لماذا يكسب الطرح الإرهابي عقول ومشاعر الجماهير؟!

 

د. عبد الحميد الأنصاري

 

يعيش زعماء الأصولية في لندن - هذه الأيام - وضعاً صعباً مقلقاً، بعد أن اتخذت الحكومة البريطانية سلسلة من التشريعات والقوانين والإجراءات ووقعت عدة اتفاقيات وغيّرت بعض قوانين الهجرة، تمهيداً للتخلص نهائيا من الأصوليين الأجانب بتسليمهم الي بلادهم التي كانت تطالب بهم علي امتداد عقدين من الزمن، وأما بالنسبة الي مواطنيها المتشددين من أبناء البلاد الذين لا يمكن طردهم الي دولة أخري فستكون هناك إجراءات معينة تضع حدا لنشاطهم عبر ملاحقتهم واحتجازهم وتوجيه تهم الخيانة لهم، لسان حال بلير يقول الآن انتهت اللعبة، تلك اللعبة الطويلة التي بدأت قبل عشرين سنة من استضافة الأصوليين في العاصمة البريطانية باعتبارها قلعة التسامح في العالم، وبمقتضي هذا التسامح وتحت مسمي حق اللجوء الإنساني كانت بريطانيا تستقبل كل من هب ودب من المتطرفين والمنشقين والمعارضين والمناضلين ضد دولهم وكانت تحتضنهم وتؤمن لهم كل وسائل الراحة والحياة الكريمة وتحميهم وتحيطهم بالرعاية وتمنحهم الجنسية، وتدعهم يمارسون أنشطتهم ضد دولهم فيتلقون الأموال بهدف التخطيط والتآمر ضد أنظمة حكم عربية، وكانت لهم مطلق الحرية للتحريض وبث الكراهية عبر الخطب النارية ومراكز التطرف الإعلامية والمساجد والمدارس والمكتبات وفي وسط تجمعات أبناء الجالية الإسلامية في لندن فتكونت خلايا متطرفة وزوايا دينية متشددة استطاعت عبر عقدين من الزمن تغييب الوعي السياسي والديني لدي قطاع عريض من أبناء الجاليات الإسلامية، وتم شحن نفوسهم بمفردات الكفر والجهاد والولاء والبراء ومشروعية استخدام العنف باسم الدين، ومما ساعد علي ترويج ثقافة الكراهية والعنف تلك الفضائيات التي ما زالت تستضيف رموز التطرف لتجعل منهم نجوما جماهيرية تستقطب الشباب. بالأمس القريب، كان الأصولي السوري - عمر بكري - زعيم "المهاجرون" السابق و"الغرباء" حاليا، يصول ويجول عبر الفضائيات يهدد ويتوعد قائلا: إن بريطانيا أصبحت دار حرب، وفي هذه الدار لا يوجد شيء مقدس للكفار أو ممتلكاتهم، وأن النصر سيكون للقاعدة وفروعها في العالم وعلي المسلمين الانضمام إليها. وقد وصل الجحود ونكران الجميل لهذا البكري انه قال لو علمت بأن هناك مسلمين سيشنون هجمات في لندن فلن أبلغ عنهم هل هذا جزاء من آواه وآمنه من جوع وخوف؟! بريطانيا أعطت هذا البكري حق اللجوء منذ ان استقر بها هاربا من بلده سوريا منذ عشرين سنة ومنحته من المخصصات الاجتماعية (275) ألف جنيه، ولو بقي في بلده لاختفي من الوجود قبل عشرين عاما.. ولكن هذا الإحسان البريطاني لم يفلح في جعله إنسانا يعطي قيمة لحياة الآخرين وكأنما قُدَّ قلبه من صخر وأنت إذا أكرمت اللئيم تمردا. ها هو الزعيم المفوّه الذي طالما ركب موجة العنتريات وحرّض علي الجهاد يفر هاربا مذعورا الي لبنان بحجة زيارة والدته!! لماذا تذكّر والدته، الآن - بعد 20 عاما؟!

 

وهناك مجنون آخر اسمه بابر أحمد هو مهندس ميكانيكي من أصل باكستاني وهو معتقل الآن في بريطانيا حيث كان يدعو للعنف ويجمع الأموال للأصوليين، وحتي وهو موقوف ومن خلال أقاربه وأنصاره خارج السجن ينشيء موقعا الكترونيا اسمه azzani.com  للجهاد في سبيل الله ضد الغرب الكافر!!.

ونشر بعد احداث 11/9 رسالة طويلة امتدحت الأسود التسعة عشر. كيف أمكن لمهندس متعلم بشكل جيد في لندن ان يستحوذ على عقله شياطين الإنس فيتحول الي نشر طروحات الإرهابيين؟

وهناك المدعو "أبو قتادة"، السفير الروحي للقاعدة في أوروبا، وهو النموذج الأسوأ لمسلم يعيش في أوروبا. كل هذه الأمثلة الحية التي تقدم أسوأ النماذج عن المسلمين ثم يتساءل البعض منا: لماذا يخاف الأوروبيون الإسلام والمسلمين؟!.

