الحرب على "الإرهاب" ومشكلات التعامل مع "الدول الفاشلة"

 

أشرف راضي

 

السؤال الشاغل للرأي العام في العالمين العربي والإسلامي منذ بدء الحرب التي أعلنتها الولايات المتحدة على "الإرهاب" في أعقاب هجمات 11 سبتمبر أيلول عام 2001:  لماذا يدفع العرب والمسلمون ثمن هجمات تشتبه واشنطن في أنها من تدبير تنظيم القاعدة؟ وهو سؤال لا يثار بغرض البحث عن إجابات جادة. قإجابة هذا السؤال جاهزة، على الأرجح، في ذهن من يطرحونه. وإنما يطرح هذا السؤال كتعبير عن الإدانة والاستنكار للحرب التي تشنها الولايات المتحدة التي يرى كثير من العرب والمسلمين أنها حرب معلنة على الإسلام وليست حربا على "الإرهاب" كما تزعم إدارة بوش. ويشدد المدافعون عن وجهة النظر على أن الحرب التي تقودها واشنطن تدور في أفغانستان والعراق، كما يشددون على الاجراءات الأمنية المفروضة  ضد المسلمين في الولايات المتحدة وأوروبا تأييدا لوجهة نظرهم.

ولا ضير في أن يكون لمثل هذا الرأي أنصار ومدافعون في العالمين العربي والإسلامي وقد يكون هذا رد فعل مضاد للمدافعين عن نظرية صدام الحضارات/ الثقافات في دوائر الفكر اليميني والدوائر المحافظة في الغرب، التي تبحث بدأب، ومنذ انهيار النظام العالمي ثنائي القطبية ونهاية الحرب الباردة، عن بوصلة جديدة لتوجيه استراتيجية وسياسات المعسكر الرأسمالي الغربي بقيادة الولايات المتحدة. ورغم مسارعة البعض إلى التبشير بانتصار الرأسمالية ونهاية التاريخ وانتهاء المعارضة النظامية للنظام الرأسمالي العالمي الذي دخل في مرحلة توسع مدفوعا بقوى العولمة، خرجت أصوات من اليمين المحافظ في الغرب تحذر من عدو جديد لهذا النظام يتمثل في الإسلام. ومن هنا، وضع الأساس للمواجهة بين الإسلام والغرب، والتي تحركها قوى اليمين المحافظ في الغرب والقوى والحركات الأصولية الإسلامية التي تعمل في مشروع إحياء الخلافة الإسلامية بجناحيها العقائدي والجهادي.

ولم يكن مستغربا أن تتلقف دوائر الأصولية المحافظة والمتشددة نظرية صدام الحضارت والترويج لها أملا في أن يحقق لها ذلك عددا من الأهداف؛ في مقدمتها عزل الشعوب والمجتمعات الإسلامية عن تأثيرات الحضارة الغربية وما تنطوي عليه من تهديدات للعقيدة الدينية الإسلامية مكن وجهة نظرهم؛ تعزيز وضعها ومكانتها وهيمنتها على مجتمعات باعتبارها في طليعة القوى التي تتصدى لما ترى أنه هجمة صليبية معاصرة على الإسلام، منذ إنهيار الاتحاد السوفيتي، تقودها الولايات المتحدة. وربما كانت نظرية "الفسطاطين" التي بدأ أسامة بن لادن، زعيم القاعدة يروج لها بعد الهجوم على سفارتي الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا في عام 1998 تلخيص واف لموقف القوى الإسلامية الجهادية ورؤيتها للعالم.

ونظرية "الفسطاطين" نظرية فقهية تقوم على تقسيم العالم إلى دار كفر ودار إيمان، وتنظر إلى علاقة المسلمين بغير المسلمين من زاوية كونها علاقة إظهار وشهادة وهيمنة وهي خط ممتد من الشافعي والطبري وصولاً إلى المودودي وسيد قطب وابن لادن والجماعات الجهادية. وتتفق آراء الكثيرين على وجود توظيف متبادل لمفهومي "صراع الحضارات" الذي صاغه صامويل هنتنجتون و "الفسطاطين" الذي يرفع لواءه ابن لادن ومشايعيه، وأنهما واضح عن ايديولوجية واحدة تتبنى فكر الإقصاء ورفض الآخر والإيمان بنقاء الفكر واصطفائه مما يفضي بالضرورة إلى المواجهة الدموية.

والمشكلة أن هذه النظرة الإقصائية لا تقف عند حد إقصاء غير المسلمين بل تمتد لإقصاء المسلمين الذين يتبنون آراء مخالفة لما تعتبره الجماعات الجهادية صحيح الإسلام. ويتضح هذا من مراجعة الحوار على الانترنت حول صحة الحديث النبوي الذي تحدث الرسول فيه عن "الفسطاطين". الأمر ذاته يشمل أي رأي يذهب إلى أن العرب والمسلمين لا يدفعون ثمن تلك الهجمات بل يدفعون فاتورة تأخرهم وتخلفهم  يكون دائما موضع اتهام ويقابل برفض قطاعات واسعة من الرأي العام العربي والإسلامي دأبت، حتى أدمنت، تعليق أزمات المجتمعات العربية والإسلامية ودولها على عوامل خارجية، في مقدمتها الاستعمار، فضلا عن هيمنة نظرية المؤامرة على التفكير السائد في العالم العربي. وقد يكون من الضروري البحث عن منظور جديد يساعد على تقديم فهم أفضل لجدل العلاقة بين العالم العربي والإسلامي والغرب، ويخرج هذه العلاقة من دائرة المواجهة الدموية التي تدور تحت عنوان "الحرب على الإرهاب" إلى دائرة البحث عن أرضية مشتركة تساعد على التعاون بين. وهناك ضرورة لأن يساعد هذا المفهوم أيضا على تقديم رؤية صحيحة عن الذات وعن العالم، ويتعامل مع الطريقة التي ينظر بها العالم لمجتمعاتنا والتي تحدد سياساته.

