثة للحماقة السياسية العربية، "النهار"، 15/10/2001)، وأرحم منهم
وأكثر تفهماً وأكثر عقلانية، بحيث لا يصل تحريم المنكرات في مجتمعاتهم إلى عشرين
منكَراً تافهاً، كما أصبحت في عهد "طالبان" مثلاً.
لقد تغيّر العالم وتغيّر عقل العالم بعد هذه الكارثة، ولم
يتغيّر العقل العربي. فقد ظل العقل العربي محافظاً على ثوابته "المكينة"
السابقة بعد هذه الكارثة، والتي تتلخص في :
1- عدم تأييد الغزو
الأجنبي لأراضٍ عربية أو إسلامية بغض النظر عن السبب.
2- عدم الفصل بين
النقمة على الحكومات والانتقام من الشعوب.
3- اعتبار النقمة
على الحكومات من قبل الغرب انتقاماً من الشعوب.
4- التشهير بالغطرسة
والهيمنة الأمريكية.
5- المناداة بقوة
عسكرية عربية/إسلامية بديلة للقيام بفضِّ المنازعات الإقليمية بدلاً من الغرب.
6- الإيمان بوجود
صراع حقيقي بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية.
7- الاعتقاد بأن
الغرب يسعى جاداً إلى هدم الإسلام، وعلينا جميعاً الوقوف بوجه الغرب للحيلولة دون
ذلك.
8- المكابرة
بالمحسوس والواقع والاعتقاد بالخرافات السياسية. وكانت من مظاهر هذه المكابرة وهذه
الخرافات السياسية التي صدّقها العقل العربي المعطوب، بعد هذه الكارثة، القول أن
"طالبان" ومَنْ معها مِن بعض "العُربان الأفغان"، قاموا
بإنجازات لم تسبقها إليها الأنظمة الأفغانية السابقة. والقول أن
"طالبان" ومَنْ معها مِن بعض "العُربان الأفغان" قد قاموا
بتطبيق الشريعة الإسلامية النقية والصحيحة في أفغانستان كما لم يسبق لها أن طُبقت
منذ نهاية عهد الخلفاء الراشدين إلى الآن. والقول أن "طالبان" ومَنْ
معها مِن بعض "العُربان الأفغان" كانـوا من أطهر الأنظمة السياسية
الإسلامية والعربية الموجودة على ساحة العالم العربي والإسلامي الآن. والقول أن
"طالبان" ومَنْ معها مِن بعض "العُربان الأفغان"، قادرون على
هزيمة أية إمبراطورية تقوم بقتالهم كما سبق وتمَّت هزيمة الإمبراطورية البريطانية
والإمبراطورية السوفياتية من قبل. وكان رد العقلاء من العرب، ومنهم عبد الله
المدني أن " الخرافة سقطت، لكن
المكابرة قائمة" (جريدة "الخليج"، 11/10/2001(.
5- إن الذين
تظاهروا في الشوارع العربية أمام كاميرات التلفزيون، دون خجل أو عقل، عشية هذه
الكارثة وفرحاً بها وانتصاراً بوقوعها، هم جزء من العقل العربي السائد الآن، مهما
حاولنا تبرير ذلك أو نفيه في بعض الأحيان. وكان لدى العقلاء الأمريكيين الحق عندما
قالوا لنا: هل نبتهج في الشوارع عندما يُقتل الفلسطينيون أو غيرهم من المدنيين
العرب، كلا. فلكم كل الحق أن تنتقدوا سياساتنا، لكن ابتهاجكم السمج، لا يساعدنا
إطلاقاً على التخلص من السياسات التي تنتقدونها بقوة وبأعلى أصواتكم، كما قال
إدوارد ووكر رئيس معهد الشرق الأوسط في واشنطن، في مقاله (رسالة مفتوحة إلى
أصدقائي العرب، "الحياة"، 14/9/2001) .
فهل أفلس العقل العربي في معالجة مشاكله السياسية، ولم يعد
لديه من سلاح يستعمله إلا سلاح الفقراء وسلاح الضعفاء، وهو ما أُطلق عليه
"إرهاب الفقراء" أو "إرهاب الضعفاء"، كمسوّغ زائف لهذه
الكارثة ؟ ولكن الضعف هنا ليس القوة إلا من باب الاستعارة كما قال عزمي بشارة في
(كاميكاز بداية القرن، "الحياة"، 17/9/2001). ولا يمكن تحويل القوة إلى
ضعف، أو الضعف إلى قوة من خلال عمليات إرهابية على نحو ما جرى في الحادي عشر من
سبتمبر 2001. فالقوة لا تتحول إلى ضعف إلا بإزالة الأسباب التي صنعت القوة. والضعف
لا يتحول إلى قوة إلا بالأخذ بالأسباب التي صنعت القوة.
6- إن كثيراً من
الحقائق الأولية لهذه الكارثة، قد قفز عليها كثير من الكُتّاب والمحللين العرب،
ليقدموا لنا تحليلات قريبة من الخرافة. وأن جملة التحليلات العربية كان يتأرجح بين
النـزعة العاطفية التي تحجب العقل من ناحية، وبين الخضوع لـ "نظرية
المؤامرة" و "نظرية الفخ" و "نظرية صدام الحضارات"
وغيرها من النظريات الهلامية من ناحية أخرى. "وتتحول المناقشات إلى مجادلات
شخصية عقيمة، لا تحرم الجمهور من التنوير والوعي فحسب، بل تشحنه إلى الاتجاه
المضاد للعقل والمنطق والفهم العلمي للأحداث" كما قال محمد الرميحي في (الكارثة
الأمريكية والإعلام العربي، "الحياة"، 3/10/2001) .
إن العقل العربي مولع بـ "انتصارات البلاغة"، و
"سحر البيان". بل إن معجزة العقل العربي الكبرى هي "سحر
البيان". وهو لا يتوانى عن تشغيل هذه الآلية السحرية في كل مناسبة من
المناسبات الكبرى، وفي كل حادثة من الحوادث الجسيمة، ومنها كارثة الحادي عشر من
سبتمبر. فهو في هذه الحادثة خطب الخطابات النارية، واستعاد أمجاد العرب من هاشم بن
عبد مناف إلى أسامة بن لادن. ودقَّ أجراس الحرب، وأعلن أن الصليبيين قادمون، وأنهم
يطرقون أبواب مكة المكرمة والمدينة المنورة وبيت المقدس، إلى درجة أزعجت أصدقاء
العرب من المفكرين والسياسيين الغربيين الذين قالوا للعرب : يا ناس ليس هكذا تورد
الإبل! وقالوا: "نريد منكم التعبير عن شكواكم السياسية، ولكن ليس بالصياح.
تجنبوا البلاغيات والروح السلبية. واقترحوا علينا السُبل البنّاءة لتناول قضاياكم"
كما قال لنا مرة أخرى إدوارد ووكر (رسالة ثانية إلى أصدقائي العرب،
"الحياة"، 16/10/2001) .
