![]() |
الكاتب الفلسطيني الدكتور أحمد أبومطر يكتب ل"الإتحاد" من أوسلو مناقشة لقضية
مختلف عليها : أمّة عربية واحدة أم شعوب عربية متعددة ؟ (2-2)
نبدأ هذه المناقشة بالسؤال : هل يصح أن الشعوب العربية في مختلف
الأقطار العربية، تريد الوحدة العربية وتطمح إليها؟ إن المشاهدات والوقائع
الميدانية تثبت بشكل قاطع، أن مسألة الوحدة العربية الشاملة، لا تشغل أي حيّز من
وجدان الشعوب العربية، وبالتالي فهي ليست تطلعها الأساسي .. ماذا تقول المشاهدات
والوقائع الميدانية في الحياة العربية ؟
1- إن عرب شمال أفريقيا، وتحديداً في الجزائر وتونس والمغرب،
بعيدون في الوجدان والاهتمامات عن عرب بلاد الشام، وتُشكل اللغة عائقاً مهماً في
التواصل بين كتلة عرب شمال أفريقيا، والشعوب العربية الأخرى، إذ رغم جهود مضنية في
مجال التعريب اللغوي، ما زال اللسان العربي في شمال أفريقيا، صعبٌ عليه التواصل
باللغة العربية السليمة، أما اللغة العربية المحكية (العاميّة) في تلك الأقطار فمن
المستحيل فهمها في بقية الأقطار العربية، وأعتقد، من خلال زيارتي لتلك الأقطار
واحتكاكي بقطاعات واسعة متنوعة من شعوبها، إن من الأسهل على تلك الشعوب التعبير عن
نفسها باللغة الفرنسية، غير متناسين أن هناك نسبة واضحة خاصة في الجزائر، لغتها
الأساسية هي ( الأمازيغية) ويرفضون
فرض اللغة العربية عليهم.
وفي السياق ذاته، فإنه لسنوات قليلة، كان من الصعب على عرب شمال
أفريقيا أن يفهموا أو يتخيلوا وجود عرب مسيحيين في الشرق العربي، وليس نكتة أو
مزاحاً ، ولكنه حقيقة، عندما طلب العقيد معمر القذّافي من الدكتور جورج حبش في
السبعينات، أن يعتنق الإسلام، وكان يُصرّ القذافي على أن يناديه باسم
(الخضر) أو (خضر). وقد لمست
ذلك شخصياً في الجزائر وتونس، إذ كانوا يسألونني : هل صحيح يوجد لديكم فلسطينيون
مسيحيون؟ ثم يردفون بالسؤال : وهل هم عرب؟ .. وهذا السؤال ليس غريباً ولا مستهجناً
عندما نتذكر أن المفكر والرائد عبد الحميد بن باريس، الذي يُعتبر أحد ملهمي الثورة
الجزائرية، صاغ الشعار القائل : "أنا مسلم للعروبة أنتسب" أي أنه يعتبر
نفسه مسلماً أولاً، ينتسب لبلد عربي، كما أن هناك مسلماً ينتسب لباكستان، ومسلماً
آخر ينتسب لإيران .. الخ .
2- إن الشعوب العربية، في دولة الخليج والجزيرة العربية، لا
يمكن أن تكون مع الوحدة العربية بمعناها الإندماجي الشامل،لأن هذا معناه
توزيع ثروة هائلة ينعم بها الآن حوالي سبعة وعشرين مليون عربي على حساب عرب آخرين
يبلغ مجموعهم حوالي مائتين وخمسين مليوناً، أغلبهم في أقطار فقيرة، وهذا معناه
فقدان إمتيازاتهم ومستوى حياتهم الرغيد المرفّه، وهذا ليس خللاً في
تفكيرهم وشعورهم، فالإنسان بطبعه في كل مراحل التاريخ يسعى نحو الحياة التي توفر له
ولأجياله القادمة كل متطلبات عيشه بسهولة ويسر، فمن يقبل من أجل مبدأ سياسي أن
يعود لحياة الفقر والحاجة؟!
3- إن الصومال، رغم عضويتها في جامعة الدول العربية، فإن شعبها
خليط من أقوام مختلفة، والعرق العربي بينهم نادر، بدليل أن اللغة الرسمية عندهم هي
السواحلية،وقليل منهم من يعرف اللغة العربية، وكذلك شعب جيبوتي وموريتانيا، مع
الإقرار بأن اللغة العربية منتشرة بشكل أوسع في موريتانيا، وفيها آداب ومؤلفات لها
عمقها العربي .. وأعتقد بشكل قاطع أن ظروف انضمام هذه الدول لجامعة الدول العربية
كانت لدوافع المصلحة الإقتصادية، وليس بدافع الإحساس بالوجدان والشعور العربيين،
وهذا ما يجعلنا نسأل : ما هي خلفية وأسباب انضمام دولة جزر القمر لجامعة الدول
العربية ؟ هل شعبها من الشعوب العربية؟ هل لغتها هي اللغة العربية؟ إن مجرد قبول
جامعة الدول العربية عضوية دول جزر القمر، إنّما هو اعتراف ضمني وصريح بأن عضوية
الجامعة العربية ليست حكراً على
الناطقين باللغة العربية، أو الذين يقطنون الأرض التي تسمى الوطن العربي، في حين
أن الدول الأوروبية مجتمعة ما زالت حتى الآن ترفض عضوية تركيا في السوق الأوروبية
المشتركة، رغم وقوع أجزاء من تركيا داخل القارة الأوروبية، في حين أن جزر القمر
بعيدة داخل المحيط عن أية حدود عربية، حيث تقع في محيط بحر موزمبيق، قريباً من
شواطئ أفريقيا .. فما علاقتها بالعرب والعروبة ؟! .