منظور الدول الفاشلة

ولعل مفهوم "الدول الفاشلة" (failed and failing states) الذي بدأ يتردد على نطاق في أدبيات السياسة الدولية منذ تسعينات القرن المنصرم يساعد على وضع "الحرب على الإرهاب" ضمن سياق أوسع لتطور الفكر الاستراتيجي الغربي في أعقاب الحرب الباردة ورؤيته لدول العالم الثالث الفقيرة، ومن بينها الدول العربية والإسلامية من ناحية، وكذلك في سياق الأوضاع الراهنة لتلك الدول في ضوء الأزمات التي تعاني منها مجتمعاتها. والمفهوم كغيره من المفاهيم والمصطلحات العديدة التي تذخر بها ترسانة الفكر الاستراتيجي الأميركي والتي تسكها من حين لآخر الدوائر والمؤسسات المسئولة عن صناعة هذا الفكر وتعبر عن تصورات الإدارات الأميركية المتعاقبة للعالم.

وربما لم يحظ مصطلح "الدول الفاشلة" باهتمام إعلامي كاف وقد يرجع السبب في ذلك إلى تسليط الأضواء على مصطلح «محور الشر» الذي سكه الرئيس الأميركي جورج بوش ليصف به مجموعة الدول التي تناصبها إدارته العداء. ورغم أن مصطلح "الدول الفاشلة" ظهر في منتصف التسعينيات في سباق بحث واشنطن عن بوصلة جديدة لتوجيه سياستها الخارجية في عالم ما بعد الحرب الباردة إلا أن استخدام المصطلح شهد طفرة كبيرة مؤخرا وخصوصا في أعقاب هجمات 11 سبتمبر، وهو ما أثار العديد من التساؤلات حول مغزى هذا الاهتمام وهل يعبر عن تطور موضوعي في رؤية ظاهرة "الدول الفاشلة" باعتبارها تهديد الاستقرار والسلم العالميين أم تعبير عن مظهر جديد من مظاهر التدخل الأميركي في شئون دول العالم الثالث؟.

وسكت الإدارات الأميركية المتعاقبة العديد من المفاهيم منذ أوائل السبعينيات عبرت أغلبها عن عقائد مختلفة للتدخل في شئون العالم الثالث وتصور هذه الإدارات لطبيعة الصراع الدولي من ناحية ووفق الدور الذي يجب ان تقوم به. ومن بين هذه المفاهيم مفهوم "الصراعات منخفضة الشدة" الذي سيطر على التفكير والتخطيط الاستراتيجيين في عقدي السبعينيات والثمانينيات.

وابتداء من إنتهاء الحرب الباردة أواخر الثمانينيات ظهرت الكثير من التطورات من بينها تفكك حلف وارسو والكتلة الشيوعية والغزو العراقي للكويت وتفكك الاتحاد السوفييتي وانفجار القوميات في يوغوسلافيا السابقة وغيرها من دول متعددة القوميات وانتشار الصراعات العرقية والقبلية وسقوط العديد من الدول في الحروب الأهلية مما قلب رأسا على عقب طرائق التفكير الاستراتيجي في دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة. وظهرت خلال هذه الفترة العديد من المفاهيم مثل الدول المارقة Backlash States" " أو "Rogue States" والدول الخارجة على القانون الدولي "Pariah "State وهي مفاهيم استخدمت غالبا للإشارة إلى مجموعة من الدول التي تدخل في صدام مع الولايات المتحدة.

غير أن انتشار الصراعات العرقية والقبلية والحروب الأهلية في العديد من الدول لا سيما الدول الفقيرة في أفريقيا وآسيا وضع الولايات المتحدة والغرب في مواجهة ظاهرة جديدة في سياق تدخلها العسكري سواء في الصومال «1992 ـ 1994» وهاييتي «1994» والبوسنة «1995» وكوسوفو «1999» وأحدث هذه التدخلات كان في أفغانستان منذ عام 2001 والعراق منذ عام 2003. والى جانب هذه التدخلات العسكرية الأميركية هناك العديد من التدخلات الأخرى التي قادتها دول أوروبية أو أفريقية في حروب ومناطق اشتعال أخرى مثل سيراليون وليبريا والكونغو الديمقراطية وتشاد وإندونيسيا «تيمور الشرقية». وهناك تدخلات أخرى أقل حدة في العديد من مناطق العالم. ومن المتوقع أن تزداد هذه التدخلات في المستقبل في إطار الحرب التي تقودها الولايات المتحدة "لإرهاب" والتي تمتد لمناطق كثيرة في العالم لا سيما في آسيا والشرق الأوسط.

بدأ مصطلح «الدول الفاشلة» يظهر في منتصف التسعينيات على أيدي مجموعة من الباحثين في الولايات المتحدة وأوروبا وروجت له مؤسسات أكاديمية عسكرية في الولايات المتحدة وظهرت عشرات الأوراق البحثية والدراسات التي اهتمت بالظاهرة خصوصا بعد انتهاء التدخل الأميركي في الصومال في عام 1994 دون تحقيق النتائج المرجوة منه وبعد أن تعرض الجنود الأميركيون لهجمات من الجماعات المسلحة الصومالية في وقت ثارت فيه تساؤلات كثيرة حول مصير التدخلات المماثلة التي اندرجت تحت عنوان «التدخل الإنساني» والذي يشير إلى توفير قوة مسلحة لتمكين الأمم المتحدة من أداء مهامها في مجال تقديم المساعدات الإنسانية الغذائية والطبية للمجتمعات في المناطق التي تشهد صراعات مسلحة وتشكل تهديدا لهذه المهام.

كما نظمت مؤتمرات للباحثين في جامعات ومؤسسات أبحاث أميركية لبحث هذه الظاهرة وانعكاساتها على الأمن الدولي وعلى المصالح الأميركية. ومن أهم هذه المؤتمرات الندوة التي نظمتها جامعة بوردو Purdue الأميركية في ربيع عام 1999. وظهر المصطلح أيضا في مئات التقارير الإخبارية وفي كثير من الكلمات والتصريحات التي أدلى بها مسئولون أميركيون. وعلى سبيل المثال أشارت مادلين اولبرايت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة في كلمة لها في سبتمبر عام 1997 إلى أن الدول الفاشلة واحدة من بين أربع مجموعات من الدول ظهرت في مرحلة ما بعد الحرب البادرة. والمجموعات الثلاث الأخرى هي الدول التي تعمل في إطار النظام الدولي والدول المارقة الخارجة على النظام الدولي وأخيرا الدول الانتقالية Transitional States وهو مصطلح آخر جديد يحتاج إلى تسليط الضوء عليه، بشبر إلى الدول التي تمر بحالة انتقالية وتقف على مغترق طرق بين أن تصبح دولا مستقرة أو تتحول إلى دول فاشلة.