فهل قدّم العقل العربي حيال هذه الكارثة موقفاً سياسياً أو
فكرياً جديداً يختلف عن المواقف السياسية والفكرية التي اعتاد أن يقفها في الماضي،
عندما يواجه مثل هذه الكوارث أو مثل هذه الأزمات السياسية الكبرى؟
وهل تغيّرت القناعات العربية القديمة وطريقة التفكير العربية
القديمة القاصرة عن استبطان الحقيقة استبطاناً معرفياً وعقلانياً سليماً؟
فلا عجب إذن، وحال العقل العربي على هذا النحو من التردي
والاستسلام للخرافات والأوهام واستنباط الحقائق من خلال سُحب البخور وسطور
التمائم، أن نكتشف أن "تفكيرنا يصنع الفضائح والكوارث بقدر ما ينسج من الجهل
والوهم والخداع"، كما قال المفكر اللبناني الليبرالي علي حرب في مقاله (سقوط
"طالبان" أو الأكذوبة والفضيحة والكارثة، "السفير"،
18/11/2001) .
7- لقد فتحت أمريكا أبوابها في القرن التاسع عشر وفي القرن العشرين للعرب
واليهود على السواء. وجاء المهاجرون العرب واليهود إلى أمريكا من كل فج عميق في
القرنين التاسع عشر والعشرين. وكما جاء العرب إلى أمريكا فقراء ومطاردين من
العثمانيين ومن حكامهم الطغاة، فكذلك جاء اليهود إلى أمريكا فقراء ومطارين
ومضطهدين من النازية ومن الحكام الطغاة أيضاً. فلننظر ماذا فعل العرب في أمريكـا
وماذا فعل اليهود في أمريكا. ولننظر كيف استطاع اليهود أن يكسبوا أمريكا بالعلم
والمال والسلطة إلى جانب قضيتهم القومية. وكيف أننا بالجهل والتعصب والتعالي
والمكابرة خسرنا أمريكا ووقوفها إلى جانب قضيتنا القومية. وجاءت هذه الكارثة، لكي
تضع الفصل الختام لهذا الفشل الذريع والطلاق البائن بيننا وبين أمريكا كقوة عظمى
أُحادية في هذا العالم كان من المفروض أن تساعدنا على حلِّ مشاكلنا السياسية
والاقتصادية بالدرجة الأولى. وكانت تلك واحدة من محن العقل العربي المعاصر.
* كاتب أردني
11.09.2006
تداعيات الصدمة التاريخية... بعد خمس
سنوات من انقسام العالم
!!
مقدمة : طبيعة الصدمة التاريخية :
ازعم ان العالم قد تغير سلوكه السياسي ( وحتى الحضاري ) بعد
تلك الصدمة التاريخية الكبرى التي اهتاج لها العالم كله في 11 سبتمبر 2001 ..
وبقدر ما كانت اسبابها ومسبباتها واضحة ، فانها تعد من اخطر الاحداث التي اجتاحت
العالم في التاريخ الحديث .. وصحيح ان حدث الصدمة دام لمدة ساعات محددة ، لكن
نتائجها كانت ولم تزل قوية صاعقة ومؤذية جدا .. لقد نتجت عنها ركامات من النتائج
وجملة من فرز التداعيات التي لم تزل تغّير مجرى التاريخ في القرن الواحد والعشرين
، والتي لم يكن يحسب لذلك أي حساب على امتداد القرن العشرين .. واعتقد ان تلك
الصدمة القوية الصاعقة قد قسمت العالم الى قسمين اثنين لا ثالث لهما .. واعتقد
ايضا بأن العالم كله لم يزل يعيش تداعيات تلك الصدمة ، وانه لم يدرك ما الذي
ستنتجه على مستوى الاجيال الثلاثة القادمة في القرن الواحد والعشرين . ان الصراع
يأخذ له مساحات جديدة كل يوم ، وان العالم الاسلامي سيبقى عرضة لانعكاسات تلك
الصدمة ، خصوصا وان افتراق الرؤى وتشظي الافكار لدى ابنائه حيال تقييم تلك الصدمة
التاريخية .
تغّير الانسان اثر الانقسام
انها صدمة تاريخية ونقطة تحول كبرى بعد ان اصبحت مصائر دول
وشعوب على المحك .. لقد خسرت دول عدة وقطاعات كبرى وشركات واسعة الانتشار خسارات
لا يمكن تخيلها ، وتبلورت سلوكيات مختلفة حتى على مستوى الدول وتبدلت نوازع حتى
على مستوى الافراد.. لقد حّلت القتامة الفكرية وسط تناقضات لا حصر لها مقارنة بما
كان عليه وضع الانسان بشكل عام قبل خمس سنوات .. تشّظت النزعات الدينية والطائفية
وانتشرت تقاليد مضادة بين هذه وتلك حتى على مستوى الامم التي لم تعرف من قبل هكذا
انواع من الانقسامات .. وقد غدت السلوكيات عند الانسان تلوذ بالهروب دوما من
الاعتراف بالحقيقة.. لقد نضج العنف والارهاب نضوجا فاضحا نتيجة انعدام اعتراف
الجميع به ، بل ولقد تسّبب الخوف منه الى محاباته وتشجيعه .. بل واتخذ في اكثر من
مكان وسيلة واضحة لقتل المشروعات وقتل الابرياء من اجل اهداف سياسية او سلطوية او
حتى مكاسب تافهة ! في حين انتج الارهاب الذي قامت به اعداد من المتطرفين في هكذا
صدمة تاريخية الى ان تزرع الكراهية الجديدة التي تعمّ العالم ضدّنا نحن العرب
والمسلمين كما أضرت بالقضايا التي يعاني منها عالميهما.
لماذا قتل الأبرياء ؟ هل هو شرعة دينية وحضارية ؟
ان صدمة 11 سبتمبر 2001 هي النموذج التاريخي من نماذج انقسام
العالم بين عالمي الشمال والجنوب وهو انقسام حقيقي بين مصالح الدول وبين قتل
الابرياء .. وبين كلتا التجربتين تتجبّر القوة وتتسلط على كل الحياة الرائعة
لتغّير التاريخ تغييرا بشعا .. لم يكن العالم قبل 11 سبتمبر 2001 بريئا من كل
الشوائب ولم يكن خاليا من الالام والاجرام ، ولكن الانسان لم يكن خاويا او ضعيفا
او متراخيا او مترددا او هاربا .. كان الصراع العالمي يأخذ له مدى من نوع آخر اذ
كانت الوسائل متباينة تمام التباين عما غدا عليه الصراع اليوم .. كان الصراع يتم
عبر المواجهات مع وجود منظمات الارهاب التي تصّفي حساباتها ضد الابرياء ، ولكن صراع
اليوم يتم عبر المخفيات ويتبلور من خلال المنظمات الارهابية كي تقف في ثنائية
الصراع ضد ارادة الاستقطاب . ومن الهزل ان اسمع وارى بعض العرب والمسلمين يتساءلون
عن تعريف الارهاب وان تعريفه محدد بكلمتين اثنتين : قتل الابرياء !
