![]() |
بصراحة جارية
جمعيات حقوق الإنسان في فلسطين كيف؟ وإلى أين؟ وماذا؟:
تسلمت
منذ أسبوعين ملفا وثائقيا فيه عشرات الصفحات حول جمعيات ومنظمات وهيئات حقوق
الإنسان في فلسطين، أي في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية. ويحتوي الملف
على وثائق ومقابلات ومقالات، وردود على المقالات، وتصريحات ونفي للتصريحات،
وإتهامات من كافة العيارات، ورد الإتهامات بعيارات أثقل، وبعد قراءاتي الثالثة
المتأتية لكافة ما ورد في الملف، إتضح لي أن موضوع جمعيات وهيئات ومنظمات حقوق
الإنسان في فلسطين، يستدعي وقفة جادة من اصحاب هذه الجمعيات والهيئات والمنظمات،
ومن كافة الجهات المعنية، سواء كانت رسمية أم شعبية، لأن واقع هذه الجمعيات و...
و.... وسير العمل فيها، أوضح دليل على خرق حقوق الإنسان، من قبل العاملين فيها
انفسهم، وبالتالي فإنه من غير المؤمل ولا المتوقع ضبط عمل هذه الجمعيات والارتقاء
به، ليكون قادراً على حماية حقوق الإنسان، والمحافظة عليها، وساحاول إثبات
(مزاعمي) هذه، عبر تسجيل الملاحظات التالية:
جمعية عن جمعية بتفرق
اعتقد
أن المسألة الغائبة عن بال وتفكير الغالبية العظمة من القائمين على عمل هذه
الجمعيات هي: ما هو المقصود بحقوق الإنسان؟ وسبب طرحي لهذه المسألة، أو زعمي لها،
هي ملاحظتي أن التخبط هو سيد الموقف لدى هذه الجمعيات. فبعضها ينشط زاعما في هذا
المجال، وإذا به لا يعي من مفهوم حقوق الإنسان، إلا ما يصدر عن أجهزة السلطة
الفلسطينية، وتحديدا (الأمنية)، من أعمال تنتهك حقوق المواطن الفلسطيني، رغم عدم
توعية هذه الجمعيات للمواطن، ما هي حقوقه الأساسية، ومتى يكون (عامل ما) تقوم به
الأجهزة الأمنية إنتهاكاً لحقوق الإنسان، ومتى يكون العمل نفسه ليس إنتهاكاً لحقوق
الإنسان، ولتقريب المسألة نسأل: هل اعتقال الأجهزة الأمنية لمواطن، يعتبر إنتهاكاً
لحقوق الإنسان؟ أغلب هذه الجمعيات والهيئات، تمتلىء تقاريرها بذكر العديد من حالات
الإعتقال، وتبرزها في نشراتها بخطوط عريضة، دون التدقيق في مسألة الاعتقال،
وخليفتها، وكيف تمت، والأهم: ماذا حدث بعد الإعتقال؟.. هنا في النرويج، وهي من أهم
وأرقى الدول في العالم قاطبة، محافظة ومراعاة لحقوق الإنسان، هل يتم إعتقال مواطن
ترويجي من قبل أجهزة الأمن أم لا؟ نعم.. يتم سنوياً عشرات حالات الاعتقال، دون أن
تجد لها ذكرا في نهاية العام في تقرير منظمة Amnestly النرويجية
لماذا؟ هل هو إهمال من المنظمة؟ لا لأن المعيار عند هذه المنظمة، هو: كيف تم
الاعتقال؟ وماذا جرى بعده للمعتقل؟ لا يجوز إعتقال المواطن بدون (قرار قضائي) من
القاضي والمحكمة؟ وهذا يعني أن الأجهزة الأمنية أو المدعي العام، يتقدم مسبقاً
للمحكمة، بالحيثيات والوثائق التي يعتقد أنها تدين ذلك المواطن، فإذا إقتنع بها
القاضي، أصدر أمراً أو موافقة لأجهزة الأمن باعتقاله، وعندما تحضر أجهزة الأمن إلى
منزل المواطن أو مكتبه، تبرز له أولاً موافقة القاضي أو قراره...