الأسئلة المطروحة الآن: هل تستطيع لندن ترحيل هؤلاء الأصوليين الي بلادهم وقد يتعرضون لعقوبات الإعدام؟! الأمم المتحدة عبر الناطق الرسمي حول مسائل التعذيب حذرت لندن من ترحيل الأصوليين الي بلاد قد يواجهون فيها خطر التعذيب باعتباره يشكل خرقاً للقانون الدولي، ولحقوق الإنسان. ومنظمة هيومان رايتس ووتش بدورها أعلنت أن تدابير مكافحة الإرهاب في لندن تشكل خطرا علي الحريات وحذرت من طرد أي شخص قد يتعرض للتعذيب في بلاده حتي ولو كان خطرا علي الأمن القومي. وهناك انتقادات واسعة للتدابير الجديدة في الساحة البريطانية.

والسؤال الآخر المثار: لماذا سلكت بريطانيا سياسة استرضاء الإرهابيين بالرغم من التحذيرات المتكررة والمطالبات المستمرة بهم من قبل حكومات عديدة وعلي امتداد عقدين من الزمن؟! يقول الأمير تركي الفيصل انه علي مدي السنتين والنصف التي أقامهما في بريطانيا سبق وأن حذر الحكومة البريطانية ولكن تحذيراته لم تؤخذ بعين الاهتمام، ورغم مطالبة حكومته منذ العام 1996 بتسليمها الأشخاص إلا أنه دخل في حلقة مفرغة.

هل كانت لندن تعتقد أنها بسياسة الاسترضاء تحمي مصالحها كما فعلت وما زالت دول عربية وخليجية أم لأنها تري نفسها قلعة الحريات ولا بد لها من حماية حرية كل صاحب رأي وقضية؟! وهل التحريض علي القتل باسم الجهاد حرية رأي؟! يقول عبد الرحمن الراشد كانت الحرية في بريطانيا تعاقب المجرم بعد ارتكابه الجريمة وتترك له قبل ذلك أن يشرع في القتل، وكانت تسمح له بالدعاية والترويج والتنظيم والاستعداد ثم تتحرك فقط للقبض علي ضحاياه من الشباب المغرر بهم.

ويروي الراشد قصة طريفة وقعت في دولة عربية محبة للحريات، لم تعرف الإرهاب بعد. كان هناك خطيب يحرّض الناس علي الجهاد، فاشتكى المصلون، فزاره اثنان من المباحث بعد صلاة الجمعة، وطلبا منه ان يستعد للسفر، فقال: إلى أين؟! فقالا: للعراق حيث يمكنك الجهاد، والسفينة تنتظرك لتنقلك إلى أم القصر العراقي، وتكاليف رحلتك علينا. هنا بكى الإمام رافضا الجهاد ومتعهدا عدم العودة الي التحريض على الجهاد. (الشرق الأوسط 7/8).

ان استرضاء الإرهاب سواء باستضافة رموزه في الفضائيات، أو السماح لشخصيات دينية وقومية بإعطاء معاذير ومسوغات مجانية للإرهاب عبر تقديم ذرائع سياسية (فلسطين والعراق) أو تبريرها بوجود المظالم وسياسات القهر أو السياسات الاستعمارية أو الهيمنة الأمريكية أو حتى السماح للإرهابيين بالإقامة وحق اللجوء، كل ذلك يُعد سياسة خطرة ترتد علي أصحابها. وقد جرّبت دول عديدة في الشرق والغرب تلك السياسة عبر تقديم تنازلات لما يسمي الإسلام السياسي فمُنيت بعواقب وخيمة. الآن الظواهري يهدد الغرب بأهوال تفوق فيتنام وقد لبس عمامته السوداء إيذانا بإعلانه الحرب علي الغرب الكافر بقيادة أميره بن لادن وخليفة المسلمين ملا عمر. والسؤال: من نصب الظواهري ممثلا للإسلام وللمسلمين كما يقول تركي الدخيل ؟! ولماذا يسكت - علماء الإسلام - علي هذا المدعي؟! لماذا لا يصدرون فتاواهم الدينية الصريحة بتجريم بن لادن و الظواهري وقادة عصابة الإجرام؟! لماذا لم يُفتِ أحد حتى الآن بقتل بن لادن كما يقول النابلسي؟! لماذا لا تزال الساحة العربية متعاطفة مع طرح القاعدة ؟! - حسب آخر الاستطلاعات - لماذا لا يزال كثير من العلماء والمشايخ علي اعتقاد بأن وراء التفجيرات في العراق ولندن وأمريكا والبلاد العربية، الموساد أو المخابرات الأجنبية؟! - راجع تصريحات عبدالله المطوع رئيس جمعية الإصلاح في الكويت الذي يعتقد أن المسلمين أبرياء من العمليات الإرهابية وأن اليهود هم وراءها لضرب الإسلام!!

السؤال الأخطر والذي يشكل تحدياً لنا جميعا: لماذا يكسب الطرح الإرهابي العقول والقلوب والساحة الجماهيرية وبعض الفضائيات؟! ذلك هو التحدي الذي يواجه خطابنا التعليمي والدعوي والثقافي والإعلامي والسياسي ومع القضية التي يجب أن تشغلنا لنحمي مستقبل أولادنا.

*كاتب قطري

www.metransparent.com

20.08.2006

 

إطبـــــــع  ارسل الصفحة الى صديق إحفظ الصفحة