![]() |
ثارت مناقشات حادة في الأسابيع الأخيرة في الأردن, حول أداء النقابات
الأردنية, ممثلة في " مجمع النقابات المهنية" ودورها أو أدائها وسط
المجتمع الأردني, وهل ينسجم ذلك مع القانون والدستور أم لا؟
في هذه النظرة المقارنة, سأحاول إعادة النظر في هذا الأداء على ضوء"
العمل النقابي" في الدول الإسكندنافية " النرويج, الدنمارك,
والسويد", التي تعيش منذ عشرات السنين أرقى" حالة ديمقراطية" في
العالم... وأمل في نهاية هذه المقارنة, الإجابة على سؤال: هل النقابات الأردنية, مؤسسات
عامة مهنية أم مجلس قيادة ثورة, كما سماها أحد الزملاء في الأسابيع الأخيرة!
بداية المشكلة كما أرى هي في عدم الوعي الكامل لحدود مفهوم الديمقراطية,
هنا الفرد والنقابة والحزب, يفهم الديمقراطية, على ضوء أو حسب مصلحته الخاصة
الضيقة, في حين أنه في الدول الديمقراطية العريقة, كالدول الإسكندنافية, هناك
مفهوم راسخ للديمقراطية, ينسجم مع القانون والدستور, ولا يجوز لفرد أو لنقابة
ممارسة نقيض ذلك, فهناك مثلا:
·
عمل النقابة محدد فقط
في الميدان النقابي, الساعي لخدمة أعضائها, وتطوير المهنة, وتحقيق إمتيازات
إجتماعية ومادية للأعضاء.. ولا يجوز مطلقا لأي نقابة التدخل في الشأن السياسي مهما
كان.. عضو النقابة الذي يريد ممارسة العمل السياسي الذي يناسب توجهاته, وداخل مقر
النقابة لا ذكر لأي فكرة سياسية, ولا ممارسة لها.
·
لا يجوز ولا يحدث مطلقا
القيام بمظاهرة مهما كان هدفها, إلا بعد موافقة الجهات الأمنية, التي تحدد يوم
ودقيقة إنطلاقها, والشوارع التي تسير فيها, ولحظة إنتهائها وتفرق المشاركين فيها..
وفي السنوات الأخيرة, عبر مشاركتي في الحياة السياسية في النرويج, رفضت العديد من
المظاهرات في السويد والدنمارك والنرويج, في السنتين الأخيرتين, إستعملت قوات
الأمن: الهراوات والعصيِ والخيول والغاز المسيل للدموع ضد المتظاهرين, لإنهم
تجاوزوا الوقت المحدد للمظاهرة, ورفضوا التفرق, أو لإنهم لم يلتزموا بالمسار الذي
حددته مسبقا الجهات الأمنية لسير المظاهرة.
·
النقابات هناك تعرف
حدود عملها فتلتزم به, لأنها نقابات ديمقراطية... لا إلزامية مطلقا لعضويتها لأن
الإلزام يعنى نقيض الديمقراطية, هنا في الأردن إلزامية العضوية في النقابات, لا
شرعية لها, ولا أساس لها في أي مفهوم ديمقراطي.... وهناك عشرات ومئات من كل المهن,
ليسوا أعضاء في نقاباتهم.. لذلك فإن أردنا في الأردن توسيع هامش الديمقراطية, وكي
نثبت لأعضائنا أننا ديمقراطيون حقا, فعلى النقابات ذاتها, المبادرة إلى إلغاء
إلزامية العضوية, قبل أن تبادر جهات حكومية لإلغائها, وعندئذ فهذا الإلغاء ينسجم
مع مفهوم الديمقراطية الحقيقي, وليس من مصلحة النقابات أن تكون الحكومة منها على
التطبيق الديمقراطي.
·
الخلاف في الرأي أو
التوجه بين النقابة هناك, وأي فرد, أو جهة, لا مجال مطلقا لحسمه إلا في المحاكم,
ولا يجوز لأي نقابة أن تصدر بيانات تشهير وتهديد لأي فرد مهما فعل, إن كانت هناك
أي مشكلة, فالقضاء هو الحكم الأول والأخير.
قضية "الإنضمام للسوق الأوروبية المشتركة", بالنسبة للمواطن
والنقابي النرويجي, في مستوى أهمية التطبيع مع إسرائيل التي أثيرت في الأردن في
السنوات الأخيرة, هل قام معادو الإنضمام للسوق الأوروبية بمهاجمة مؤيدي الإنضمام,
ببيانات تشهير وتكفير, وطلب التوبة منهم, وإلا فلهم الويل والثبور.. لا .. ألف
لا.. هنا.. في الأردن, لو احتكم الذين نشرت النقابات أسماءهم ضمن قوائم"
المطبعين" و" التوابين" إلى القضاء, وحسب التطبيقات الاسكندنافية,
لكسبوا قضايا, كانت ستؤدي إلى حل بعض النقابات, او محاسبة القائمين عليها, وإجبارهم
على تعويضات معنوية بالملايين, لمن تم التشهير بهم.
