هذا الكتاب:

 

أحداث الحادي عشر من سبتمبر إرهاب صريح أم جهاد و مقاومة؟

 

رغم مرور خمسة أعوام على تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر لعام 2001 في الولايات المتحدة الأمريكية، ما زالت تستأثر بالعديد من الاهتمام والدراسات، ويدور أغلبها حول مدى مشروعية هذه العمليات، و تحديدا هل هي إرهاب أم جهاد ومقاومة؟. أنا أرى وأعتقد أن تلك التفجيرات ( إرهاب صريح واضح بتقدير امتياز مع درجة العار والهمجية الأولى )،و (أن الذين قاموا بها إرهابيون قتلة من الصعب إدراجهم ضمن فصيلة البشر)، وبالطبع كل من يرتكب مثل هذه الأعمال أيا كانت ديانته وجنسيته ولونه، وأيا كان من توجه له مثل هذه الأعمال. لماذا أعتبرها وأعتبرهم هكذا؟

أولا: من الناحية الأخلاقية

لا يجوز ترويع وقتل أناس آمنين لا تعرفهم ولم يرتكبوا خطأ أو جريمة بحقك، وهم أيا كانت جنسياتهم غير مسؤولين عن تصرفات وأعمال حكوماتهم مهما كانت تلك الأعمال معادية لك، وبالتالي فإن قتلى تلك الانفجارات ماتوا ظلما، وهذا ما ترفضه كافة الأخلاق والشرائع بدليل أن الرسول صلى الله عليه وسلم أدان ذلك من أصوله ومحملا ابن آدم الأول( قابيل الذي قتل أخاه هابيل )، بعض وزر أية عملية قتل لاحقة، فقد ورد عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ليس من نفس تقتل ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل        ( نصيب من الإثم والعقاب )من دمها لأنه كان أول من سنّ القتل). فإذا كان أول من سنّ القتل عليه جزء من العقاب، فغالبية العقاب والإثم على المرتكب الفعلي لعملية القتل. وكي يتخيل أي فرد في أي دولة من العالم حجم وحشية هذه العمليات، خاصة ممن أيدوها ورقصوا على أنغام همجيتها في الشوارع، أن يسألوا أنفسهم عن موقفهم ورأيهم فيما لو كانوا في بيوتهم أو مكاتبهم مع نسائهم وأطفالهم آمنين وادعين، وفجأة دخل عليهم شخص ما وبدون سلام وكلام أطلق عليهم الرصاص والمتفجرات ليقتل كل من كانوا في المكان. إنه أيضا إرهاب صريح ووحشية متناهية لا يمكن إلا رفضه وإدانته، أينما وقع و أيا كان من تعرض له ومن قام به. وعلينا أن نتذكر أن من بين ألاف القتلى كان مئات من العرب والمسلمين أيضا، فما ذنب هؤلاء أيضا مثلهم مثل ألاف القتلى من الجنسيات والديانات الأخرى؟.