هذا
هو الأهم... بعد الإعتقال بأمر قضائي، لا يجوز بأي شكل من الاشكال، ولا أي سبب من
الأسباب، أن يبقى المواطن قيد الاعتقال أكثر من أربع وعشرين ساعة، دون تقديمه
للمحاكمة، وعندما يتم تقديمه للمحاكمة، فقد نزع عن الحالة صفة (خرق حقوق الإنسان)
لأنه من وجهة نظر الأجهزة الأمنية متهم، وعلى المحكمة تقرير ذلك، فللأجهزة
الأمنية، مدعيها العام، وللمتهم محامية الخاص، ويتقرر مستقبله في قاعة المحكمة،
وإذا خذلته المحكمة الابتدائية، تأتي بعدها المحكمة الثانوية، وبعدها المحكمة
العليا، وإن إراد فأمامه المحكمة الأوروبية في ستراسبورج.
هل
يجري في بلادنا شيء من هذا القبيل، سواء من جمعيات حقوق الإنسان، أو من الأجهزة
الأمنية سؤال بريء أترك الإجابة عليه لذوي الشأن في جمعيات حقوق الإنسان والاجهزة
الأمنية؟
وفي
المقابل هناك بعض الجمعيات، تجتهد في كل ما يتعلق بحقوق الإنسان، لكنها تتجاهل كل
الإنتهاكات أو التجاوزات التي تصدر أو تحدث من قبل أجهزة السلطة الفلسطينية،
والحالة هكذا، يجد المراقب الوضع نفسه بين فكي كماشة حادة، لا ترحم، ولا تعطي صورة
دقيقة عن حقوق الإنسان الفلسطيني، وينطبق على حقوق الإنسان الفلسطيني، وينطبق على
هذا المراقب، المثل القائل: (بين حانا ومانا، ضاعت لحانا) والمسألة أعقد، فاللحية
التي تضيع، تنبت مرة ثانية، ولكن حقوق الإنسان التي تضيع، لا تعود له، إن لم يجد
جمعيات نزيهة تعرف حدود عملها ومواصفاته.
وفي
هذا المجال، لا ينبغي كف النظر عن اللهجة العدائية في تقارير بعض هذه الجمعيات،
خاصة عند البحث عن السلطة الفلسطينية واجهزتها الأمنية، وهذا ليس دفاعاً عن السلطة
ولا أجهزتها، وهذا لا يعني أن السلطة الفلسطينية (كاملة الأوصاف) ولا ان أجهزتها
الأمنية، تخلو من الانتهاكات والتجاوزات العديدة ومختلفة الأشكال، ولكن هناك فرق
بين من يريد تشخيص الحالة بأسلوب موضوعي رصين، وبين من (وكأنه) يهدف إلى إثارة
رجال هذه الأجهزة أو تصفية حسابات شخصية معهم.
أكثر
ما صدمني في الملف الذي إطلعت عليه، هو الإتهامات المتبادلة بين بعض العاملين في
جمعيات حقوق الإنسان، ولن أذكر بعض أو كل هذه الأسماء، فأنا كمراقب من بعيد..
بعيد... هنا قريباً من القطب الشمالي، لا حسابات شخصية لي، وأقصد تشخيص الحالة
فقط، وهنا لا يهم ذكر الأسماء لو كانت الإتهامات الواردة في مقالات (البعض) (للبعض
الآخر) صحيحة، لكان من حق (المدعي العام الفلسطيني) إحالة تلك الشخصيات للتحقيق
والمحاكمة.. وإن لم تكن صحيحة، فهي أفدح خرق لحقوق الإنسان، من أفراد (يدعون) أنهم
يعملون في مجال حقوق االإنسان... بعض المقالات الإتهامية بحق (أشخاص)، ولأنهم فقط
يعملون في مجال حقوق الإنسان، كان يجب
أن تحركهم قانونياً للجوء للمحاكم، لتنفيذ هذه الإتهامات، وطلب (رد
الاعتبار) لذواتهم. ولكن عندما لم أجد في هذا الملف، ما يشير إلى أن واحداً ممن
دبجت ضده تلك الإتهامات، قد لجأ للقضاء، فهذا له تفسير، واحد من اثنين لا ثالث
لهما:
إما
أن هذا الشخص يعتبر من الخرق لحقوق الإنسان، هو أن يضرب شرطياً مواطناً، أما عندما
ضرب زميله بالقلم ضربات أشد قسوة من صفعات الشرطي بيده فهذه ليست خرقاً لحقوق
الإنسان، وربما إن أراد (التذاكي) يعتبرها من أبواب (حرية التعبير).