بيد أنه في أعقاب هجمات 11 سبتمبر ظهرت آراء في الولايات المتحدة والدول الغربية الأخرى في إطار محاولات الوقوف على حقيقة دوافع منفذي الهجمات وامتدت هذه الجهود للبحث عن جذور الإرهاب في الدول التي جاء منها المنفذون ومسئولية الولايات المتحدة والغرب إزاء هذه الدول. وذهب أصحاب هذه الآراء إلى القول بان هذه الأسباب ترجع في المقام الأول إلى فشل النظم السياسية في تلك الدول في تلبية المطالب الأساسية لقطاعات عريضة من مجتمعاتها ودعوا إلى ضرورة أن تتصدى الولايات المتحدة لهذه المشكلة في إطار استراتيجية الحرب على "الإرهاب".

واكتسبت هذه الآراء أهمية خاصة مع تلميح كبار المسئولين في إدارة بوش إلى ضرورة التدخل قي عدد كبير من الدول في إطار الحرب على الإرهاب. وعلى سبيل المثال حذر ديك تشيني نائب الرئيس الأميركي في نوفمبر تشرين الثاني الماضي من أن أميركا قد تتحرك ضد دول يتراوح عددها بين 40 دولة و50 دولة في إطار الحرب التي تشنها على الإرهاب.

وتعبر هذه الآراء عن تحول في التفكير الأميركي في التعامل مع ظاهرة الدول الفاشلة حيث يلاحظ وجود ميل لتوسيع منهج التعامل ليشمل دولاً على طريق أن تصبح دولا فاشلة Failing States للحيلولة دون فشلها مما دعا بعض الباحثين إلى الحديث عن طبيعة جديدة لفشل الدول كما طرح على قائمة البحث قضايا جديدة أفردت لها مجلة فصلية واشنطن The Washington Quarterly التي يصدرها مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بالعاصمة الأميركية ملفا خاصا في عددها الصادر في صيف 2002 ملفا خاصا.

وبقول روبرت رو تبرج مدير برنامج الصراع بين الدول في مدرسة كنيدي ورئيس مؤسسة السلام العالمي نظرا لان الدول الفاشلة تستضيف وتأوي فاعلين من غير الدول كأمراء الحرب والإرهابيين يكون فهم القوى المحركة وراء فشل الدولة القومية رئيسيا بالنسبة للحرب على الإرهاب. وبالتالي تحظى تقوية الدول الضعيفة في العالم النامي باهتمام ملح جديد.

ملامح الدولة الفاشلة

كتب رو تبرج في المقالة الرئيسية بعنوان الطبيعية الجديدة لفشل الدولة القومية والمنشورة ضمن ملف فصلية واشنطن المذكور يقول أن الدولة القومية تفشل لأنها لم تعد قادرة على توصيل سلع سياسية إيجابية لشعوبها. ويقصد بالسلع السياسية خدمات الأمن والتعليم والصحة والفرص الاقتصادية والرقابة البيئية وإطار قانوني للنظام العام ونظام قضائي لإدارتها ومتطلبات البنية الأساسية الضرورية من طرق واتصالات. ويعد الأمن أكثر السلع السياسية أهمية لحياة الناس وأشهرها.

ويضيف رو تبرج وهو محرر لكتاب جديد بعنوان الدولة الفاشلة والدولة الضعيفة في عصر الإرهاب «أن» الحكومات في تلك الدول تفقد شرعيتها بل أن الدولة ذاتها تصبح غير شرعية في أعين قطاعات متنامية من مواطنيها. ويشير إلى انه بينما يمكن تصنيف عدد قليل جدا من الدول الآن بأنها فاشلة أو منهارة وهي المرحلة النهائية للفشل إلا أن هناك عشرات الدول الضعيفة والمرشحة جديا للفشل.

أي أن الدول في طريقها للانهيار تمر بثلاث مراحل هي مرحلة الضعف ثم مرحلة الفشل وأخيرا مرحلة الانهيار. فكيف نميز إذا بين الدول الضعيفة والدول الفاشلة؟ أو بعبارة أخرى، ما هي مؤشرات فشل الدولة؟ يرى روتبرج أن الدول الفاشلة متوترة وتشهد صراعا شديدا وتخوض الفصائل المتحاربة بها حروبا خطيرة ومريرة. وفي معظم الدول الفاشلة تحارب القوات الحكومية متمردين مسلحين وأحيانا تواجه السلطات الرسمية في تلك الدول أكثر من تمرد مسلح في وقت واحد ومجموعة من الاضطرابات المدنية ودرجات متفاوتة من السخط الاجتماعي وطائفة كبيرة من أشكال المعارضة الموجهة للدولة أو لجماعات داخل الدولة. ويشير إلى أن ما يحدد ما إذا كانت الدولة فاشلة ليس شدة العنف وانما الطبيعة المستمرة لذلك العنف كما هو الحال في دول مثل أنغولا وبوروندي والسودان. وكذلك توجيه هذا العنف نحو الحكومة أو النظام القائم والطبيعة النشطة للمطالب السياسية أو الجغرافية بتقاسم السلطة أو الاستقلال التي تضفي عقلانية على ذلك العنف أو تبرره.

والفشل يهدد الدولة القومية عندما يتحول العنف إلى حرب داخلية شاملة وعندما تتدهور مستويات المعيشة بشدة وعندما تتحلل البنية التحتية للحياة العادية وعندما يطغى جشع الحكام على مسئولياتهم عن توفير شروط افضل لحياة مواطنيهم.

ويشير رو تبرج إلى أن الحروب الأهلية التي تميز الدول الفاشلة تنجم عادة من حالة عداء عرقي أو ديني أو لغوي أو غيره من أشكال العداء فيما بين الجماعات أو أن جذور هذه الحروب تنبت في حالات العداء هذه. ويقول انه لا توجد دولة فاشلة لم تعرف شكلا من أشكال عدم الانسجام بين جماعاتها. فعدم الانسجام بين الجماعات داخل الدولة سمة ملازمة للدولة الفاشلة.