ثانيا:من الناحية السياسية

يطرح بعض مؤيدي تلك العمليات أنها بسبب مواقف الولايات المتحدة الأمريكية السياسية المتناقضة والمعادية للمواقف العربية والإسلامية، وهي تبريرات ضعيفة لا تصمد أمام النقاش   السياسي العقلاني، لأنه إذا افترضنا أن الأجندة السياسية بين العرب والولايات المتحدة من عشرة بنود، وهناك خلاف على خمسة من هذه البنود فهذا يعني أن كل طرف من الطرفين يرى أن الحق معه في مسائل الخلاف هذه، فماذا سنسمي عمل الولايات المتحدة إذا قامت بسبب مسائل الخلاف هذه بضرب دولة عربية بقنابلها النووية وصواريخها عابرة القارات؟. إنه عندئذ أيضا إرهاب صريح وواضح، وإن استعملت كل دول العالم هذا المنطق وهذه التبريرات فهذا يعني تحويل المعمورة إلى غابة يملؤها الموت والقتل والدمار والدماء، وهذا ما ترفضه السياسات الإنسانية في العالم التي تهدف لإشاعة السلم والأمن في المعمورة.ويكفي التذكير بقول المرحوم سيد قطب في كتابه ( معالم في الطريق )، ص 8 و 9 من طبعة دار الشروق في بيروت عام 1993 إذ قال: ( وقد أبدعت العبقرية الأوربية في هذه الفترة رصيدا ضخما من العلم والثقافة والأنظمة والإنتاج المادي..وهو رصيد ضخم تقف البشرية على قمته، ولا تفرط فيه ولا فيمن يمثله بسهولة! وبخاصة أن ما يسمى العالم الإسلامي يكاد يكون عاطلا من كل هذه الزينة ). ومن المهم التأمل في قوله: ( ولا تفرط فيه ولا فيمن يمثله بسهولة ) ونربط ذلك بحجم الجريمة والتفريط والقتل الوحشي الذي حدث في الحادي عشر من سبتمبر، ومن المهم التذكير أيضا أنه رغم الخلاف في الأجندة السياسية فغالبية الدول العربية تحصل على مساعدات اقتصادية أمريكية بدونها لا تستقيم الحياة في تلك البلدان، ويكفي حالة مصر التي يبلغ حجم الدعم الاقتصادي الأمريكي لها أكثر من مليار ونصف دولار سنويا، ورغم ذلك تعيش مصر في ضائقة اقتصادية متواصلة، حذّر منها الرئيس المصري قبل حوالي سنتين قائلا أن مصر تعيش على أبواب المجاعة، فكيف سيكون الحال بدون هذا الدعم الأمريكي؟. ورغم جريمة الحادي عشر من سبتمبر تستمر هذه المساعدات الاقتصادية لكافة الدول العربية من الولايات المتحدة وغالبية الدول الأوربية، ففي السياسة الدولية من المهم أن نبني على نقاط الاتفاق كي لا تتسع نقاط الاختلاف!.


ثالثا: من الناحية الدينية الإسلامية

هناك ما يمكن تسميته أخلاق الحرب في الإسلام التي عبر عنها بكلمتي ( آداب الحرب) أي التي تحكم الأعمال والأفعال أثناء الحروب، وهناك إجماع يعتمد على القرآن الكريم والسنة النبوية بعدم جواز قتل النساء والأطفال وكل من لم يشترك في القتال، وذلك استنادا إلى الآية الكريمة:

( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين )- البقرة،19 – وروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه انه قال:( لا تقطعن شجرا ولا تخربن عامرا )، وهناك إجماع بين فقهاء المسلمين على ضرورة الوفاء بالعهود والوعود، ومن بينها أن كل مسلم دخل بأمان أية دار حتى لو كانت دار حرب، فعليه أن يحترم العهد وفي حالة التسعة عشر الذين نفذوا اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر، فقد دخلوا الولايات المتحدة بشكل رسمي عبر تأشيرة دخول مسبقة للدراسة أو العمل، وبالتالي كان عليهم احترام العهد الذي تتضمنه تأشيرة الدخول وهو الحفاظ على أمن البلاد التي أصدرت له التأشيرة وأن لا يغدروا بأهلها ويخونوا العهد معهم. وهو نفس القياس الذي اعتمد عليه الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي عندما أفتي عام 2002  لبعض المسلمين المجندين في الجيش الأمريكي بضرورة تنفيذ الأوامر إن صدرت لهم بالذهاب إلى أفغانستان وقتال حركة طالبان. ولا يجوز الاستناد إلى بعض أفعال الغير من أهل تلك البلاد بحق العرب والمسلمين، فالضحايا الذين قتلوا غدرا في تلك الأعمال ليسوا مسؤولين عن أعمال حكوماتهم ومن المؤكد أن بينهم العشرات الذين لا يوافقون على تلك الأعمال، وكذلك فقد نصّ القرآن الكريم على عدم جواز معاقبة شخص على  خطأ أو جريمة ارتكبها غيره ( ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى )- الأنعام ، 164 - و ( كل نفس بما كسبت رهينة )- المدثر،38 -. وفي هذا السياق أستذكر تلك النصيحة التي وردت للتنظيمات الفلسطينية من بعض قوى اليسار الإسرائيلي عام 1982 ونحن في حصار بيروت، تلك النصيحة التي طلبت التوقف عن حرق العلم الإسرائيلي في المظاهرات الفلسطينية والعربية، لأنه ليس علم شارون والعسكر فقط، ولكنه أيضا علم عشرات ألاف الإسرائيليين الذين تظاهروا ضد الحصار، بينما لم تشهد  أية عاصمة عربية مظاهرة ضد الحصار، وكذلك فيما يتعلق بالعلم الأمريكي فهو ليس علم جورج بوش والبيت الأبيض فقط، ولكنه أيضا علم ملايين الأمريكان الذين تظاهروا ضد الحرب في العراق، وهم مئات أضعاف الذين تظاهروا في كل العواصم العربية والإسلامية.