أو
أن هذا الشخص (يسترزق) من عمله في جمعيات حقوق الإنسان، وبالتالي لماذا اللجوء
للقضاء، وربما تكبر القضية، وتجر عليه من العواقب، ما لم يكن في حسبانه، ويخسر
رزقه كله أو بعضه، لذلك فكل هذه الإتهامات والشتائم لا تهم، ما دامت الجيوب دافئة
وعامرة!!
ومن الأمثلة ما يفيد!
هنا
في أوسلو، نشر الصحفي النرويجي المعروف، والمتخصص في شؤون الشرق الأوسط Odd Tviet قبل ثلاثة
أعوام، كتاباً مثيراً، عنوان (Alt for Israel) أي (كل شيء لاسرائيل) درس ووثق فيه العلاقات النرويجية الإسرائيلية خلال خمسين عاماً، وأورد فيه
معتمداً على وثائق الكنيست الإسرائيلي، أسماء بعض النرويجيين، الذين حاربوا عام
1948 مع عصابات الهاجانا، ومعرفة- حسب زعمه- سكرتير عام الأمم المتحدة، النرويجي
آنذاك Trygve Lee كان نشر الأسماء صدمة عنيفة، لمن لا يزال حياً منهم، ولورثة من
ماتوا .. نفى بعضهم على صفحات الصحف ما ورد في الكتاب، وقرر بعضهم اللجوء للقضاء،
لأن المؤلف أساء إليهم. درس هذا البعض القضية مع المحامين، فكان رد المحامين لهم :
(لا تستطيعوا رفع قضية ضده، لأنه لم يخترع هذه الأسماء من عنده، هذه الأسماء التي
حارب أصحابها مع الهاجانا عام 1948، أخذها من وثيقة رسمية من وثائق الكنيست
الإسرائيلي، لذلك فإن أردتم رفع القضية للمحاكم، فينبغي أن تكون القضية ضد الكنيست
الإسرائيلي، إن كان إفترى عليكم في وثيقته هذه، أو لأنه سمح لهذا الكاتب بالإطلاع
عليها).
وفوراً
إنتهت القضية من على صفحات الجرائد، ولم يصعدوها للمحكمة، لأنهم وجدوا أن الكاتب
لم يخطىء بحقهم. ولأن القضية ظلت في هذه المجريات، لم يتحرك لا المدعي العام ولا
رجال الأمن..
هل
يحدث هذا النقاش الهادىء الموضوعي في بلادنا؟.. وأورد ذلك، وأسأل هذا السؤال، لأنه
في هذه البلاد التي أصبحت فيها (حقوق الإنسان) خبزا يوميا، وحرية التعبير سلوكاً
عادياً، لا تجد في كتاباتهم- حتى عندما ينفذون شخصا أو حزبا- تلك الشتائم
والإهانات القذرة التي يمتلىء بها قاموسنا الصحفي، ومنه اللوائح الإتهامية من بعض
العاملين في مجال حقوق الإنسان في فلسطين، ضد بعضهم الآخر، دون أن يتحرك هؤلاء
المتهمين باقذع التهم، لرد الاعتبار لأنفسهم عبر المحاكم، التي هي ميدان إعادة
الحق لأصحابه، طبعاً دون أن ننسى أن هذا ايضاً مرهون باستقلال السلطة القضائية
ونزاهتها المطلقة.