وأحد المؤشرات التي تقيس مدى فشل الدولة هو مدى المساحة الجغرافية التي تسيطر عليها الحكومة سيطرة حقيقية والى أي مدى تحكم الحكومة المركزية قبضتها على القرى والمناطق الريفية والطرق والممرات المائية ومن الذي يسيطر بالفعل على المناطق النائية في الدولة. وفي معظم الحالات التي يحكمها العداء العرقي أو الأشكال الأخرى من العداء أو إحساس النظام بعدم الأمن ومن المؤشرات الأخرى على فشل الدولة تنامي العنف المرتبط بالجريمة حيث تضعف سلطة الدولة وتعجز وحيث ترتكب الدولة جرائم في قهرها لمواطنيها وتصبح الحالة العامة لغياب القانون سائدة. ويتحول المواطنون إلى أمراء الحرب أو لشخصيات أخرى على أساس من التضامن العرقي أو العشائري طلبا للحماية.

كما تحتوي الدول الفاشلة على مؤسسات ضعيفة أو معيبة وغالبا فان المؤسسات التنفيذية فقط هي المؤسسات العاملة أما المؤسسات التشريعية، إن وجدت، فإنها تبصم فقط على قرارات المؤسسات التنفيذية والنظام القضائي تابع للسلطة التنفيذية ويعرف المواطنون انهم لا يستطيعون الاعتماد على المحاكم لانصافهم خاصة أمام الدولة. والجهاز البيروقراطي في هذه الدول فقد ومنذ زمن بعيد إحساسه بالمسئولية المهنية وهو موجود فقط لتنفيذ أوامر المؤسسات التنفيذية ولقهر المواطنين. ربما يكون الجيش في الدول الفاشلة هو المؤسسة الوحيدة التي تتمتع بقدر من السلامة لكنه مسيس بشدة ومعنويات أفراده لم تعد مرتفعة. والبنى الأساسية في الدول الفاشلة إما أنها متدهورة أو أنها دمرت بالفعل. كما أن الخدمات التعليمية والصحية في هذه الدول إما جرت خصخصتها أو أنها تدهورت إلى مستويات لم يعد بالإمكان إصلاحها. وفي بعض حالات الدول الفاشلة المفتتة فان هذه الخدمات تقدم في مناطق دون غيرها كما هو الحال في السودان مثلا. ولا تقدم الدول الفاشلة فرصا اقتصادية متماثلة لمواطنيها حيث تصبح هذه الفرص حكرا على حكام هذه الدول دون محكوميها مما يؤدي إلى تفاوت شديد في الدخول والثروات. ويزدهر الفساد في الدول الفاشلة ويصل إلى مستويات غير عادية ومدمرة. كما ينتشر على نطاق واسع الفساد الصغير حيث يحصل الموظفون تقريبا على مقابل لكل خدمة يقدمونها للمواطنين. والتراجع الحقيقي لنصيب الأفراد من الدخل المحلي الإجمالي أحد مؤشرات وان لم يكن سببا لفشل الدولة. ولا يقف الأمر عند هذا الحد إذ تعاني الدول الفاشلة أيضا من كوارث بيئية ومجاعات.

كما تفشل الدولة أيضا عندما يصبح المواطنون أقل ولاء للدولة. وعندما ينظر إلى الحكام على انهم يعملون من أجل أنفسهم وذويهم وليس من أجل الدولة ساعتها تتآكل شرعيتهم وشرعية الدولة حيث تصبح حكرا على جماعة أو طبقة دون غيرها ويصبح المواطنون أكثر ولاء للجماعات العرقية أو العشائر التي ينتمون إليها أو لغيرها من جماعات.

والدولة المنهارة وهي شكل متطرف للدولة الفاشلة تتميز بغياب تام للسلطة وتصبح الدولة مجرد تعبير عن كيان جغرافي بقعة سوداء غاب فيها المجتمع. وعندما انهارت الدولة في بلدان مثل الصومال ولبنان وأفغانستان قبل عقد وسيراليون في التسعينيات تولى السلطة فاعلون غير الدولة وسيطروا على مناطق ومناطق فرعية بنوا فيها أجهزة أمنهم المحلية وأسواقهم وغيرها من ترتيبات تجارية وربما أقاموا أشكالا من العلاقات الدولية ولكن لها بعض مظاهر الدولة رغم انهم لا يتمتعون بالشرعية. لكن في الدولة المنهارة يسود انعدام النظام والسلوك الشاذ وأنواع من طرق التفكير الفوضوية وتجارة المخدرات والأسلحة التي تتكامل مع شبكات الإرهاب.

دول أم مجتمعات فاشلة؟

ورغم انطباق بعض هذه السمات على الدولة الضعيفة وربما على كثير من بلدان العالم الثالث التي فشلت في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبشرية عموما إلا أن رو تبرج يشير إلى أن هذه المؤشرات تنطبق على سبع دول فقط في العالم خلال العقد الأخير هي أفغانستان وأنغولا وبوروندي وجمهورية الكونغو الديمقراطية وليبيريا وسيراليون والسودان. وإلى جانب هذه الدول هناك دولة واحدة فقط منهارة هي الصومال.

إلا أن هذا الوضع يطرح العديد من التساؤلات ليس فقط على الدول الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة التي تخشى على مصالحها وأمنها في عالم به عدد كبير من الدول المرشحة للانهيار وأخرى في الطريق إلى أن تصبح دولا فاشلة قبل انهيارها وانما على أبناء هذه الدول أنفسهم. وإذا كان الرأي السائد في الغرب أن الحكومات تتحمل المسئولية الأكبر عن أسباب فشل الدولة القومية في العالم الثالث فعلينا أن نتساءل نحن عن مسئوليتنا كمجتمعات وشعوب عن هذا الوضع الذي يطرح التدخل الخارجي كأحد الاحتمالات لمنع الدول الفاشلة من الانهيار. علينا أن نتساءل هل أصبحنا في الخانة التي أسماها مفكر الحضارة الجزائري مالك بن نبي "القابلية للاستعمار"؟

إن الهروب من مواجهة هذا السؤال وبصراحة شديدة، والتركيز على العوامل الخارجية وتجاهل العوامل الداخلية المسؤولة عن هذا الوضع جزء رئيسي من المشكلة، كما أنه يحول دون التعامل الجاد معها بهدف إيجاد حلول عملية للتعامل معها. وقد بغري الاختلال الشديد في التوازن بين الدولة بأجهزتها وموسساتها في جانب والمجتمع وقواه المنتجة في الجانب الآخر في الكثير من الدول العربية، بالميل إلى إعفاء المجتمع من أي مسؤولية، إلا أنه من الصعب تصور أن هناك مخرجا من هذا المأزق دون تصحيح هذا الخلل وإعادة تأسيس الدولة على ركائز إجتماعية متينة. أي أن تقوية المجتمع وقواه المنتجة في مواجهة الدولة، وربط استقراره ورفاهيته بقوة الدولة وسلطتها وليس بتسلطها، شرط  رئيس للحيلولة دون فشل الدولة في العالم العربي والإسلامي.