ومن الصعب رصد أراء و فتاوي شيوخ الدين الإسلامي الذين نددوا بتلك العمليات واعتبروها إرهابا صريحا واضحا، وأكدوا على أن الإسلام وضع شروطا لأهل الجنة وأخرى لأهل النار، ومن نفذ اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر لا تنطبق عليه شروط أهل الجنة، فقد أكدّ الشيخ عبد المحسن العبيكان عضو مجلس الشورى السعودي أن تلك الأعمال ( عمل محرم وانتحار ولا يجوز شرعا )، وصرّح الداعية الإسلامي الشيخ محمد المنجد ( ليس من الحكمة لضعيف استفزاز القوي ولا يجوز شرعا الإقدام على عمل مفسدته أكثر من مصلحته )، وقال الدكتور أحمد كفارين عضو المكتب التنفيذي لجماعة الإخوان المسلمين في الأردن: ( لا أستطيع أن أقول عن منفذي هذه العمليات أنهم شهداء. إن عمليات 11 سبتمبر لم تخدم الإسلام بل أضرت بالإسلام وأدت إلى تراجع العمل الإسلامي في الغرب) . وكذلك الشيخ الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر، فقد أكدّ ( أن من قاموا بتنفيذ تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر هم من المخربين الذين يسعون في الأرض فسادا لأنهم هددوا وروعوا وقتلوا الأبرياء بالمخالفة لما قال به الإسلام،وقد أضرت وأساءت للإسلام والمسلمين ولا يمكن أن يكافىء المخرب باعتباره مجاهدا أو شهيدا)، وفي تصريح شيخ الأزهر هذا إدانة ضمنية لمثل هذه الأعمال ومنها ما ارتكبه الإرهابي الزرقاوي في تفجيرات فنادق عمان في التاسع من نوفمبر لعام 2005 ، حيث قتل ما يزيد على ستين مواطنا أردنيا وهم في صالة للأفراح، وكان من ضمن القتلى المخرج العالمي مصطفى العقاد الذي قدم أهمّ الأفلام عن الإسلام ورسالته الإنسانية، ورغم ذلك وصف النائب الأردني محمد أبو فارس القاتل الإرهابي الزرقاوي أنه شهيد وسوف يشفع يوم القيامة لسبعين من أحبائه ومريديه!!. وضمن نفس سياق الادانات كانت إدانة محمد خاتمي رئيس الوزراء الإيراني السابق، حيث اعتبر الذين قاموا بتلك العمليات الإرهابية مجرمين إرهابيين لن يدخلوا الجنة.