لقد كانت الصدمة التاريخية صاعقة حتى اليوم وبعد خمس سنوات من
حدوثها ، وبالرغم من كل الصلابة والحرب ولكن تبلور التصعيد والتحريض ضد الولايات
المتحدة الامريكية التي ازدادت كراهية شعوب عدة لها ، علما بأن ليس هناك من انسان
سوي يقبل البتة بقتل اي انسان برئ مهما بلغت درجة الكراهية والاحقاد ضد نظامه
السياسي او بلاده بشكل عام ! والمشكلة بقدر ما فشلت الولايات المتحدة والعالم من
ورائها بمعالجة الظاهرة معالجات جذرية من نوع جديد ، بقدر ما فشل العالم الاسلامي
من جانبه في ان يكون ضد هذه الظاهرة بشكل جاد .. وفشل العالم الاسلامي في ان يقول
كلمة واحدة بالضد من قتل الابرياء بكل حرية وشجاعة !! بقدر ما استخدم العالم تلك الصدمة
التاريخية شماعة لتبرير مصالح معينة ، فان العالم الإسلامي الذي يتهم اليوم اتهاما
خطيرا وجدناه يلوذ بالتردد وباللف والدوران من اجل الخروج من بين فكي كماشة القدر
.. فهو مدان ان قال الحقيقة وهو مدان ان بقي كذوبا !!
التحولات التاريخية بين قرنين
ان الصدمة التاريخية التي حدثت قبل خمس سنوات بالضبط قد حوّلت
ثنائية الانقسام من حروب باردة الى حروب ساخنة .. ومن حروب الصالونات الى حروب
التلفزيونات .. من حروب المواجهات الى حروب المفاجئات .. ومن حروب الخطابات
والسياسات الى حروب المافيات والاقتصادات .. من حروب التجسس والدعايات الى حروب
التداعيات والاختراقات.. الخ لقد اختنقت الحريات والممارسات الديمقراطية وحقوق
الانسان وتبلور الخوف وعمّت الويلات وتفاقمت المخاطر والتهديدات .. كان العالم
اكثر هدوءا وأمنا ونجاعة وغدا تكتنفه التمويهات والعدسات اللاقطة الخفية
والتحقيقات والهواجس والتهديدات .. وبقدر ما خسر العالم كله جراء الصدمة التاريخية
، فان الخاسر الاكبر ـ كما اعتقد ـ هو العالم العربي والاسلامي بشكل خاص انه ينتقل
من يوم الى آخر الى الويل والثبور وعظائم الامور ، اذ لم يعد العالم يثق بأي انسان
عربي مسلم ، واصبح متهما حتى في مشيته وفي عاداته وتقاليده والبسته وفولكلورياته
وحركاته من حيث يدري ولا يدري !
من صدمة نيويورك الى احتراق العراق !
ان الولايات المتحدة الامريكية التي نالت لأول مرة صدمة
تاريخية بمثل هذا الحجم ، لم تعترف كم ساهمت على امتداد خمسين سنة من ادوار في
صناعة قوى وجماعات ومنظمات وافراد يستخدمون كل الوسائل بما فيها وسائل دينية
لتحقيق اهداف معينة، وفجأن نضجت تلك " الحقائق " في بيئات تختلف اختلافا
حقيقيا عن بيئات العالم الاخرى ، لتغدو الاليات الانية ركائز واسس راسخة في
الوجدان والضمائر ومن شبهات و" حقائق " لا وجود لها الى حقائق لها
القدرة على ان تنتشر انتشارا مضاعفا وسريعا .. ومن جعل العقائد والاساليب الدينية
مجرد وسائل من باب الغاية تبرر الوسيلة ) ولكن اللعب بعواطف ومشاعر الناس وجذبهم الى
هيمنة ذلك في صنع القرارات وصنع الانتحاريين وصنع الارهاب وصنع كل من يجعل نفسه
جسرا نحو الموت الجماعي باساليب جنونية ! وبقدر ما نجحت الولايات المتحدة في اخراج
الاتحاد السوفييتي من افغانستان ودعم ( المجاهدين ) بقدر ما فشلت تجربتها في
افغانستان مع طالبان والافغان العرب من حلفائها المجاهدين القدماء .. ومن سخرية
القدر ان هؤلاء هم انفسهم الذين يقفون وراء صناعة الصدمة التاريخية .. وبقدر ما
نجحت الولايات المتحدة الامريكية بازاحة نظام صدام حسين في العراق بقدر ما فشلت في
جعل العراق ( الجديد ) بلدا آمنا مستقرا مطمئنا يبني نفسه ويستعيد حضارته اذ غدا
مركزا تعيسا لجذب العتف والارهاب ، بحيث غدا العراق يحترق يوما بعد آخر !
ان الصدمة التاريخية التي عانى منها اهل نيويورك على مدى ساعات
من يوم 11 سبتمبر 2001 قد انتجت صدمات تاريخية يعاني منها شعب العراق على مدى
سنوات ، وان مجرد جعل العراق بؤرة لاستقطاب الارهاب انما يخرج عن كل مواثيق الشرف
والاخلاق .. ان معالجة الصدمة التاريخية بوسائل سياسية قد أخّل بالتوازن الحضاري
الذي طالما تعب من اجله المئات من الكتّاب والفلاسفة المستنيرين في القرنين التاسع
عشر والعشرين ..
حقيقة صدام الحضارات وخواء حوار الحضارات
ينبغي القول ، انه بالقدر الذي فشل فيه الامريكيون في معالجة
الارهاب منذ ان اصدر صموئيل هانتيتغتون كتابه الشهير " صدام الحضارات "
حتى اليوم ، فان العرب والمسلمين قد فشلوا هم أيضا فشلا ذريعا في التعامل مع هذه
الظاهرة المرعبة خصوصا وانهم موضع اتهام بتخضيب الدماء وتصدير الارهاب .. ولم تنفع
كل الخطابات السياسية التي يقدمونها للعالم شجبا واستنكارا ليوم 11 سبتمبر او
الخطابات الاعلامية التي يقدمونها للعالم دعما وتأييدا ليوم 11 سبتمبر ، بل وان
مجرد تقديم بديل غير واقعي الى العالم باسم " حوار الحضارات " فهو مجرد
اضحوكة ليس لها أي واقع وليس لها أي مستقبل ! اننا لا ننظر من خلال تفكيرنا الى
افتراق الرؤى بين المسلمين بقدر ما ينظر الغربيون الى ذلك بعد الصدمة التاريخية ،
فكم هو الفرق شاسع بين ايمن الظواهري الرجل الثاني في القاعدة والذي يدعو
الامريكيين الى الاسلام !! وبين محمد خاتمي الرئيس الايراني السابق وهو يدعو الى
حوار الحضارات ؟؟
لقد انتجت الصدمة التاريخية تداعيات على مستوى المجتمعات ..
فلقد اصطدمت المجتمعات الاسيوية والامريكية معا ممثلة بهجرة معاكسة من الاف الناس
الاسيويين اذ عادوا من الولايات المتحدة الى مواطنهم الاصلية .. ولا ينفي العديد
من المسلمين المهاجرين الى ان اخطاء قد ارتكبت من قبل جماعات اسلامية في امريكا
واوربا الغربية .. انهم قد استهلكوا التكنولوجيا الامريكية المتطورة لضرب المصالح
الامريكية والغربية .. لقد كانت القاعدة منظمة صغيرة تافهة، ولكنها غدت اليوم
منظمة متغلغلة في كل انحاء العالم ولا حوار يمكن حدوثه بديلا عن الصراع .. ويترقب
الغرب حدوث هجمات عنيفة قادمة ، ولديهم ان لابد من خطوات استباقية ومنها اجراء
حوار مع الجاليات وتشديد قوانين ضد الارهاب والتي تقف ضدها جمعيات حقوق الانسان
وحرية التعبير والحريات العامة . ان وسائل التفتيش والمداهمات والاجراءات
الاستثنائية والفرز والمصورات .. كوسائل مكافحة الارهاب قد سببت جملة هائلة من
المشكلات والتنديدات .