وتغدو هذه المسألة ملحة، خاصة وأن عددا لا بأس به من الدول العربية والإسلامية مدرجة في قائمة الدول على طريق الدولة الفاشلة. ورغم الاستقلال النسبي الذي تتمتع به الدول العربية في مواجهة القوى الاجتماعية، إلا أن عجز الدولة عن تلبية الحاجات الأساسية المشار إليها، فضلا عن مسؤوليتها في تعميق الاختلال في توزيع الثروة والدخول نظرا لهيمنتها على الموارد والطاقات الانتاجية من  خلال ملكيتها المباشرة أو عبر التشريعات التي تقيد القطاع الخاص، يجعلها تنظر دائما نظرة شك في مجتمعها حيث يتعمق إنعدام الثقة المتبادل بين الطرفين على نحو يحول دون وقف إنزلاق الدولة نحو مرحلة الدولة الفاشلة نتيجة لعجزها عن وقف تدهور مجتمعها وإضعافه.

ولا توجد لدى القوى الخارجية حلول لهذه الأزمة على ما يبدو، نظرا لجسامة مهمة بناء الدولة والمجتمع من ناحية، ولإنعدام القدرة على حشد الموارد اللازمة لهذه المهمة. ومن لا مخرج من هذه الأزمة إلا بالاعتماد على القوى الذاتية للمجتمع والدولة. غير أن حدة الإنقسامات الاجتماعية التي قد يكون لها أبعاد طائفية أو عرقية بالإضافة إلى آبعادها الطبقية وشدة التناقض بين مصالح القوى الاجتماعية المختلفة يحول دون  ذلك. ومن ثم، فإن الأزمة مرشحة للاستمرار والتفاقم في ظل تقاعس القوى الخارجية.

البناء ليس مسئوليتنا

أثناء الإعداد للحملة العسكرية على أفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر قال الرئيس الأميركي جورج بوش أن الولايات المتحدة ليست بصدد عملية لبناء الدولة في أفغانستان. ولهذا التصريح صلة وثيقة بالجدل الدائر في الولايات المتحدة والغرب عموما حول كيفية التعامل مع الدول الفاشلة.

ويكشف الجدل حول كيفية التعامل مع الدول الضعيفة والفاشلة عن وجود توجهين أساسيين. فهناك من يمكن اعتبارهم أنصار ما يسمى بالحلول الإمبريالية لمشكلة الدول الفاشلة وأنصار المداخل التنموية. وتجدر الإشارة إلى أن الجدل الدائر داخل كل توجه على حدة يفوق أهمية الجدل الدائر بين الفريقين من حيث أنه يكشف عن القيود الخاصة بالبدائل المختلفة التي يقترحها أنصار كل فريق بقدر ما يكشف عن فرص تحقق هذه البدائل وصياغتها في برامج وخطط وقرارات.

ومن الواضح أن الرئيس الأميركي باستبعاده اضطلاع الولايات المتحدة بأي مهام لبناء الدولة في أفغانستان عند الإعداد للحملة العسكرية استبعد ما أسماه سيباستيان مالابي الكاتب والمحرر في صحيفة «واشنطن بوست» البدائل غير الإمبريالية لمعالجة الحالة الأفغانية وغيرها من حالات الدول الفاشلة؛ أي انه لم يحبذ المداخل التنموية.

إلا أنه يصعب القول رغم هذا بأنه تبنى وبشكل كامل الحل الإمبريالي الأمر الذي يتضح من الهدف الذي أعلنه للحرب في أفغانستان وهو إرغام نظام طالبان على تسليم أسامة بن لادن ومقاتلي القاعدة الذين تشتبه واشنطن في أنهم مدبرو هجمات سبتمبر . بل أن سلوك الإدارة الأميركية اللاحق يعبر عما اسماه مالابي في مقالة منشورة في عدد مارس ـ أبريل 2002 من مجلة «فورين افيرز» بالإمبريالية المترددة Reluctant Imperialism.

إلا أن التطورات اللاحقة في أفغانستان والتي تمثلت في الانهيار السريع لنظام طالبان أمام قوات التحالف الشمالي المعارضة التي استفادت من حملة القصف الجوي الأميركية لشن هجوم بري ثم اتفاق فصائل المعارضة الأفغانية في التحالف الشمالي وخارجه على صيغة ما بعد طالبان وهروب ابن لادن وكبار قادة تنظيم القاعدة والتفكير في المرحلة التالية للحرب على "الارهاب" تشير إلى أن الجدل حول سبل التعامل مع الدول الفاشلة ومنع دول أخرى من الفشل لا يزال مستمرا.

وربما يكون من المهم استعراض الجدل الذي دار حول التعامل مع الدول الفاشلة قبل هجمات 11 سبتمبر وبعدها للكشف عن الاتجاهات التي من المتوقع أن يسير فيها الجدل الدائر والتأثيرات المتوقعة على السياسة الأميركية تجاه الدول الفاشلة في المدى القريب والمدى المتوسط أي خلال السنوات الخمس المقبلة.

تركز الجدل الدائر حول كيفية التعامل مع الدول الفاشلة منذ مطلع التسعينيات وحتى هجمات 11 سبتمبر 2001 على تأثير هذه الدول على الأمن الإقليمي وخصوصا أمن الدول المجاورة وعلى الأمن العالمي. فالمؤتمرات التي نظمتها جامعة بورديو الأميركية حول الدول الفاشلة منذ عام 1999 ركزت ،على سبيل المثال، بشكل خاص على هذه القضايا. ومن ثم اعتبر تنامي أعداد الدول الفاشلة الفعلي والمتوقع من المظاهر التي تحظى بأهمية رئيسية للمجتمع الدولي ولجهوده لتدعيم السلم والأمن.