ابن لادن والزرقاوي

بعد كل هذه الإدانات من مرجعيات دينية وسياسية عربية وإسلامية، هل يبق هناك شك وجدل حول أن ابن لادن والزرقاوي ومن لف لفهم إرهابيون قتلة، أساءوا للدين الإسلامي وشوهوا صورة المسلمين؟. وتكفي الإساءة الفكرية فكيف سنقدم للغربيين بعد ذلك الإرهاب الآية القرآنية الكريمة التي تقول: ( وادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم )؟. وكيف يمكن أن نثق بأولئك القتلة عندما نتذكر أن المقبور الزرقاوي شنّ هجوما مدمرا يوم الإثنين الموافق التاسع والعشرين من مايو الماضي على حزب الله اللبناني في الشريط الذي بثه له موقع القاعدة على شبكة الإنترنت، واعتبر حزب الله ( الغطاء الواقي لإسرائيل ) وقال تحت عنوان ( هل أتاك حديث الرافضة ): ( إن حزب الله أصبح الغطاء الواقي الذي يستر الجيش الصهيوني من ضربات المجاهدين في لبنان)، فكيف يستقيم عند البعض تمجيد هذا الإرهابي وتقدير نضال حزب الله في نفس الوقت؟. وكذلك الإرهابي ابن لادن الذي يسعى علنا للفتنة في العراق وغيرها، فمن ينسى شريطه الذي تم بثه يوم السبت الأول من يوليو الماضي، الذي هدد فيه الأغلبية الشيعية في العراق بالانتقام ، فهل هذا من سلوك المجاهدين المؤمنين؟. وكذلك لماذا كانت الولايات المتحدة أما حنونة عندما عمل ابن لادن في خدمتها هو وألاف من مجاهديه وحاربوا معها لدحر الوجود السوفييتي في أفغانستان؟. وهذا الثنائي الباقي من أولئك الإرهابيين ابن لادن والظواهري يختبئون في الكهوف ويصدرون تعليماتهم لما يزيد على مليار وربع من  المسلمين وهم لا يملكون أية مؤهلات تخولهم ذلك، ويكفي رد حركة حماس على الظواهري الذي انتقد الانتخابات الفلسطينية وتسلم الحركة تشكيل ورئاسة الحكومة الفلسطينية، إذ طالبته الحركة بالتوقف عن التدخل في الشأن الفلسطيني وأهل فلسطين أدرى بمصلحتهم من غيرهم.

كنتيجة، إن أعمال الحادي عشر من سبتمبر إرهاب واضح صريح بتقدير امتياز مع مرتبة العار الأولى، ومنفذوه ومن أعطاهم الأوامر إرهابيون قتلة، أساءوا للإسلام والمسلمين بشكل عجز عنه ملايين من أعداء الإسلام.

 وانطلاقا من ذلك وحرصا على سمعة العرب والمسلمين نسأل: لماذا غالبية الإرهاب في السنوات العشر الأخيرة غالبيته من عرب مسلمين؟؟.

إنها ظاهرة تستدعي الانتباه وتستحق الدراسة المتأنية من قبل المتخصصين في مناح عدة من حياة العربي المسلم ، هل هي صدفة عندما يتم ارتكاب نفس الأعمال الإرهابية  وتجد من يشجعها و يصفق لها ، ويرقص علنا في الشوارع إبتهاجا ، كما حصل عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر الإرهابية ، ويطلق صيحات الفرح ( اللهم سدّد رميهم ) عبر العديد من صفحات الإنترنت عقب تفجيرات لندن الإرهابية وغيرها في العديد من العواصم الأوربية ، وعندما يتفاخر أسامة بن لادن وتنظيمه الإرهابي ( القاعدة ) بإرهاب الحادي عشر من سبتمبر ، ويتبناه علنا في عدة أشرطة صوتية و مرئية ، ويحتفل به علنا إرهابيون في قلب لندن ، ويرفعون صور الإرهابيين الثمانية عشر على أنهم أبطال وإستشهاديون ، صعدوا إلى الجنة...وعندما لا نجد بين كل هولاء الإرهابيين باكستانيا أو إندونيسيا أو ماليزيا أو أفغانيا أو نيجيريا أو سنغاليا ، يصبح السؤال منطقيا و واقعيا : لماذا الإرهاب في غالبيته عربي إسلامي ؟؟. أي لماذا لا يوجد من بين كل هؤلاء الإرهابيين عربي مسيحي ؟؟. هذه المقالة تسعى إلى وضع عناوين فقط لدراسات يجب أن يقوم بها متخصصون في كافة مناحي الحياة العربية ، لأنه لم يعد يفيد القول أن الإسلام بريء من هذه الأعمال الإرهابي، لأن السؤال يظل قائما ، ما دام الإسلام بريء من تلك الأعمال ، فلماذا يتواصل إرتكابها من قبل عرب مسلمين فقط ، بحيث أصبحت صفة العربي المسلم تعني الإرهابي القاتل ؟؟؟.

أولا: تراجع  دورالعلماء المتنورين و صعود الفقهاء الجهلة !