الحصاد المر للصدمة التاريخية
ان الحصاد كان مرا بالنسبة للعالم كله ، ومنذ الصدمة التاريخية
كان النضال مستمرا ضد الارهاب كان ولم يزل مستمرا ، واشتركت دول العالم كله في حرب
الارهاب .. ولقد تفاقمت
تناقضات عدة بعد تلك الصدمة وخصوصا بين أجهزة المخابرات في العالم والتي اصبح
الارهاب واحدا من ابرز اهتمامات العالم كله .. وان مضاعفة الجهود لضرب العنف قد
خلقت ردود فعل في المناطق الحيوية من العالم الاسلامي .. وان السياسات التي تخدم
الاجندة الامريكية بضرب انظمة محددة .. ان المشكلة ليست في الانظمة السياسية بقدر
ما تكمن المشكلة في الانظمة الاجتماعية التي تقف في اغلبيتها ضد السياسات
الامريكية ، بل وتجد بغيتها في القاعدة وانها تتقّبل كل الاساليب في ضرب ليس
الولايات المتحدة ، بل ضد الغرب بشكل عام .
ان الفوضى التي تجتاح منطقة الشرق الاوسط وان الارهاب الذي
يجتاح العالم لا يمكن معالجته بالاساليب الساذجة على ايدي ساسة حمقى .. ان عالم ما
بعد الصدمة التاريخية سيستمر يوّلد المزيد من التداعيات المرة والنتائج المريرة ..
ان تنامي التيار الاسلامي ووصول عناصره الى السلطة في اكثر من مكان في العالمين
العربي والاسلامي ما هو الا من نتائج الصدمة التاريخية التي صنعها تنظيم القاعدة
الذي كسب الريادة في ايذاء امريكا والغرب . ان الاحتقانات التي يعيشها العالمين
العربي والاسلامي قد خلقت ارهابيين وبدأوا يتحركون على مساحات واسعة في العالم
ويتغلغلون بشكل سريع يستخدمون آخر مستحدثات العصر ، بل وبدأ الارهاب ينتقل من مكان
الى آخر ، وان ثمة مجتمعات تصدّر الارهابيين الى مجتمعات اخرى .
وأخيرا ، ان العرب والمسلمين لابد ان يحددّوا موقفهم من ظاهرة
الارهاب ، ليس حّبا أو كرها بالامريكيين والغربيين ، بل لأنها اشنع ظاهرة تاريخية
عرفتها البشرية .. وان يدينوا قتل الابرياء مهما كانت الاسباب والمسببّات ، فلقد
دفع العالمين العربي والاسلامي ثمنا باهضا لهذه الظاهرة التي تتلبّس العالمين ،
وخوفا على مصيرنا وعلى مستقبل اجيالنا ، لابد من خيارات اخرى في التعامل مع العالم
دفعا بالتي هي احسن .. وايقافا لسعير النار وانهيار الاحجار التي ستحرق الاخضر
واليابس وانهاء لكل الاخفاقات التي يعيشها هذا العالم .
كاتب عراقي
www.sayyaraljamil.com
ايلاف 11 سبتمبر 2006www.elaph.com
بقلم / مجدي خليل*
في الذكري الخامسة لأحداث 11 سبتمبر هناك أسئلة مشروعة
عديدة تدور في أذهان الأمريكيين
والعالم نتناول من وجهة نظرنا بعضا منها:
أولا: هل أمريكا أصبحت أكثر أمنا؟
أعتقد أن أمريكا أصبحت أكثر أمنا بعد 11 سبتمبر 2001 وهذه النتيجة لم استخلصها
من عندي ولكن معظم الكتابات واللقاءات والتصريحات تصب في نفس المعني ،ففي يوم 7
سبتمبر2006 قال الرئيس الأمريكي " أن الولايات المتحدة باتت أكثر أمنا عما
كانت عليه حين حدثت الهجمات الأرهابية في 11 سبتمبر"،وقالت رايس لفوكس نيوز
10 سبتمبر" أننا أكثر أمنا، ليس الأمن الكامل بعد وأنما أفضل من السابق".
والذين عاشوا في أمريكا قبل وبعد 11 سبتمبر يدركون حجم
التغيرات التي حدثت وجعلتها أكثر يقظة وترقبا، وذلك يعود إلى الجهد المكثف لعشرات
الهيئات والمؤسسات الأمنية والمخابراتية. ومنذ ضرب طالبان والإرهابيين يسعون بكل
جهدهم لإستهداف أمريكا مرة أخرى ولكنهم فشلوا حتى الآن رغم عزيمتهم التي لا تلين
وتخطيطهم المستمر وأعلاناتهم المتكررة عن الحرب المفتوحة على أمريكا.
نعم لقد دفع الأمريكيون ثمن هذا الأمان من اقتصادهم وحرياتهم
المدنية وتقليص المجتمع المفتوح وتراجع العولمة وتزايد الأعداء، ولكن بالمفهوم
المحدد لكلمة الأمن باتت أمريكا بالفعل أكثر أمنا.
ثانيا: هل العالم بات أكثر أمنا؟
يوجد انقسام حول الأجابة على هذا السؤال .هناك من يقول أن
العالم أصبح أكثر أمنا ايضا بسبب
اليقظة وعمل المئات من أجهزة الأمن والمخابرات حول العالم والتنسيق الفعال فيما
يتعلق بمراقبة الأرهابيين وتعطيل مخططاتهم الشريرة.
في تصوري العكس، العالم بات أقل أمنا وأكثر خطرا والسبب ليس تقصير هذه الأجهزة
والوكالات وشبكات البنوك التي تقوم بجهد خرافي للسيطرة على سرطان الأرهاب وتمويله،
ولكن السبب يعود إلى أن المواجهة أصبحت مفتوحة عبر الزمان والمكان. قبل 11 سبتمبر
كان الإرهابيون يشنون عملياتهم من طرف واحد مع جهود محدودة للرد عليهم أما الآن فالمواجهة والضرب من الطرفين، بمعني وجود مطاردة
مستمرة من قبل دول عملاقة لهؤلاء
والمسرح هو كوكب الأرض بأكمله، وحيث أن هناك نقاط ضعف كثيرة لا يمكن أحكام
السيطرة عليها فأن العالم في الآجل المتوسط لا يزال أكثر خطرا حتى يتم تقليص
فاعلية هؤلاء الإرهابيين بشكل كبير وهو ما لم يحدث حتى كتابة هذه السطور.
خطورة الموقف إذن تنبع من أن الحرب كانت من طرف واحد أما الآن
فهي مواجهة بين عدة أطراف بما تحمله هذه المواجهات من مخاطر وضحايا.
ولكن الخطر الأكبر سيحدث إذا نجح المتطرفون في إيهام العامة أن
الحرب دينية بين الإسلام والغرب، وهم يعملون بدأب في هذه الأتجاه واستطاعوا
استقطاب عدد ليس بقليل، وإذا نجح هذا الاتجاه سيتحول الخطر إلى كارثة ستدفع
الإنسانية بأكملها ثمنا فادحا لها.