· وسيلة
المظاهرات معروفة هناك, وتستخدم لإبداء الرأي, والتضامن, والاحتجاج, ولدى المواطن
الإسكندنافي العديد من القضايا التي يستخدم
المظاهرات والتجمعات, للتعبير عنها, ولكن ليس بهذا الإفراط كما في الأردن, الذي
جعل بعض المراقبين يصفون الشعب الأردني بأنه" شعب مهنته المظاهرات"...
وكذلك لا يصاحب مظاهرات تلك الشعوب الديمقراطية أية مظاهر تحد لقوات الأمن, ولا
تخريب لأملاك المواطنين... هنا في الأردن ومن خلال تسعير
النقابات لمفهوم" المظاهرة" أصبحت سمة أغلب
المظاهرات, الصدام مع قوات الأمن, وفي بعضها تدمير وإحراق أملاك المواطنين.....
· مجمع
النقابات هنا وحسب ملاحظتي الدقيقة, وربما نتيجة سيطرة إتجاهات سياسية معينة عليه, غلب السياسي على النقابي, ودس
أنفه فيما يعنيه ولايعنيه.. هنا في مجمع النقابات حدثت العديد من الممارسات, لو
ترجمتها لنقيب المهندسين السويديين, أو نقيب الأطباء النرويجيين أو نقيب الممرضين
الدانمركيين لربما اقدم على الانتحار, لإنه لا يتصور
فهما ديمقراطيا, يبيح ذلك, وبعض الأمثلة فقط:
· ما معنى وما
الفائدة من كل هذه المظاهرات تحت مسميات دعم الانتفاضة والشعب الفلسطيني, ودوما
يتم خلالها الصدام مع قوات الأمن, وتعطيل حركة وعمل المواطنين, وتدمير أملاكهم
أحيانا.. أما كان الأجدى تبرع كل عضو في كل النقابات براتب ذلك اليوم الذي سار فيه
في المظاهرة, لدعم الشعب الفلسطيني.
· ما معنى هذا
الشعار الذي يرفرف على مقرات النقابات منذ سنين: " يا قدس... إنا قادمون" فهل وصلتم أيها القادمون..؟! أم أنها شعارات
للعب بعواطف الجماهير الغفورة والغفيرة في آن واحد!
· ماذا حققت
" مسيرة الوحدة" في انطلاقها من الأردن إلى سوريا ولبنان والعراق, غير
بيانات وصور في وسائل الإعلام؟! لماذا لم يفكر القائمون عليها في إرسال تكاليف هذه
المسيرة إلى الشعب الفلسطيني" الباكي عليه ليلا ونهارا" والإكتفاء ببيان يذكر بالوحدة ويتمنى حدوثها.
· هل من عمل
مجتمع النقابات الدعوة إلى عقد مؤتمر القمة العربي, كما حدث في الأردن منذ أسابيع
قليلة....
عندما ترجمت
كل هذه الأعمال والتحركات من قبل مجتمع النقابات, لصحفي نرويجي مشهور متخصص في
شؤون الشرق الأوسط, وصل معي إلى الأردن, في طريقه إلى فلسطين وإسرائيل... طلب مني
إعادة الشرح والتوضيح, ليتأكد أن كل هذه الأعمال, يقوم بها مجمع نقابات مهنية..
ضحك وسألني: هل تكتب لي رسالة باللغة العربية, كي أرسلها لقيادة مجمع النقابات؟!..
سألته حول ماذا: قال: أود عتابهم: لماذا لم يرسلوا برقية تأييد للرئيس الفنزويلي,
الذي أطاح به انقلاب غير ديمقراطي قبل شهرين... واستطاع العودة للرئاسة, بعد
يومين, مدعوما بقوى الشعب الديمقراطية, ألا يستحق من هكذا مجمع نقابات, برقية
تأييد ودعم ومؤازرة.
وكنتيجة
أستطيع القول: أن فهم البعض للديمقراطية في الأردن, لا يؤدي إلا لتضييق مفهوم
الديمقراطية, وهذا البعض يفهم الديمقراطية, بأنها ديمقراطية التوجهه فقط, حتى ولو على حساب قمع الآخرين ومصادرة حرياتهم,
وهم بذلك يُنصبون أنفسهم ليس حماة
للديمقراطية, ولكن مجالس لقيادة الثورة.. وهذا من شأنه عدم الإسهام في ترسيخ
ديمقراطية حقيقة, والله من وراء القصد!.00