لوحظ في العقود الأربعة الماضية ، حدوث خلل في الحياة العربية ، نشأ من الكثرة الواضحة لدرجة الإزدحام في خريجي المعاهد والكليات الشرعية ، التي يبلغ عددها في كافة الأقطار العربية عشرات أضعاف المعاهد والكليات التكنولوجية والعلمية، مما نتج عن ذلك فائض من الشباب الذي ألمّ بأساسيات الفقه الشرعي دون تمعن و فهم حقيقي ، فتم التركيز السطحي على ما يثير غرائز وعواطف النسبة الغالبة من المسلمين العرب حيث نسبة الأمية لا تقل عن خمسة و خمسين في المائة ، هذه النسبة لا تعرف كتابة إسمها أو قراءته ، وتلقت فروض الدين بالوراثة من أسرة جاهلة   أيضا ، فوقعت تحت وصاية فقهاء جهلة كل إمكانياتهم العلمية لا تتعدى ( دشداشة قصيرة و لحية طويلة)، تركز على آيات معينة من القرآن ، مثل : ( فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدّوا الوثاق ) – سورة محمد ، آية 4 ، و (وقتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله) – سورة الأنفال ، آية 39 - ، و ( واقتلوهم حيث وجدتموهم )سورة النساء آية 89 - ، و (جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم) – سورة المائدة آية 33 - ، و(وقاتلوا المشركين كافة ) – سورة التوبة أية 13  ، ومثل هذه الأيات الكثير ، يخرجونها من سياق زمانها و مكانها ، ويحشدون الكثير من احاديث الرسول و وقائع التاريخ الإسلامي لتأييد رؤاهم الخاصة التي يقصدون إليها من وراء هذه الآيات ، مثل حديث ( لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام ، فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه ) . وفي موازاة ذلك يتم التركيز على آيات تضخ الإحساس بالتفوق والتعالي ، رغم الجهل و الفقر والدونية السائدة ، مثل آية ( كنتم خير أمة اخرجت للناس ) قافزين عن ( تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكرو تؤمنون بالله ) ، - سورة البقرة آية 11 ...إن هذا الضخّ اليومي للتفوق الكاذب ، والعرب المسلمون اليوم في طليعة الشعوب المتخلفة ، والتحريض على النصارى والكفار ، لن ينتج عنه سوى هذه الأعمال الإرهابية من شباب جهلة كالشيوخ الأجهل الذين يستمعون إليهم ليلا و نهارا ، هؤلاء الشيوخ الذين أصبحوا بسبب الفضائيات أشهر من الممثلين والممثلات ..وإلا ماذا يعني هذا الإنقياد الأعمى كالمخدرين وراء أسامة بن لادن والزرقاوي ؟؟. لقد أصبح هذان الشخصان أكثر شهرة وتأثيرا في ملايين المسلمين العرب من شيخ الأزهر نفسه.. وبالمقابل هناك كتيبة ضالة من الصحفيين والكتاب ، لا يخجلون من إعلان إعجابهم بابن لادن ، ويصفونه بالشيخ والمجاهد !!. أصدر الجاهل المجرم الزرقاوي قبل هلاكه غير المأسوف عليه بيانه وفتواه حول تشكيله ( لواء عمر ) ، لقتال المسلمين الشيعة ، وسبق أن مارس إرهابه في المساجد والحسينيات الشيعية ، وأماكن العزاء والفرح ، ورغم ذلك لم يتحرك شيوخ السنة لدحض أقواله وقتاويه الإجرامية هذه ، فماذا سينتج عنها من قبل هؤلاء الشباب الجهلة الذين يقضون في المساجد مع الشيوخ الجهلة جلّ وقتهم يحلمون بالجنة والحور العين وأنهار الخمر واللبن والعسل والولدان المخلدين ؟. كما أنه علينا أن لا نستغرب هذا العنف العربي الإسلامي في ظل هذا الجهل والتوجيه الخاطىء اليومي في ما لايقل عن مائة ألف مسجد في الآقطار العربية ، يتردد فيها يوميا على علاته دعاء (اللهم أنصرنا على النصارى والكفار والملحدين. اللهم دمّر أعداءك أعداء الدين . اللهم يتّم أطفالهم . اللهم رمّل نساءهم . اللهم هدّم بيوتهم ...إلخ ) ، وهذا التوجيه الديني المضلل جعل العنف ضد مسيحيين عربا أمرا عاديا ، كأحداث الإرهاب التي تشهدها مصر من حين إلى آخر ضد الأقباط المسيحيين وممتلكاتهم ، حتى في الشارع الفلسطيني الذي ينبغي أن يكون مشغولا بتوجيه كل الطاقات ضد الاحتلال، تجد من يسأل صارخا : لماذا لا يوجد انتحاري من المسيحيين الفلسطينيين ، وعنف الحركات الإسلامية الفلسطينية ضد المجتمع الفلسطيني ، لا يبشر إلا بصعود طالبان فلسطينية ، تضع وصايتها على الأخلاق العامة للمجتمع بشكل أبشع من جماعات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا العنف الداخلي ، عندما تتاح له التطبيقات الخارجية ، لن يتوانى عن تفجير كل ما يستطيع الوصول إليه.