إلا أنه بعد الهجوم على سفارتي الولايات المتحدة في نيروبي ودار السلام في عام 1998 والتي اشتبه في أن تنظيم القاعدة هو العقل المدبر لها بدأ يتزايد الاهتمام ببحث تأثير هذه الدول الفاشلة على مصالح الولايات المتحدة وأمنها المباشرين. وأعطى هذا الاهتمام في حد ذاته قوة دفع هائلة للنقاش سواء على المستوى الأكاديمي الصرف أو على المستوى الأكاديمي المرتبط بمؤسسات صنع القرار. كما انتقل النقاش من مجرد الاهتمام بتشخيص وتعريف الدولة الفاشلة وتحديد تأثيراتها إلى الاهتمام بأساليب التعامل معها.

ويمكن القول بأن أنصار التوجهات المختلفة حريصون على التمييز بين الأهداف المطلوب تحقيقها من التعامل مع المشكلات المختلفة التي تطرحها ظاهرة الدولة الفاشلة. ويميزون بين أهداف طموحة وطويلة الأجل يسميها البعض أهدافا استراتيجية تتصدى للأسباب الرئيسية والجذرية لفشل الدول وتستهدف تمكينها من أن تحكم بطريقة سليمة من جديد وبين أهداف أقل طموحا قصيرة الأجل ومتوسطة الأجل تستهدف التعامل مع الجوانب الإنسانية المترتبة على فشل الدول. إلا أن النظر إلى هذه المخاطر اتسم بالتعميم وبقدر من الغموض الناجم عن عدم الحديث عن مصادر تهديد عملية ٌoperational وبالتالي تميز النقاش بغلبة الطابع الأكاديمي. وان تضمن النقاش توصيات سياسية في كثير من الأحيان إلا أنه كان هناك تركيز على ما يسمى بالحلول الاستراتيجية طويلة الأجل.

كذلك كان هناك إبراز أكبر للصعوبات والتحديات التي تنطوي عليها البدائل السياسية المختلفة واهتمام اقل ببحث كيفية تذليل هذه الصعوبات. ويرجع ذلك الى حساب التكلفة والعائد في كل حالة على حدة. حيث ينظر دائما إلى أن تكلفة التعامل مع هذه المشكلة كبيرة للغاية ويزداد حجم التكلفة ضخامة في ظل عدم وضوح العائد من ناحية وعدم التأكد من تحقيق النتائج المرجوة من ناحية ثانية. وربما يتضح هذا الأمر أكثر عند بحث الموقف من الدول التي لم تصل بعد إلى مرحلة الفشل.

بين استحالة التنمية والتدخل الخارجي

بداية يصعب القول بوجود خط فاصل بين أنصار المداخل التنموية وأنصار الحلول الإمبريالية للتعامل مع الدول الفاشلة في مرحلة ما قبل هجمات سبتمبر . بل يلاحظ وجود قدر كبير من التداخل في وجهات نظر الفريقين. فهناك من بين أنصار المداخل التنموية من يعتقد أن هذه البدائل ملائمة بسبب عدم ملاءمة البدائل الأخرى الخاصة بالتدخل أو لارتفاع تكلفتها أو عدم جدواها بسبب النظام الدولي الراهن القائم على أساس دول ذات سيادة.

وتجدر ملاحظة ما يطرحه جورج سورنسن أستاذ العلوم السياسية في جامعة أرهوس بالدنمارك في هذا الصدد. ففي ورقة له بعنوان «التنمية في الدول الضعيفة والفاشلة» قدمها للمؤتمر الذي نظمته جامعة بورديو الأميركية في عام 1999 أشار إلى أن بعض الشروط المسبقة للتنمية غائبة في الدول الضعيفة والفاشلة. وأن التنمية لن تتحقق على نطاق كبير ما لم يكن ممكنا توفير هذه الشروط. والافتراض الضمني وراء ذلك هو انه قد لا يكون ممكنا دائما توفير هذه الشروط المسبقة للتنمية. فالدول الضعيفة تعاني من العديد من اوجه النقص من اقتصادية وأخرى سياسية تتعلق بمؤسسات الدولة وشرعيتها لدى الجماهير من ناحية وضعفها وافتقارها إلى القدرة والكفاءة والموارد من ناحية ثانية. ومن جهة أخرى فان السلطة في هذه الدول مركزة غالبا في أيدي نخب الدولة التي تستغل مواقعها لتحقيق مكاسب شخصية وهذا سبب رئيسي لغياب الشرعية.

ويرى سورنسن أن الدول الضعيفة والفاشلة تعاني من نوع خاص من الاستئثار باستقلال الدولة وهو ما يسميه الاستقلالية الأسيرة. فالدولة في هذه الحالة تكون مستقلة بمعنى أنها غير مقيدة بدرجة كبيرة بقوى داخلية خارج جهاز الدولة وأسيرة بمعنى أن النخبة المسيطرة على الدولة تستغل تلك السيطرة لإفادة مصالحها الضيقة. أن ذلك النوع من السيطرة يعد مشكلة حقيقية بالنسبة للتنمية.

لكن إذا كان هناك غياب للقيود الداخلية على الحاكم فماذا عن السياق الدولي؟ يرى سورنسن انه غالبا ما يقلل المتخصصون في الاقتصاد السياسي من أهمية الاستقلال الرسمي للدولة رغم انه يمنح الحاكم قدرة على المساومة. وهذا ما يفسر السبب في أن الضغوط الخارجية تكون عاملا يحد من التنمية أحيانا (كما في حالة زائير في عهد موبوتو) وتكون عاملا مشجعا على التنمية في أحيان أخرى (حالة تايوان).

فالضغوط الخارجية أو القيود التي تقلص الاستقلال الكامل للدولة ليست سلبية أو غير مثمرة بالضرورة. ففي ظل غياب القيود الداخلية فان الضغوط أو القيود الخارجية تكون هي القوة الوحيدة المتبقية لفرض النظام. وإذا عجزت القوى الداخلية عن ضبط الدولة فان القوى الخارجية في حاجة لان تضطلع بالمهمة. ويكون البديل لتقاعس قوى الضغط الخارجية عن التدخل هو النهب أو التنمية السيئة.