لفت انتباهي ايضاً
في هذا الملف الوثائقي، كثرة عدد الجمعيات والهيئات العاملة في ميدان حقوق
الإنسان، أو التي تزعم ذلك، لم اصدق ما قرأت، لولا أن لكل جمعية أو هيئة نشراتها
والناطقون بإسمها وهيئة تحريرها، ومجلس أمنائها وأعضاء الشرف فيها.. عندما ناقشني
(مسؤول نرويجي عن حقوق الإنسان) عن هذا العدد، وهل هو ضروري لرقعة من الأرض في غزة
والضفة ما زالت أصغر من بعض المدن الأوروبية والأمريكية.. ويعيش فيها ما لا يزيد
عن مليوني مواطن.. لم أعرف بماذا أجيبه سوى: لا... لا... هذا العدد لا ضرورة له..
والصدمة الأكبر، عندما يطلعك ذلك المسؤول على عشرات طلبات ورسائل طلب الدعم
المالي، والحق أقول لكم: أن بعض هذه الرسائل الواردة من غزة أو الضفة الغربية أو
القدس، تستجدي المال بإسم حقوق
الإنسان، ما هي إلا مجموعة من التلفيقات والمبالغات وللاسف أغلبها يركز على
انتهاكات السلطة الفلسطينية، ولا ذكر لانتهاكات سلطات الاحتلال الإسرائيلي، وهذا
وحده ما ينبغي أن يخجل منه بعض العاملين في جمعيات وهيئات حقوق الإنسان في بلادنا
والحق أقول لكم : لو كان من حقي نشر بعض هذه الرسائل لخجل اصحابها من انفسهم،
عندما يعرف شعبنا كيف يمارسون ويعملون خاصة لدى الجهات الأوروبية، مانحة الجاه
والمال والأدهى من ذلك، هي شكوى الجهات الأوروبية، من غياب الموازنة الدقيقة لدى
كل هذه الجمعيات، وغياب الحسابات المقنعة، مما يؤدي تدريجياً إلى وقف الدعم
المالي، لأن غياب الحسابات الدقيقة، لأوجه الصرف اعتماداً على الميزانية الأساسية
(رأس المال) لا يعني سوى أن هناك هدرا لمال عام وإساءة لاستغلاله، وهذا لا يكون
إلا عندما تتم الإساءة لحساب اشخاص، أي لمصالحهم الشخصية.
ونحن
أمام هذا العدد الوفير من جمعيات وهيئات ومنظمات حقوق الإنسان، وعلى ضوء
الاعتبارات ومنظمات حقوق الإنسان، وعلى ضوء الاعتبارات السابقة، وغيرها الكثير
الذي يصعب في نفس ا لحيثيات، اقترح حلين:
أن تبادر هذه الجمعيات والهيئات
والمنظمات، لاجتماعات ونقاشات داخلية بينها، يلجم عنها إنصهارها كاملة، في بوثقه
إتحاد أو جمعية واحدة، يكون لهما عدة مكاتب في محافظات غزة والضفة، وحتى في هذه
الحالة، لا أفهم أكثر من مكتبين في غزة وثلاثة في الضفة وواحد في القدس الشرقية
على أن يضع الجميع على طاولة النقاش علنا وصراحة مصادر تمويلهم من الداخل والخارج،
لتكون أمام لجنة محاسبة وتدقيق علنية، تنشر كل عام الميزانية العمومية التفصيلية..
هذا الحل إن بادرت له هذه الجمعيات والمنظمات وحدها، طواعية وعن قناعة، فهي:
تبرهن
للجميع في الداخل والخارج، أنها مفهومة بحقوق الإنسان الفلسطيني فعلاً وفقط، وأن
لا مصلحة شخصية لها من خلال العمل في هذا المجال، بدليل أنها تتوحد وتضم
ميزانياتها ودخولها لبعض، أمام لجان محاسبة رسمية وعلنية.
سوف
تكسب إحترام وتقدير الجهات الأوروبية والأمريكية الداعمة مالياً، لأن هذه الجهات
يهمها الشفافية في العمل، والصدق والأمانة في الحسابات، بدليل أنهم. يحيلون أكبر
الشخصيات في بلادهم للمحاسبة وربما المحاكمة، بسبب تجاوزات مالية بسيطة، وكلنا
نسمع عما جرى لهلموت كول مستشار ألمانيا السابق، أو لما هو قريب منا جغرافيا، أعنى
ما جرى لبنيامين نتنياهو أو حاييم فايتسمان.. وهذا سوف يعني استمرار دعم هذه
الدول، التي أوقف بعضها دعمه، وبعضها في طريقة لذلك..