ثالثا: هل زادت أم نقصت عدد الدول الفاشلة منذ 11 سبتمبر؟
المسرح المثالي لعمل الإرهابيين هو إنطلاقا من الدول الفاشلة Failed
States، ولهذا يتنقلون من مكان إلى مكان
وفقا لفشل الدول، وهم لا ينطلقون فقط من الدول الفاشلة ولكنهم يسعون بكل جهدهم
لتحويل دول عادية إلى دول فاشلة .إذن جزء أساسي من الحرب على الإرهاب يتعلق ببناء
الدول أو تفشيل الدول أو تركها تفشل
، وفي هذا الأطار هناك نجاحات لكل من الطرفين سواء الغرب أو الإرهابيين.
نجح الغرب في تحويل أفغانستان من دولة فاشلة إل دولة مستقرة نسبيا وإن كان حدث تراجع في
هذا الأتجاه ولم تستقر أفغانستان بعد بشكل كامل. في المقابل نجح الإرهابيون في
تحويل الصومال إلى دولة فاشلة بشكل واضح عقب سيطرة الإسلاميين عليها في الشهور
الأخيرة. كما نجح الإرهابيون أيضا في تحويل غزة إلى منطقة فاشلة ويأملون أن يمتد
ذلك إلى السلطة الفلسطينية بأسرها.
ولكن الصراع محتدم على دولتين هما العراق ولبنان؟
في لبنان يحاول حزب الله باستماتة تحويل لبنان إلى دولة
فاشلة في حين يقف المجتمع الدولي مع
الأغلبية اللبنانية لإعادة بناء لبنان الدولة والسيادة بعيدا عن خطر الفشل. وفي
العراق هناك محاولات مستميتة من أمريكا والحكومة العراقية لتفادي فشل الدولة
يقابلها محاولات جادة من الإرهابيين لجر العراق إلى حزام الدول الفاشلة. بكل صراحة
يمكن تصنيف لبنان والعراق بأنها دول مقبلة على الفشل Failing States وهذا يعد نجاحا للإرهابيين وفشلا للسياسات الأمريكية
والغربية في هذين البلدين.
هناك أيضا صراع في السودان بين الإرهابيين والنظام الفاشي من
جهة لتحويل السودان من دولة فاشلة حاليا إلى دولة شديدة الفشل وخطرة على العالم
وبين المجتمع الدولى من ناحية أخرى
لتفادى ذلك، ومازال الصراع قائما في دارفور ولم يحسم بعد.
في تصوري أن الجزء الرئيسي في الحرب على الإرهاب يتعلق ببناء
أو تفشيل الدول،حيث أن الدول الفاشلة مصدر التفريخ والأحتضان للمنظمات الإرهابية ،
وفي هذا الإطار يمكن القول أن الصراع في أوجه والحرب بين الإرهابيين والمجتمع
الدولي حرب ممتدة طويلة الأجل ولم تحسم بعد نتائجها.
رابعا: هل هي حرب على العرب والمسلمين؟
الأجابة في رأيي لا. ولكنها حرب على الإسلاميين الدمويين، وحيث
ان أغلبية المسلمين ليسوا هكذا إذن فأنها حرب على أقلية من المسلمين أتخذت الإرهاب
طريقا. ومن يحاول تصويرها على أنها حرب على الإسلام أو المسلمين أو العرب فهو
بالتأكيد يعمل لصالح الإسلاميين الدمويين وهذا يقودنا إلى سؤال آخر.
خامسا: هل هي حرب على الفاشية الإسلامية؟
نعم بكل تأكيد. ولهذا أعتذر جورج بوش على مصطلح "الحروب
الصليبية" الذى أطلقه فى 2001
لخطأ هذا المصطلح ولم يعتذر عن لفظ "الفاشية الإسلامية" لدقة
التعبير. والمصطلح أكدته "اللجنة الوطنية للهجمات الإرهابية على الولايات
المتحدة" التي تشكلت بعد الأحداث وأستمرت تعمل لمدة 20 شهرا وأصدرت تقريرا في
567 صفحة بتاريخ 22 يوليو 2004، وقد حدد التقرير بوضوح العدو والخطر على أمريكا في
"الإرهاب الإسلامي" و "المتطرفين الإسلاميين". ودعا التقرير
إلى تجديد الوكالات المخابراتية والتي كانت معدة للتعامل مع الحرب الباردة وليس مع
تهديد التطرف الإسلامي حسب وصف التقرير وهو ما حدث بالفعل.
والتطرف الإسلامي هو مجرد توصيف لأن هؤلاء يستخدمون مبررات
إسلامية لعملياتهم الإرهابية ، وهم لا يهددون الغرب فقط ولكنهم يهددون الدول
الإسلامية ذاتها، ولهذا يجادل بوش بأن جهوده منعت هؤلاء الإرهابيين من السيطرة على
دول إسلامية معتدلة عبر إسقاط أنظمتها. والتقرير فرق بين القلة من المسلمين وبين
المجموع الإسلامي المعتدل ولهذا أكدت اللجنة مثلا على أنه ليس هناك أي تورط
للحكومة السعودية في هجمات سبتمبر رغم وجود 15 انتحاريا من السعودية. وكثير من
المسلمين يتفقون على تعبير الفاشية الإسلامية ولا يرون في ذلك إهانة لهم وكما يقول أحمد البغدادي "فاشيون بل
ونازيون أيضا"، فالمصطلح ينصرف إلى هؤلاء الدمويين فقط الذين يروعون المسلمين
وغير المسلمين ويستهدفون بالأساس الحضارة الغربية الأنسانية.
فالإرهابيون يسعون إلى نشر الفوضي عن طريق العنف لإسقاط
الأنظمة المعتدلة في الدول الإسلامية وتحويلها إلى دول فاشلة مستخدمين المبررات
الإسلامية وبعد كل هذا إلا يحق وصفهم بالفاشيين الإسلاميين. فعندما يدعو أسامة بن
لادن إلى الحرب المفتوحة ويقول
للغرب "أنكم قوم تعشقون الحياة
ونحن قوم نعشق الموت".
وعندما يقول أحمدى نجاد " لا يجب أن نخجل من إعلاننا أن
الإسلام مستعد ليحكم العالم.. يجب أن نعد أنفسنا لحكم العالم".
وعندما يقول حسن نصر الله "المجاهدون في الحزب كانوا
خايفين أحسن تكون دى آخر معركة مع العدو ويفوتهم شرف الشهادة". وعندما يسعى
الاخوان المسلمون لعودة الخلافة وحكم العالم باسم الإسلام.
هل تختلف هذه المقولات الانتحارية عن قول هتلر "أما أن
نكتسح أوروبا أو نموت".
المشكلة ليست في المصطلح المتفق عليه من أغلب دول العالم، ولكن
المشكلة تكمن في هؤلاء الذين يدعمون الإرهابيين ويعملون لدعم أجندتهم التي تتلخص
في إندلاع حرب دينية عبرالعالم.
سادسا: هل وراء هذه الحرب المحافظون الجدد والمسيحيون
الصهيونيون؟
هناك خطأ شائع في العالم العربي أن المتدينيين في أمريكا هم
الداعم الأساسي للحرب على الإرهاب ، ولكن هذا غير صحيح. هناك اتفاق كامل بين
أغلبية شرائح المجتمع الأمريكي من محافظين وليبراليين وعلمانيين، ما بين الصقور
والحمائم، وبين الجمهوريين والديموقراطيين على أهمية وضرورة واستمرارية الحرب على
الإرهاب. الخلاف فقط على التفاصيل وعلى بعض الأخطاء التي أرتكبت من قبل إدارة
الرئيس بوش.