ويقلل سورنسن من أهمية وجدوى المساعدات الخارجية. ويرى أنه لا يمكن تصور أن يكون الدعم اكثر من شريحة ضئيلة من موارد الدول القوية الرئيسية. ومن ثم فان الحد الأقصى للضغط الخارجي يمكن أن يعني صياغة أو إعادة صياغة التهديد الخارجي بأساليب اكثر تأثيرا. ويعني هذا عمليا أن يقبل المجتمع الدولي بانفصال بعض الجماعات عن الدول القائمة وقيام دول جديدة على نحو اشد وضوحا من أي حالة سابقة على الآن.

والخلاصة التي ينتهي إليها سورنسن هي أن الضغط الخارجي في مجتمع الدول ذات السيادة خاضع لقيود مصدرها حقيقة أن الاعتبارات المتعلقة بالمصالح القومية والقانون الدولي ستكون متضمنة. وعليه فان التدخل الخارجي وان كان مطلوبا بشدة إلا انه لن يحدث دائما على النحو الأمثل. ففي عالم الدول ذات السيادة فان الضغوط المطلوبة لضبط الدولة لا بد أن تأتي غالبا من مصادر داخلية. وبغض النظر عن بعض الآراء الفجة التي تنظر إلى التدخل بالمنطق نفسه الذي تعاملت به القوى الاستعمارية في مطلع القرن العشرين والتي تدخلت لملء فراغ السلطة فيما اصبح بعد مستعمراتها فان أنصار الحلول الإمبريالية ينطلقون جميعا من مبدأ عبء الرجل الأبيض الذي يتصور أن هناك مسئولية للدول المتقدمة والغنية عن فرض النظام العام داخل الدول الفاشلة.

بيد أن هذا الرأي كان أقل وضوحا في النقاش في المرحلة السابقة على هجمات سبتمبر. وكما يرى تشادويك ألجر الباحث بمركز مرشون بجامعة ولاية أوهايو يشار إلى التدخل عادة على أنه عمليات لحفظ السلام ويتضمن تقديم مساعدات إنسانية وإعادة توطين اللاجئين وإقامة نظام ديمقراطي للحكم والإشراف على الانتخابات ومساعدات التنمية.

وركز أنصار الحلول الإمبريالية اهتمامهم على الجوانب المتعلقة بالمشكلات المصاحبة لاستخدام القوة المسلحة في الدول الفاشلة. ومن هؤلاء جيفري ريكورد أستاذ دراسات الأمن الدولي بكلية الحرب الجوية بالجامعة الجوية في الولايات المتحدة الذي يرى أن هذه الدول أصبحت مصدرا لعدم الاستقرار في النظام الدولي لأنها تستدعي تدخل الدول الأقوى. فالدول الفاشلة تجتذب بالضرورة التدخل لأسباب إنسانية حتى عندما لا تكون هناك مصلحة استراتيجية. كما يرى أن جيش الولايات المتحدة يعمل الآن على مستوى عالمي على النحو الذي كانت تعمل به الجيوش الإمبراطورية في الإمبراطوريات الاستعمارية باعتبار أن الولايات المتحدة أصبحت القوة العظمى الوحيدة الباقية في العالم.

ويشير ريكورد إلى انه خلال العقد الأخير دعيت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) للتدخل في دول في طريقها لان تكون دولا فاشلة أو في دول فاشلة واحدة تلو الأخرى أو ضدها الصومال وهاييتي والبوسنة وجمهورية الصرب وواجهت الولايات المتحدة في هذه الدول معارضة من فاعلين من غير الدول يعملون بطريقة غير تقليدية أو من فاعلين من دول تتبع استراتيجيات غير عسكرية لتقليص فاعلية الجيش الأميركي. ويرى أنه من المرجح أن يستهلك ما يسميه البنتاغون عمليات حفظ الاستقرار في الدول الضعيفة أو الدول الفاشلة موارد عسكرية أميركية كبيرة طالما بقيت هذه الدول مصدرا لعدم الاستقرار والحرب في العالم.

ومن الواضح أن هذا الاستعداد للتدخل العسكري متوافر، لدى عدد من الشخصيات في إدارة بوش حتى قبل هجمات سبتمبر. فعلى سبيل المثال قال بول وولفوويتز في 27 فبراير 2002 أمام لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ الأميركي في جلسة التصديق على ترشيحه لتولي منصب نائب وزير الدفاع انه في ظل السلام الذي يعم العالم المتقدم فان الصراعات العرقية والعصابات الإقليمية والدول الفاشلة تمثل التحديات الجديدة. «وقال» أن الحاجة بل المطالبة في الواقع بان تقوم الولايات المتحدة بدور قيادي تزايدت هي الأخرى. الخلاف استمر حول كيفية التعامل مع الدول التي تعتبرها واشنطن فاشلة رغم خضوع السياسة الأميركية لسيطرة الصقور الذين يعتقدون أن على الولايات المتحدة أن تتصرف كدولة إمبراطورية واستخدام قوتها وإلا فإن الولايات المتحدة ستصبح في الهامش بصورة متزايدة. إلا أن هناك من يرى أن الخيارات التي لدى بوش محدودة إلى أقصى حد.

جغرافيا الصراع وشرعية التحالفات الجديدة

المرحلة الراهنة في الحرب على "الإرهاب"، كما تبدو في أفغانستان والعراق والصومال، لا تشير إلى نهاية قريبة للحرب، بل تكشف عن توسع هذه الحرب لتشمل رقعا جغرافية أوسع وأكثر انتشارا. ورغم تبلور تحالفات جديدة بين الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين من جهة، وبعض القوى الاجتماعية والسياسية في الدول العربية والإسلامية وقوى إقليمية من جهة أخرى، إلا أنه يسهل دائما الطعن في شرعية هذه التحالفات وتصوير المتحالفين بأنهم "عملاء" للاحتلال في حين تبدو القوى المعارضة والتي تخوض صراعا مسلحا كفوى مقاومة للاستعمار تسعى لتحرير مجتمعاتها ودولها، بغض النظر عن محتوى المشروع السياسي والاجتماعي الذي تحمله هذه القوى.

