![]() |
هل كانت 9/11 مؤامرة أميركية؟
د. أحمد البغدادي
أحد أبنائي يدرس في الولايات المتحدة الأميركية ومع ذلك فهو
مؤمن تمام الإيمان أن 11/9 مؤامرة من صنع أميركي، بدليل الفيلم الوثائقي الذي
شاهده قبل أيام لإثبات هذه " الحقيقة". والفيلم من إعداد طلبة أميركيين،
وقد منع الفيلم وتعرض صانعوه للاعتقال في أميركا بموجب القوانين الجديدة التي تم
تشريعها ضد الإرهاب والتي تدل على إهدار حقوق الإنسان داخل أميركا نفسها. ثم طلب
رأيي في الموضوع: هل ما حدث في 11/9 صنع الحكومة الأميركية لتبرير حربها ضد
أفغانستان والتدخل غير المشروع في العراق؟ فكان الجواب التالي:
سألته: على هذا القياس يعد الغزو العراقي للكويت وحرب النكسة
العربية عام 1967 ، بل وحتى معركة بيرل هاربر صناعة أميركية، ولكن سأجاريك في
تفكيرك وأسألك: هل من حق الدولة العظمى أن تضع سيناريو خاصا بها لكي تحقق مصالحها
القومية? بل هل يمكن لدولة عظمى مثل أميركا أن تترك الحبل على الغارب عالميا من
دون أن تشكل أحداثه؟ وسأفترض أن 11/9 من صنع أميركي، ألم ينتج عن هذه "
المؤامرة" خير عظيم مثل القضاء على حكم طالبان الديكتاتوري، وتخليص العراقيين
من ديكتاتورية نظام صدام حسين للعراقيين. ألم يؤد هذا الحدث إلى ضرب الجماعات
الدينية وتحجيم الدول الاستبدادية في الشرق الأوسط؟ ألم تتطور الحياة السياسية
لكثير من الدول بسبب هذا الحدث الهائل؟ ألم تخضع كثير من الدول لتغيير مناهجها
الدراسية لما هو أفضل؟ ألم يتغير العالم منذ ذلك الحين؟ واسمعني جيدا، لا تخلط بين
قيم الإنسانية على المستوى الفردي، وقيم الدولة التي لا يجب إخضاعها للقيم
الفردية، كما يقول المفكر العظيم ميكافيللي. هل تصدق ادعاء الدول العربية وأولها
دولتك: الكويت ، حين يتحدث المسؤولون فيها عن دولة القانون، وأول من لا يهتم
بتطبيق القانون أعضاء البرلمان والحكومة؟
ما قاله ابني يقوله الكثيرون ، ويجهلون حقيقة مفهوم الدولة
القائمة على قيم ومفاهيم لا علاقة لها بالحق والعدل، لأنها مفاهيم تتعلق بالمصالح
الوطنية في المقام الأول، بغض النظر عن دلالاتها القيمية. ولننظر في الوضع العالمي
بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، وتربع أميركا على المسرح الدولي بقوة علمية وتقنية
وسياسية واقتصادية وثقافية من دون منازع. وإذا كانت القارة العجوز، أوروبا قد صنعت
التاريخ، فإن الولايات المتحدة الأميركية تصنع المستقبل. كان الوضع العالمي جامدا
وباردا على المستوى السياسي، وكان لا بد من " تسخين" الأوضاع. فالحديد
لا يعاد تشكيله إذا كان باردا. لا بد من تسخينه أولا. وهذا ما حدث بعد 11/9، سواء
كان الحدث صناعة أميركية كما يرى أصحاب نظرية المؤامرة، أم من صنع أسامة بن لادن، كما
يرى آخرون. فالعبرة بخواتيمها، من دون النظر إلى الوسائل. فقال ابني: حتى لو كانت
الوسائل غير أخلاقية? قلت له: بصريح العبارة: نعم وألف نعم. وكل الشواهد تدل على
خواتيم طيبة، والمستقبل سيشهد المزيد من الخير، لكن لا بد من المشي في طريق
الآلام، حتى ولو كان الثمن أرواح بضعة آلاف من الناس. قد يبدو هذا الرأي قاسيا عند
الكثيرين، لكننا في الشرق لا نملك تراثا فكريا في فن إدارة الدولة، ولذلك لا يمكن
أن نفهم معنى ومضمون ما قاله ميكافيللي.....، ولم يقتنع ابني بما قلت، وتيقنت أن
الإنسان الشرقي يظل أسير فكره الشرقي حتى وإن درس في الغرب.
لكن، لو قبلنا فرضا، بمقولة المؤامرة، هل يعني هذا أن أسامة بن
لادن بريء من جريمة الحادي عشر من سبتمبر؟ يمكن لمؤيدي فكرة المؤامرة تبني هذا
الافتراض، لكنه سيدل على الدرجة العالية لغباء بن لادن، لانجراره إلى فخ المؤامرة
(على افتراض حدوثها) وتبنيه بكل غرور جريمة لم يرتكبها في هذه الحالة. ولربما لعبت
نفسية الهزيمة الراكدة في نفس بن لادن كالماء الآسن دورا مريضا لدفعه للقيام بذلك
أو أنه على درجة عالية جدا من الذكاء، بحيث انه قرر أن يتبنى الجريمة، حتى وإن
تيقن عنده صناعتها الأميركية، ليحقق لنفسه مجدا دنيويا ما كان ليحلم به، وقدمته له
أميركا على طبق من ذهب. وبذلك يكون بن لادن غبيا بامتياز في كلا الحالين، لأنه لم
يتوقع أن تندفع الأمور بهذه السرعة ليغدو طريدا يختبىء في الجحور كجرذان الصحاري
التي لا تخرج إلا ليلا، وبذلك لم يتمكن من وضع تاج السؤدد الذي كان يتمناه. لقد
خدعته أميركا التي قامت بتجميع كل الإرهابيين في العراق ضمانا لأمن الأميركيين في
عقر دارهم.....وهذا ما حدث بالفعل، ولعل بن لادن الآن وهو قابع في جحره يئن من مرض
الكلى، يضرب أخماسا بأسداس على هذا الانجرار للمصيدة الأميركية من جهة، وتدميره
للعالم الإسلامي من جهة ثانية من دون قصد، ذلك أن أغبى غبي في العالم يعلم تمام
العلم أنه لا يمكن القضاء على الدولة بحرب عصابات، فما بالك بقوة عظمى كالولايات
المتحدة الأميركية. ألم يكن بن لادن يرى ماذا حل بالجيش الإيرلندي السري، وحركة
آيتا والألوية الحمراء وكارلوس الذي قام السودان بتسليمه للفرنسيين؟ إذا لم يكن بن
لادن قد عرف مصير كل هؤلاء الثوريين فلا شك أنه يستحق درجة الامتياز في الغباء.
الحال التي يعيشها المسلمون اليوم صنيعة أسامة بن لادن، سواء
كانت مؤامرة أميركية أم لادنية، فالعبرة كما قلت بخواتيمها.....وهي خواتيم سيئة
للمسلمين بكل المقاييس. المأساة أن المسلمين فرحون بها!
وتعازينا لكل من فقد عزيزا في هذه الفاجعة الإنسانية......،لكن
الحياة لن تتوقف في سيرها في طريق الآلام والآمال بعيش أفضل وأكثر
أمنا.....،وتذكروا أن الحياة بدأت بخطيئة دينية واستتبعتها بجريمة إنسانية...،والحياة
تتواصل.
كاتب كويتي
16/09/2006