ولن تتوقف الحرب على الإرهاب مع أي إدارة أمريكية قادمة فهي
استراتيجية أمن قومي، الخلاف فقط سيكون في إعادة تقييم الحرب والأولويات وبعض
الأدوات والآليات.
سابعا: لماذا لم تحدد أمريكا تعريفا للإرهاب؟
هذا في الواقع كلام غير صحيح. فأمريكا والأمم المتحدة حددت
بوضوح طبيعة كل العمليات التي توصف بأنها إرهابية وهناك أكثر من خمسة عشر قرارا
صدرت عن مجلس الأمن الدولي في هذا الخصوص .الذين يجادلون ويسفسطون حول المصطلح هم
بعينيهم الذين كانوا يقولون أن أمريكا أتهمت المسلمين في أحداث 11 سبتمبر بدون
دليل واضح "لاحظ الكلام عن بن
لادن وعصابته وكأنهم هم المسلمون"، ورغم العديد من الاعترافات الشخصية
المصورة لبن لادن وتفاخره بما قام به في 11 سبتمبر مازال البعض يجادل في مسؤوليته
عن هذه الأحداث، وانتقلوا من مسؤولية بن لادن إلى السفسطة حول تعريف مصطلح الإرهاب.
نفس الأصوات التي تجادل حول مصطلح الإرهاب هي عينها التي تدعم
وتدافع عن أحمدي نجاد وحزب الله وحماس وأبو مصعب الزرقاوي وتعتبر كل هذا
"مقاومة إسلامية" وأن هدف أمريكا القضاء على هذه المقاومة، في الوقت
الذي يصنف العالم كله الأفعال الجنونية والانتحارية وذبح البشر والرغبة في تصدير
الثورة الإيرانية العنيفة والتصادم مع العالم كل هذه عمليات إرهابية. وإذا لم يكن
ما يقوم به أبو مصعب الزرقاوي والدعاوي الإنتحارية لأحمدي نجاد عمل إرهابي فماذا
يمكن تصنيفها إذن؟.
وإذا لم يكن ذبح المدنيين الأبرياء، وقتل الصحفيين، وتفجير
السيارات، والأعتداء على دور العبادة، وخطف الرهائن، والقتل على الهوية، وتهجير
الاقليات وإضطادهم، وخطف وأغتصاب البنات والسيدات، وتفجير المنتجعات السياحية
ووسائل المواصلات، والتخفي وراء المدنيين في المعارك لتعريض حياتهم للخطر، والتمرد
على سيادة الدول وقراراتها لصالح عمليات انتحارية عبثية، ومحاولة تفكيك الدول
وتفجير الصراعات الطائفية العنيفة فيها، إذ لم يكن كل هذا إرهاب فما معني الإرهارب
إذن؟.
ثامنا: ألم تخرج فلسفة "صدام الحضارات" من الغرب عبر
كتابات هنتنجتون وغيره؟
هذا أيضا خطأ ، هناك فرق بين استشراف المستقبل وبين الدعوة إلى
الصدام. وإن لم يكن من مهام المحلل الإستراتيجي تحديد المخاطر المستقبلية فما هو
دوره إذن؟. هنتنجتون لم يدعو إلى صدام الحضارات وإنما حدد فقط طبيعة المخاطر
المستقبلية المحتملة. وأعتقد إنه نجح في ذلك.
الغرب الذي يعيش أوج تألقه وتقدمه واستمتاعه بالحياة لا يسعي
ولا يرغب في أي صدام يحد من هذه الرفاهية، ولكنه في نفس الوقت وللمحافظة على هذا
التقدم يعمل على استشراف المستقبل وتحديد المخاطر وكيفية مواجهتها، لأنه آثار عدم
المواجهة أشد فداحة على المجتمعات الغربية.
تاسعا: هل فشل العالم الإسلامي في مواجهة الإرهاب؟
الإجابة نعم. فكما ذكرت العديد من الكتابات فإن الحرب الرئيسية
هي داخل الإسلام والعالم الإسلامي. هي معركة فكر داخل هذا العالم والمسؤولية
الرئيسية فيها تقع على العالم الإسلامي.
ولكن العالم الإسلامي فشل في هذه الحرب الداخلية، حرب الأفكار
حرب الإصلاح الديني، حرب السيطرة على الإرهابيين، حرب الديموقراطية والحريات وحقوق
الإنسان، حرب نشر ثقافة الحياة، حرب الأنفتاح والتعاون الإيجابي على العالم.
كل ما تم تركز
على تقليص قدرة الإرهابيين في الوصول إلى الحكم، ولكنها لم تقترب من إيدولوجيتهم،
ولهذا انتشر الفكر المتطرف أكثر، وبات الإرهابيون يكسبون أرضيات جديدة كل يوم وهذا
يقودنا إلى السؤال التالى.
عاشرا: ماهى الأسباب وراء تفسير تفشى ظاهرة الإرهاب المتأسلم؟
منذ 11 سبتمبر 2001 طرح سؤال "لماذا يكرهوننا؟" ربما آلاف المرات وتطرقوا إلى
غياب الحريات والجهل والفقر وغياب المشاركة السياسية والأستبداد ...الخ، ورغم
وجاهة كل هذه الفروض وصحتها إلا أنها وقفت عاجزة عن تفسير ظاهرة الأرهاب المتأسلم
بشكل كامل، فسقط الفرض الذي ينسب الإرهابي إلى الطبقات الفقيرة وأصبحنا نري جل
الإرهابيين ينتمون إلى الطبقات المتوسطة والغنية بل والمترفة في الثراء. وسقط فرض
أنهم جهلاء فلا يمكن الإدعاء بأن أيمن الظواهري وعلى شاكلته الآف من الإرهابيين جهلة،
صحيح أن ثقافتهم مشوهة ولكنهم في النهاية ينتمون الى الطبقة المثقفة.
وسقط فرد الأمية فنحن أمام إرهابيين حاصلين على أعلى الدرجات العلمية ومن جامعات
عربية وغربية معروفة، وقد كتبت من قبل مقالة عن أختفاء الإرهابي الأمي.
وقد قام البنك الدولي بعد 11 سبتمبر باضافة إلى الحاجات
الأساسية الأربعة المأكل ، والمسكن، والتعليم، والصحة، حاجتين أساسيتين وهم العمل،
والمشاركة السياسية حتى هذه الفروض أيضا سقطت فالكثير من الإرهابيين يعملون
ويشاركون بمستويات مختلفة في العمل العام. وسقط فرض إنهم قادمون من دول مستبدة،
فثلاثة من إرهابي قطارات لندن الاربعة ولدوا وترعرعوا في ظل أعرق ديموقراطية في
العالم. وسقط فرض أنهم قادمون من دول إسلامية فأتضح أن منهم مولودين في دول غربية.
وسقط فرض أن أصولهم تنتمي إلى دول إسلامية فهناك أوربيون وأمريكيون تحولوا إلى
الإسلام وتجندوا في قائمة الإرهابين مثل جوني ووكر، وريتشارد ريد، وخوسيه باديلا.
بل وحتى سقط الشكل القديم للإرهابي الملتحي الذي يرتدي الزي الباكستاني والشبشب
فها هو محمد عطا وزياد الجراح وغيرهم يظهرون بمظهر الغربي في ملبسه وتصرفاته.