ثانيا: المناهج التعليمية والحياة اليومية

إن المناهج التعليمية السائدة تتكىء في الغالب على المقولات العنفية السابقة ، إلى حد أنه في التطبيقات النحوية في الصفوف الإبتدائية والإعدادية في مختلف الأقطار العربية ، في كتب القواعد والنحو ، عند التطبيقات على الفاعل والمفعول ، غالبا تجد الأمثلة التالية : ( ضرب المدرس الطالب ) ، ( هدم الرجل الحائط ) ، ( قذف اللاعب الكرة) ، ( قتل الفدائي اليهودي)، ( فجّر الشهيد نفسه )...، ومن المستحيل أن تجد أمثلة تقول : ( ألقى الولد التحية على أمه ) ، أو ( ساعد الرجل جاره ) أو ( نهى الرسول المسلم عن السرقة )...إلخ .

وينسحب هذا العنف على الحياة اليومية الأسرية ، فحتى هذه اللحظة نسبة عامة من الآباء إذا غضب من إبنه لسبب بسيط ، يكون رد فعله : ( غور عن وجهي ) أو ( إبعد عني يا حيوان ) ، وفي أغلب الأحيان يسبق الكف على وجهه هذه الشتائم ..وعنف الزوج ضد زوجته أمر يكاد يكون قاعدة يومية ، حتى في الدول الأوربية التي لجأ إليها العرب المسلمون ، فالنسبة العالية من زبائن مراكز العنف الأسري هن من النساء العربيات المسلمات ، لأن الأزواج الجهلة سمعوا من فقهاء الجهل والظلام حديثين للرسول فقط ، وهما : ( والله لو كنت آمر أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها ) و ( أيما إمرأة ماتت وزوجها عنها راض دخلت الجنة ) والتحريض في الحديث ( ما تركت من بعدي فتنة هي أضرّ على الرجال من النساء).... والتوجيه القائل ( أنا وأخوي على إبن عمي ، وأنا وإبن عمي على الغريب ) ، وهذا منتهى العنف والغطرسة ، فإبن العم في لحظة هو ( عدو ) ، وهذا إمتداد للغطرسة العربية الجاهلية     ( وما أنا إلا من غزية إن غزتْ غزوتُ .....) ، وفي كل مراحل التعليم يلقن الطلبة قول    المتنبي : ( السيف اصدق أنباءا من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب ) ،وإستهزاء المتنبي من ذوي البشرة السوداء الذين خلقهم الله تعالى هكذا ( لا تشتري العبد إلا والعصا معه...إن العبيد لأنجاس مناكيد ).... وهكذا فالحياة اليومية للعربي المسلم والبرامج التعليمية التي تربى عليها منذ الصغر ، مناهج وحياة تغذي العنف والقتل ، بدليل آلاف الفتيات والنساء اللواتي يقتلن سنويا من قبل إخوانهن وأزواجهن بحجة الشرف ومحو العار ، والعديد منهن أثبت تشريح الجثة انهن كنّ عذراوات ، أي أنهن قتلن بدافع الشبهة فقط ، ولغسيل الشرف ومحو العار.... إنها ثقافة ( لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى...دون أن يراق على جوانبه الدم ).. في حين أن هؤلاء الشباب والرجال يخافون من الخروج في مظاهرة إحتجاج ضد حاكم طاغية أراق دماء الآلآف من شعبهم ، وبالعكس يخرجون جبنا وخوفا يهتفون بحياته (بالروح..بالدم ..نفديك يا....).