وإن
لم تبادر هذه الجمعيات والمنظمات للحل المذكور، يكون الحل الثاني، هو ان يقوم مجلس
أو اتحاد للمنظمات الفلسطينية غير الحكومية) لعمل وإجراء ما، يخلصنا من هذا العدد،
وهذه الترجمة التي تعيق فعلا حركة العمل الجاد من أجل حقوق الإنسان الفلسطيني. إذ
أنه من غير المعقول ولا المنطقي ولا المقبول، أن يكون العدد لدينا أكثر من عدد
الجمعيات العاملة في نفس الميدان في بلد شقيق ومجاور مثل مصر التي يربو تعدادها
السكاني، على ستين مليونا .. وفي هذه الحالة، يستطيع مجلس إتحاد المنظمات
الفلسطينية غير الحكومية المقترح أن ينسق عربياً ودولياً مع إتحادات وشبكات مماثلة
كما هي تجربة (المنظمة العربية لحقوق الإنسان)، لتجميع كافة منظمات وهيئات حقوق الإنسان
الفلسطينية في منظمة واحدة، تسمى (المنظمة العربية لحقوق الإنسان- فرع فلسطين) كما
هو معمول به في العديد من الأقطار العربية.
وما العمل أن لم يحدث هذا وذاك؟
إن
اعتمد واحد من هذين الحلين، فهذا في رايي سوف يعزز مكانة وعمل العاملين في مجال
حقوق الإنسان في فلسطين، ويجعله أكثر مصداقية وتأثيراً، ولكن إن بقيت الأمور على
حالها، فلا ينبغي أن نبقى ساكتين، وشهود زور على هذا التخبط، وعلى استرزاق البعض
باسم حقوق الإنسان.
وعندئذ
يأتي دور وزارة العدل التي عليها أن تبادر إلى حل كل الجمعيات القائمة، وتقوم
الوزارة بتشكيل جمعية واحدة، تلتقي لعضويتها وإدارتها الشرفاء الصادقين من كل
الجمعيات والمنظمات القائمة، وتضع لها لوائح وانظمة داخلية واضحة وصريحة محددة،
وبعد التشكيل، ترفع وزارة العدل يدها عن هذه المنظمة الجديدة، لتمارس عملها
باستقلالية كاملة.
وربما
يرى البعض في هذا الحل، حلا سلطوياً، ومهمتهم ملاحقة انتهاكات السلطة لحقوق
الإنسان، إلا أنني أرى عكس ذلك فاذا لم نثق في وزارة العدل، وما يتبعها من هيئات
قضائية، فلن نكون في وضع يسمح لنا، بالدفاع عن حقوق الإنسان الفلسطيني، وملاحقة
التجاوزات والانتهاكات التي يتعرض لها المواطن، إن العمل السياسي لجمعيات ومنظمات
حقوق الإنسان ليس رصد الانتهاكات، وتدبيج التقارير عنها أن العمل الأساسي هو
ملاحظة هذه الانتهاكات والمظالم، ومحاولة رفعها عن كاهل المواطن، وفي النهاية يتم
إعداد التقارير على الإنتهاكات التي ظلت قائمة فعلاً، ورفضت سلطات الحكومة وآمنها
سماع رأي المنظمات حولها.
إن
نسج وإقامة علاقة صحية ونظيفة، هادئة وموضوعية، بين هذه المنظمات والسلطة القضائية
والسلطات الأمنية، هو وتجب ضروري، كي تستطيع هذه المنظمات لقاء مسؤولي هذه السلطات
ومراجعتهم في كل ما يهم حقوق المواطن.
إما
الإكتفاء برصد حالات التجاوز والإنتهاكات وكتابة التقارير الحادة المتشنجة حولها
فهو- من خلال تجربتي هنا في الترويج- يخدم فقط تيارا متصهينا داخل منظمات حقوق
الإنسان الأوروبية والأمريكية، ينشرح صدره للتقارير النارية ضد تجاوزات أجهزة
السلطة الفلسطينية، فيركز عليها في وسائل إعلامه، فيشوه صورة شعبنا، ليقول بشكل
غير مباشر: (تصوروا.. كانت أجهزة إسرائيل اكثر رحمة منهم)، ومقابل ذلك يغدقون
الأموال على معدي هذه التقارير، دون أن يحاسبوهم كيف صرفوها، فهم يريدون إستمرار
سلب الأموال لأغراض الثراء الشخصي، مقابل هذه التقارير التي تخدم أغراضهم.