الفرض الوحيد الذي لم يسقط أنهم مسلمون يسيئون إلى دينهم وإلى
ملايين المعتدلين من أبناء ملتهم. إذن لماذا هم مسلمون؟.الأجابة لان العالم
الأسلامى على مدى قرون طويلة فشل فى
معركته الداخلية كما قلت وأجهض كل المحاولات العقلانية فى تفسير النصوص والتراث
الدينى وتحييد العنيف منها. فسقطت
المدرسة العقلانية فى تفسير النصوص من المعتزلة إلى بن رشد إلى محمد عبده.
وسقطت رؤية فصل الدين عن الدولة التى تبناها على عبد الرازق. وفشلت
الرؤية التى تفسر النصوص على أسس تاريخية ترتبط بزمانها وظروفها، وانتصر فى
النهاية التفسير الحرفى النصى الأصولى المتزمت المعادي للعقل والعلم والحداثة وللآخر.
وأخيرا: هل تغير وجه العالم منذ 11 سبتمبر؟
بالتأكيد نعم، وفي مناحي عديدة لا يتسع المجال لذكرها هنا،
والتغيير مستمر لأن المعركة مستمرة، فهناك دول ستتفكك ودول ستقوم وأنظمة ستسقط
وأنظمة أخرى تحل محلها وعالم جديد في طور التشكيل، ولكن ليس من المؤكد أنه سيكون
أفضل من عالم ما قبل 11 سبتمبر.
*كاتب وباحث مصري
11.09.2006
كارثة 11 سبتمبر وحكمة التاريخ
عبدالخالق حسين
تمر اليوم 11/9/2005، الذكرى الرابعة لكارثة 11 سبتمبر (أيلول)
التي أودت بحياة نحو ثلاثة آلاف إنسان بريء، والتي اعترفت قيادة منظمة (القاعدة)
الإرهابية بمسئوليتها عنها، ولم تخف بعض الجهات العربية والإسلامية شماتتها وفرحها
الساذج بها معتبرة إياها "نصر من الله وفتح قريب" للأمة الإسلامية على
"ملة الكفر". وهذه مناسبة للمراجعة والتأمل واستخلاص الدروس والعبر
ومناقشة أولئك الذين مازالوا يصرون على دعم الإرهاب بشكل مباشر أو غير مباشر، سواء
بالفتاوى الدينية أو الترويج والتبرير له إعلامياً.
نعتقد أن كارثة 11 سبتمبر هي واحدة من الزلازل التاريخية التي
تترك بصماتها على البشرية ككل، وهي من التقاطعات التي غيَّرت مسار حركة التاريخ.
سمّيه ما تشاء، مكر التاريخ أو حكمة التاريخ أو الفكرة المطلقة حسب تعبير هيغل،
المهم أنه رغم عشوائية الأحداث التاريخية الكبرى وعدم غائيتها، إلا إن المحصلة
النهائية هي في صالح البشرية وخيرها وإن الخط البياني لمسار التاريخ يتجه إلى
الأعلى وإلى الأمام upward and forward وهو ما نسميه بالتطور ونحو
الأفضل. وهذا لا يعني عدم حصول تعرجات وكوارث وتراجعات مؤقتة محلية وعلى المدى
القصير إثناء المسيرة التاريخية، كما يحصل الآن في العراق، ولكن على المدى البعيد،
فالبشرية تسير إلى الأمام ونحو التقارب والتلاقي بين الشعوب وانتصار الخير على
الشر والتقدم على التخلف والحضارة على الهمجية والعلم على الجهل والإنسانية على
الوحشية.
وحسب قراءتي لعدد من المصادر المهمة عن فلسفة وقوانين حركة
التاريخ، توصلت إلى قناعة بما قاله الوردي، أن الخير والشر هما ساقا البشرية نحو
التقدم، ولولا الشر لما عُرِفَ الخير. وعلى هذا الأساس، فكارثة 11 سبتمبر 2001
التي قامت بها منظمة (القاعدة) الإرهابية بضرب أمريكا في عقر دارها كان لها دور
إيجابي كبير في حماية البشرية من الإرهابيين وشرورهم، وفق مقولة (رب ضارة نافعة)
ودفع العملية الديمقراطية إلى الأمام في دول منطقة الشرق الأوسط.
هل العالم أكثر أمناً اليوم؟
هذا السؤال يطرحه بتكرار ممل معظم الكتاب الذين يضمرون العداء
والكراهية لأمريكا بصورة عامة ولرئيسها جورج دبليو بوش بصورة خاصة، وحتى المعارضة
الأمريكية للحرب على الإرهاب، يعتقدون أن العالم اليوم وبالأخص الغرب، أكثر تعرضاً
لخطر الإرهاب مما كان عليه قبل تحرير أفغانستان والعراق، ودليلهم على ذلك هو ما
حصل من تفجيرات في مدريد في العام الماضي، ولندن هذا العام، وما يجري من تصاعد
موجة الإرهاب في العراق وأفغانستان وأماكن أخرى من المعمورة. يحاول هؤلاء إقناعنا
والعالم أنه لولا حرب جورج بوش وتوني بلير على الإرهاب وإسقاط نظام البعث في
العراق، لكان العالم الآن أكثر أمنا وسلاماً.
لنفرض جدلاً بصحة ادعاءات هؤلاء ولو مؤقتاً. لنرى ماذا كان
سيحصل لو لم تتدخل أمريكا في إسقاط النظامين الفاشيين، الإسلامي الطالباني في
أفغانستان والبعثي في العراق وملاحقة الإرهابيين في كل مكان من العالم؟ وهل كان
هناك دول أخرى بإمكانها القيام بهذه المهمة غير الدولة العظمى؟
فمن نافلة القول أن للإسلاميين الأصوليين في منظمة القاعدة
أهدافاً ستراتيجية بعيدة المدى لا تقف عند حد، وقد قسموا العالم إلى فسطاطين لا
ثالث لهما وهما: فسطاط كفر وفسطاط إيمان، دار حرب ودار سلام، وإنهما في حالة حرب
إلى أن تقوم الخلافة الإسلامية وترفرف الراية الإسلامية على مقر الحكومة
البريطانية وقصر بكنغهام في لندن، وبالتالي في كل بقعة من العالم. ووفقاً لهذه
الأيديولوجية فجميع الناس من غير المسلمين هم مشاريع قتل وسبي ومصادرة ممتلكاتهم
وسبي نسائهم وأطفالهم وبيعهم في أسواق النخاسة كإماء وجواري وعبيد، ما لم يعلنوا
إسلامهم ووفق المذهب الذي يؤمن به أعضاء تنظيم القاعدة.