ففي المرحلة الراهنة تقف الولايات المتحدة حلفاؤها الغربيون والإقليميون والقوى المشاركة في العملية السياسية في كل من أفغانستان والعراق في مواجهة كل من طالبان والقاعدة في أفغانستان والجماعات الإسلامية والقوى القبلية المتحالفة معهما في باكستان وفي مواجهة تشكيلة كبيرة من الجماعات المسلحة في العراق التي تلقى دعما من قوى إقليمية إما لأنها مناوئة للولايات المتحدة أو تعارض هيمنتها الإقليمية أو مدفوعة بمصالحها الذاتية، فضلا عن خطر الحرب الأهلية بين الطوائف والجماعات العرقية والقومية المحتلفة في العراق. وبينما تفتقر القوى المحلية المتحالفة مع الولايات المتحدة للشرعية في أعين قطاعات كبيرة من الرأي العام العربي والإسلامي بإعتبارهم متحالفين مع الاحتلال، يحظى المسلحون بقدر من التعاطف، على الأقل، مع هدفهم المتمثل في التحرر من الاحتلال مع عدم التركيز على ما قد يلي التحرير. ويلجأ المسلحون إلى إرهاب المدنيين مباشرة لمنعهم من المشاركة في العملية السياسية أو التعاون مع الحكومة التي تسعى هذه الجماعات لعزلها.

وقد يقدم الصومال حالة فريدة في هذا الصدد. ففي حين يصنف الصومال باعتباره دولة منهارة وهي المرحلة الأخيرة للدولة الفاشلة، فإن الولايات المتحدة والقوى الإقليمية، وفي مقدمتها إثيوبيا أظهرت مخاوفها من صعود المحاكم الإسلامية وتمكنها من السيطرة على مساحات كبيرة من الصومال بعدما تمكنت من إلحاق هزيمة بأمراء الحرب الذين سيطروا على مقديشو وزعماء العشائر، وهو ما عجزت عنه الحكومة الصومالية المؤقتة أن تفعله معتمدة على قوتها الذاتية، والتي استعانت بالقوات ال، وهو ما عجزت عنه الحكومة الصومالية المؤقتة أن تفعله معتمدة على قوتها الذاتية، والتي استعانت بالقوات المسلحة الإثيوبية لوقف تقدم الإسلاميين من معقلها الوحيد على الأرض الصومالية وفي استعادة السيطرة سريعا على بقية الأراضي الصومالية. غير أن تدخل القوات الإثيوبية لدعم الحكومة الصومالية المؤقتة يواجه تحديا على صعيدين: أولهما السيطرة على امراء الحرب وزعماء العشائر وتمكين الحكومة المؤقتة من إخضاعهم لسيطرتها. وثانيهما، المقاومة المسلحة من الإسلاميين الذين انسحبوا من مواقعهم بسرعة إلى مواقع أخرى وبدئهم عمليات مسلحة ضد القوات الإثيوبية وقوات الحكومة المؤقتة تأكيدا لالتزامهم بتعهدهم بمواصلة القتال، مما يشير إلى أن الصومال على أعتاب مرحلة جديدة من الصراع على السلطة من المحتمل أن تتورط فيه قوى إقليمية أخرى غير إثيوبيا.

كذلك، فإن الحل المتصور للأزمة الحالية في الصومال والذي يقوم على نشر قوة أفريقية لحفظ السلام والدعوة إلى مصالحة شاملة بين كافة الأطراف الصومالية بما في ذلك مجلس المحاكم الإسلامية لن يحول على الأرجح دون استمرار الصراع المسلح في الصومال، خصوصا مع دخول تنظيم القاعدة على الخط ودعوته المسلمين إلى التوجه للصومال للقتال إلى جانب المحاكم الإسلامية.


مرة أخرى، تبرهن التطورات في الصومال على استمرار الصراع المسلح في المجتمعات الإسلامية بين القوى الأصولية الجهادية التي تتعامل مع البلدان الإسلامية باعتبارها أرضا واحدة الدفاع عنها، في مواجهة الغزو الصليبي فرض وواجب شرعي على كل مسلم وبين قوى تعارض مثل هذا التصور داخل هذه المجتمعات، لكنها ضعيفة ومطعون في شرعيتها كما أنها منتهمة بالفساد، ومن ثم فإنها غير قادرة على تقديم حلول تحول دون إنهيار الدولة والحد من مظاهر فشلها.

ولم تكن هجمات 11 سبتمبر لحظة فاصلة/ كما يرى كثيرون بالنسبة لكثير من العمليات القائمة على الساحة العالمية، أو على الأقل فإنها ليست كذلك بالنسبة للجدل الدائر في الغرب حول سبل التعامل مع الدول الفاشلة، كما أنها أدت إلى عمليات تساهم في تزايد تجاهل المشكلة في المجتمعات العربية والإسلامية وصرف الأنظار عن مسؤولية الحكومات والقوى الاجتماعية المهيمنة على تلك المجتمعات عن غشل الدولة في اداء وظائفها الأساسية التي تنشأ للقيام بها. وقد يكون استمرار الصراعات الدموية في أفغانستان والعراق والصومال والسودان، حافزا يدفع إلى بدء التفكير في طرائق وسبل للتعامل مع الدول الفاشلة.

ومن شان التركيز على مفهوم "الدولة الفاشلة" لفهم وضع الدولة العربية المعاصرة، والاستفادة من المؤشرات التي يحري تطويرها الآن لتصنيف الدول ومن أشهرها المؤشر الذي طورته فصلية "فورين بوليسي" (السياسة الخارجية) الأمريكية لتقييم وضع الدول من حيث قدرتها على الوفاء بالحاجات الأساسية، أن يساعدنا على إعادة النظر في طبيعة الأزمات التي تعاني منها مجتمعاتنا على نحو يساهم بدرجة أكبر في وضع تصورات واقتراح سياسات تساعد على التعامل مع هذه المشكلة. وقد يكون من الضروري، ابداء قدر أكبر من الاهتمام بظاهرة الدولة الفاشلة على مستوى البحث والسياسات في العالم .

صحفي ومحلل سياسي مصري مقيم في القاهرة

منشورة في صحيفة البيان الإماراتية في العدد 149 الصادر يوم الأربعاء الموافق 11 سبتمبر 2002.

 

إطبـــــــع  ارسل الصفحة الى صديق إحفظ الصفحة