هل
يعني هذا وقف نقد أجهزة السلطة لا .. إن هذا الكلام لا يعني أن أجهزة السلطة
الفلسطينية القضائية والأمنية، تخلو من الانتهاكات والتجاوزات بحق حقوق الإنسان
الفلسطيني،لا... وكي أقطع الطريق على من يحاول تحريف الغرض من حديثي هذا أقول بصوت
عال:
نعم
أن اجهزة السلطة الفلسطينية، تقوم بتجاوزات وانتهاكات لحقوق الإنسان الفلسطيني
بشكل لا نرضاه، ولا يليق بأبناء شعبنا بعد كل هذه التضحيات.
ونعم
أن اجهزة السلطة الفلسطينية القضائية، تحتاج إلى مزيد من الاستقلالية، لتحقق عدالة
أشمل وأوسع للمواطن الفلسطيني.
ولكن
الإنسان الصادق/ الوطني/ الذي يعمل في مجال حقوق الإنسان، إيماناً وليس إسترزاقا،
يغرق بين الشتائم والنقد الهادىء الموضوعي، ويعرف كيف يكتب تقاريره يرصد فيها كل
التجاوزات والإنتهاكات صراحة وعلناً دون أن يعطي الفرصة (عمدا) للآخرين لتشويه
صورة شعبنا وسلطته الوطنية، والغريب في الأمر أن البعض، عندما يشتم، يقنع نفسه
بأنه يشتم وينقد السلطة الفلسطينية، وليس الشعب الفلسطيني، وكأن رجال هذه السلطة
نزلوا علينا من كوكب أخر، وليسوا من أبناء شعبنا .. والإنسان الوطني الصادق هو
الذي يرفض الثراء غير المشروع باسم حقوق الإنسان، ومستعد أن يفتح دفاتر حساباته
أمام أي شاك، وغير متيقن، لأن بعض الدول والجهات المانحة لهم، يعرفون أن بينهم
العديد من المسترزقين، ولكنهم مستمرون في الدفع لأغراض مختلفة، ليست كلها، وليست
دوماً غيره على حقوق الإنسان الفلسطيني وللعلم فإنه في كل الدول والجهات الأوروبية
المانحة للأموال، بعض الاشخاص المستفيدين أيضاً فهم يقبضون من دولهم وأقول هذا عن
معرفة ويقين، لقاء أسماء شبه وهمية، وأعمال لا وجود لها إلا على الورق، وبعضهم
يقوم بدور (الوسيط الواسطة) مع الجمعيات والهيئات الفلسطينية، وعبر التطبيق أصبح
بينهم (عقد عمل غير شريف وغير موقع) ولكن متفاهم عليه بلغة العيون والإشارات،
مفاده (شيلني واشيلك)!..
لذلك
نأمل أن يتم تصحيح وتصويب أوضاع هذه المراكز والمنظمات والجمعيات، على ضوء كل ما
ورد، أو عبر آلية وطرق واضحة يقترحها العاملون فيها، وعندئذ سنطلب من الجميع
دعمهم، وسنكتب بشكل أحد وأقوى، دفاعاً عنهم، وتثمينا لجهودهم. وإلى أن يتم ذلك
سنظل نقول بصوت عال، سنحاول توصيله إلى الجهات المانحة للمال:
يا حقوق الإنسان الفلسطيني .. كم من الانتهاكات تتم باسمك!
يا حقوق الإنسان الفلسطيني . كم من
الجيوب اثرت باسمك.
وكل حقوق إنسان، ونحن وانتم وهم
بخير.. والله من وراء القصد وتلك الجمعيات من أمامه!
النشرة – السنة الخامسة عشر- العدد
الأول – أواخر يناير – كانون ثاني 2002-