ولم تقف طموحات منظمة (القاعدة) وفروعها عند ضرب المجتمع
الغربي فحسب، بل غايتهم إسقاط جميع الحكومات العربية والإسلامية وإقامة أنظمة
شبيهة بإمارة طالبان في أفغانستان أو ملحقة بها. وما جرى في الجزائر من مجازر منذ
عام 1992 كان من أجل هذه الغاية أي لإقامة النظام الإسلامي وحكم الشريعة، وكذلك
المجازر التي تعرضت لها مصر، كلها حصلت قبل 11 سبتمبر 2001، تؤكد أهداف منظمة
القاعدة. ولهذا السبب نعتقد أنه لولا التدخل الأمريكي، لحققت (القاعدة) الكثير من
أهدافها وربما امتلكت أسلحة الدمار الشامل وعندها لم تستطع أي دولة عربية أو
إسلامية الوقوف بوجهها ولتساقطت هذه الدول، الواحدة تلو الأخرى، وصارت جزءً من
دولة الخلافة الإسلامية البنلادنية المنتظرة التي تملأ الأرض خراباً. وكلما استقوت
هذه الدولة الإرهابية توسعت نشاطاتها وضعفت الدول الأخرى. وبذلك لكان الإرهاب
شاملاً بشكل مروِّع لم تستطع أية دولة أخرى الوقوف بوجهه غير الدولة العظمى. لذلك
نعتقد أن ما يحصل الآن من إرهاب هو في حده الأدنى مقارنة بما لو لم تتدخل أمريكا
ضده.
تمويل الإرهاب
من الجدير بالذكر، أن هناك عدد كبير من الأثرياء العرب في
الخليج ومناطق أخرى في العالم وحتى بعض الحكومات العربية النفطية، يمولون هذه
المنظمات الإرهابية لأسباب مختلفة، منها أيديولوجية ومنها لتفادي شرهم مقابل عدم
قيام هذه المنظمات بأعمال إرهابية في بلدانها. ومنها سخرت وسائل إعلامها
وفضائياتها لخدمة الإرهاب فصارت بوقاً للإرهابيين ونشر أخبار "غزواتهم"
وبياناتهم والترويج لهم وتمجيد الأعمال الانتحارية بأنها أعمال بطولية جهادية
إستشهادية في سبيل الله والإسلام ضد الكفار. كذلك ساعدت هذه الجهات بفتح مصارف
وحسابات مالية لصالح الإرهاب منتشرة في مختلف أنحاء العالم تمتلك استثمارات هائلة
في الشركات الغربية وأسواق البورصة تدر على منظمة القاعدة بالأرباح الخيالية
لتمويل جرائمها وإدامة ماكنة إرهابها. لكن هذه السياسة ناتجة عن جهل وقصر نظر
وانتهازية، لأن في نهاية المطاف، لا يمكن استرضاء الإرهابيين ولو قدر لهم أن
ينتصروا، فإنهم سينقلبون حتى على الذين مدوا لهم يد المساعدة، ما لم يخضعوا لهم
بالكامل. إذن، ما هي الجهة التي لها القوة العسكرية والقدرة المالية والخبرة
الاستخبارتية والتكنولوجية لملاحقة ومطاردة منظمة القاعدة وفروعها الأخطبوطية
ومصارفها المالية المنتشرة في العالم غير أمريكا؟
هل فشلت أمريكا في حربها ضد الإرهاب؟
كذلك يروج عدد كبير من الكتاب العرب وغيرهم من خصوم أمريكا
الذين تعج بهم الفضائيات والصحف العربية والعالمية أن أمريكا فشلت في حربها ضد
الإرهاب كما فشلت في مهمتها في العراق وكأن أمريكا أعلنت استسلامها للإرهابيين
وانسحبت من العراق قبل إنجاز المهمة الأساسية ألا وهي بناء دولة عراقية ديمقراطية
مستقرة. إن أقل ما يقال عن هؤلاء أنهم يمنون أنفسهم ويرددون أفكاراً رغبوية wishful thinking وما
يتمنونه يتصورونه أنه قد حصل فعلاً، والتمني رأسمال المفلس. أنهم لا يدرون أو
يتعامون عن قصد أن لا أمريكا انسحبت من العراق ولا الحرب على الإرهاب قد انتهت.
فأمريكا تخطط في علاقتها مع العراق على أساس ستراتيجية سياسية وعسكرية بعيدة المدى
وكذلك يتفق معظم قادة الدول الغربية أن الحرب على الإرهاب هي مسؤولية الجميع وأن
الإرهاب هو دولي وليس هناك دولة في حصانة منه. فالحرب على الإرهاب مستمرة سواء في
عهد بوش أو الذي يليه ومن أي حزب كان. فالسياسة الخارجية للدول الديمقراطية
وبالأخص أمريكا وبريطانيا لن تتغير بتغير قادتها.
11 سبتمبر وبيرل هاربر
نقول، إن للتاريخ حكمته، وفي المحصلة النهائية لا يصح إلا
الصحيح ولصالح البشرية. في الحرب العالمية الثانية، كانت أمريكا بعيدة عنها، ولكن
غباء القيادة العسكرية اليابانية دفعها إلى ارتكاب حماقة القصف الجوي لبيرل هاربر
الأمريكية، الأمر الذي أخرج أمريكا من صمتها وعزلتها، فانطلقت غاضبة بكل جبروتها
وشاركت في الحرب بكل ثقلها وألحقت الهزيمة بدول المحور. حماقة العسكرية اليابانية
كلفت اليابان هزيمة مذلة وشنيعة وقصف مدنها، هيروشيما ونكازاكي، بالقنابل النووية.
ولولا التدخل الأمريكي في تلك الحرب الكونية لكان العالم اليوم محكوم بالنازية
الألمانية والفاشية الإيطالية والعسكرية اليابانية. ولكن أمريكا هي التي جعلت
أوربا واليابان تنعمان اليوم بالديمقراطية والحرية والازدهار الاقتصادي وألقت
الفاشية والنازية في مزبلة التاريخ كما حصل للقيطها البعث الفاشي في العراق. إن ما
حصل قبل ستين عاماً في بيرل هاربر وأدى إلى تغيير مجرى التاريخ نحو الأفضل، تكرر
يوم 11 سبتمبر 2001 عندما قامت منظمة القاعدة بحماقة ضرب البرجين في نيويرك ومبنى
البنتاغون، الكارثة التي أخرجت أمريكا من عزلتها بقوتها العظمى كالنمر الجريح لسحق
آفة الإرهاب والحكومات المارقة التي ترعى الإرهاب مثل حكومة طالبان وحكومة البعث
في العراق.
وبمثل ما كان قصف بيرل هاربر أخرج أمريكا لتلعب دوراً تاريخياً
في دمقرطة اليابان وأوربا وحمايتها من النازية، كذلك لعب الإرهاب الإسلامي دوراً
في جر أمريكا لدمقرطة المنطقة العربية. ليفهم المثقفون العرب المدمنون على العداء
لأمريكا والغرب وأصيبوا بعمى التعصب أنه لولا أمريكا لكانت الكويت وجميع دول
الخليج بما فيها السعودية خاضعة الآن لحكم صدام حسين الفاشي. ولولا أمريكا لكان
هناك المزيد من المقابر الجماعية في العراقية.
خلاصة القول، إن كارثة 11 سبتمبر 2001، كانت حماقة من
نتاج التخلف العربي-الإسلامي وكان رد الفعل الأمريكي في صالح البشرية عامة والعرب
بخاصة وخلاص الشعبين، الأفغاني والعراقي من أسوأ الأنظمة الفاشية، وإخراج شعوب
منطقة الشرق الأوسط الكبير من ظلام القرون الوسطى واستبداد الحكومات القبلية
المتخلفة إلى نور الحداثة والحضارة والديمقراطية.
كاتب عراقي
الحوار المتمدن - العدد: 1317
14/9/2005
مغزى وعواقب 11
سبتمبر