ثالثا: دور الأنظمة القمعية المستبدة :

لا يمكن إغفال دور الأنظمة العربية القمعية المستبدة في تغذية حالة العنف التي تسود أغلب أوجه الحياة العربية ، فهي تصادر أبسط حقوق الإنسان العربي ، مما حوّل حياته إلى جحيم لا يطاق ، وبالتالي أصبحت حياته لا معنى لها ، والموت أفضل منها، وسط هذه المعاناة وما يصاحبها من فقر مدقع ، أصبح هذا المواطن من السهل أن يقع تحت تأثير فقهاء الجهل والظلام ، فأن يموت صعودا إلى الجنة كما يوهموه ، أفضل من حياة القمع والإستبداد والفقر والحاجة . .

رابعا: دور القوانين الأوربية الإنسانية

وهذا العامل لا داعي للتفصيل فيه ، فقد كتبت فيه دراسة طويلة  بعنوان ( دور القانون الأوربي في تنامي ظاهرة الإرهاب ) ، ركزت على القوانين الأوربية ذات الطابع الإنساني التي من خلالها لجأ عشرات الآلآف من العرب المسلمين إلى بريطانيا تحديدا ، ويدعو بعض قادتهم للإرهاب علنا من قلب لندن ، وإقامة الخلافة   الإسلامية ، وإرسال العشرات من الشباب للخارج للتدريب وجلب السلاح ، ويكفي ظاهرة المدعو أبو حمزة المصري ، المودع في السجن الآن ، والعشرات من حزب التحرير والسلفيين السعوديين وغيرهم ، وما لم تغير هذه القوانين ، ستظل أبوابا مشرعة لوصول العديد من الإرهابيين ، يعيشون على حساب دافع الضرائب الأوربي ، ويعششون ليلا ونهارا في المساجد ، يستمعون لفقهاء الجهل والظلام ، وينقضون على من أجارهم في اللحظة المواتية ، كما حصل في لندن.

هذه هي الصورة المعاشة شئنا أم أبينا ، رضينا أم غضبنا ، فالإرهاب العالمي في العقدين   الماضيين ، أصبح عربيا إسلاميا ، ومن لا تعجبه هذه الحالة ، فليفكر في التصدي لها ومعالجتها ، بدلا من توزيع الاتهامات وإلقاء اللوم على مشجب الآخرين.

هذا الكتاب

لذلك يأتي هذا الكتاب لمعالجة هذه القضية المهمة، من خلال رؤية عدد من الكتاب العرب من أقطار عربية مختلفة، وقد تم اختيار هذه العينة من الكتاب والمفكرين من خلفيات فكرية مختلفة، لكنهم يجمعون على إدانة هذه العمليات وما يشبهها في أي مكان، وهذا من شأنه أن يقول للقراء العرب و غير العرب، أن هذه الأمة لا يمكن أن تجمع على خطأ من شأنه أن يسيء لها و يشوه صورة الإسلام الذي يلصق به الإرهابيون عملياتهم الإجرامية من خلال إعطاء هذه العمليات اسماءا إسلامية ويستهلون بياناتهم بآيات من القرآن، كما أن ذلك يدلل على أن غالبية الكتاب والمفكرين العرب ضد هذا الإرهاب ، و أن القلة التي تروج لهذا الإرهاب لا يمكن أن تكون معبرة عن رأي الغالبية العربية التي يقلقها هذا التخلف الذي يعيشه العالم العربي حيث نسبة الأمية لا تقل عن ستين بالمائة، وبدلا من التركيز على مقومات التنمية والتقدم تنشغل هذه القلة من الإرهابيين وداعميهم هذه الأعمال الإجرامية لتشتيت الجهود البناءة وحرف الأنظار عن القضايا الرئيسية المتعلقة بمستقبل هذه الأمة. إن هذا الكتاب من خلال ما كتبه خيرة مفكري وكتاب الوطن العربي يسعى إلى أن يكون جرس إنذار ينبه إلى الخطر الإرهابي الذي يلحق الخسائر المادية والمعنوية بالأمة العربية قبل غيرها، ولنرى كيف ينظر هؤلاء الكتاب والمفكرين إلى ما هو عار وإرهاب لا يشرف أحدا في الشرق والغرب!!

 

د. أحمد أبو مطر    

إطبـــــــع  ارسل الصفحة الى صديق إحفظ الصفحة