أستطيع القول استنادا إلى ما سبق أن فكرة القومية العربية،
والوحدة العربية، هي فكرة مصطنعة غير واقعية، بُلغَ فيها بشكل نظري فقط في فترة جمال عبد الناصر، الذي كان يعتقد
أنه من خلال بث الروح في هذه الفكرة، يستطيع أن يحكم الأقطار العربية كلّها،
وبدلاً من ذلك، أساء علاقاته مع أغلبية الدول العربية، ولم تشهد الحكومات العربية
فرقة وتشرذماً ونزاعات، كما شهدت في فترة حكمه، ومن بعده فترة صدام حسين، وأيضاً باسم حزب البعث العربي، صاحب
شعار (أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة) .
أما الفكرة من أساسها، فقد كانت من إختراع بعض المفكرين العرب
المسيحيين، خاصة بعد الأحداث الدموية التي حدثت بين المسلمين والمسيحيين في لبنان عام
1868 وما تلاه، مما إضطر بعض الكتاب المسيحيين إلى تغيير أسمائهم إلى أسماء
إسلامية، كما فعل من سُمّي ( أحمد فارس الشدياق)، ومنهم من وجد أن الحل لهذه الإضطرابات والمشاكل الطائفية هو
في تغليب الطرح والفكر القومي، ليكون له السيادة فوق الفكر والطرح الطائفي الذي
يفرق العرب إلى مسيحيين ومسلمين، لذلك يلاحظ أن غالبية رواد الفكر القومي أمثال :
قسطنطين زريق، ونيقولا زيادة، وإلياس فرح، وميشيل عفلق، وجورج حبش وغيرهم، وهذا لا
ينقص من قدرهم أبداً فهم اجتهدوا في البحث عما يجمع هذه الشعوب ويوحدها، لتصبح قوة
في مواجهة القوى الناشئة آنذاك، وليس أيضاً مما يسجل ضدهم ، أنهم حاولوا إيجاد
قواسم مشتركة، خاصة اللغة العربية، لتوحيد هذه الشعوب، لكن للأسف الشديد، كانت
عوامل الفرقة والإختلاف بين هذه الشعوب أقوى، لذلك ورغم مرور ما يزيد على
خمسين عاماً من المحاولات الوحدوية، فكراً وتطبيقاً، ما زالت هذه الشعوب العربية،
لا يجمعها في الغالب سوى ( اللسان العربي) وهو وحده ليس كافياً لتوحيد الشعوب.
ففي أمريكا اللاتينية مئات
الملايين الناطقين باللغة الإسبانية، وبينهم من الفرقة والنزاعات ما بين الشعوب
العربية . إن عامل اللغة وحقب تاريخية مشتركة، والعادات والتقاليد المتقاربة، لا
تشكل قومية واحدة؛ وهذا دليل فشل كل المحاولات في مجال التوحيد بين الأقطار
العربية، حتى إن وحدة شعب واحد هو الشعب اليمني، الذي عاش فترة طويلة بين (شمالي)
و(جنوبي)، إحتاجت إلى حرب أهلية طاحنة لجمع شمل هذا الشعب الواحد. والتذكر
بمراحل توحيد القطر اليمني تثبت بلا جدال، أن عناصر الإنشقاق والتفرق هي الأقوى في
نفوس الشعوب العربية. إن تقلب صفحات تاريخ الشعوب العربية القريب يعطينا أدلة
جديدة دامغة، على أن هذه الشعوب العربية ما فكرت يوماً في الوحدة العربية، والوحدة
الوحيدة أو الأدق لمٌ الشمل الوحيد الذي عاشته هذه الشعوب كانت تحت سيطرة الإحتلال العثماني، وهي مسألة شكلية لم ترق إلى فكرة
الوحدة الفعلية لشعوب متعددة .. نعم إنها مجموعة شعوب عربية، تسكن رقعة جغرافية
متماسكة، أُطلق عليها إسم سياسي في وقت قريب جديد هو(الوطن العربي) ، وقبل ذلك ،
كان يسود المنطقة تسميات متعددة، فمصر والسودان هي بلاد وادي النيل، والعراق بلاد
الرافدين، وسوريا ولبنان وأجزاء من الأردن هي بلاد الشام. ونتيجة هذا الواقع
الفعلي السائد والذي يشعر به أبناء هذه الشعوب العربية حقيقية، وجدنا تطبيقات
إقليمية سائدة، ولها رواج أشد من رواج الفكرة الوحدوية القومية، وتكفي الأمثلة
التالية :
1- إن فكرة ودعاوى الوحدة
والقومية العربية التي انبعثت في
المشرق العربي في مطلع القرن العشرين، لم تجد أي صدى لها في مصر والسودان وأقطار
المغرب العربي، وقد انحصرت هذه الفكرة في منطقة بلاد الشام تحديداً.
2- كان بعض مشاهير الكتاب
المصريين لسنوات قليلة سبقت عام
1950، يكتبون عن (الأدب المصري) وبعضهم يكتب عن الجذور الفرعونية لمصر، ولم تتوقف
هذه الأطروحات إلاّ بعد وصول جمال عبد الناصر للسلطة في إنقلاب 1952، وفرضه بالقوة
فكرة القومية والوحدة العربية، فتراجعت الأفكار الأخرى خوفاً من قمع عبد الناصر
الذي لم تشهد له الشعوب العربية مثيلاً إلاّ في زمن صدام حسين.
3- ما هي دلالة أن مصر أكبر
الأقطار العربية، وأكثرها سكاناً، وأعرقها حضارة، وأكفأها في الطاقات والخبرات في
المجالات، كانت أول دولة عربية توقع معاهدة الصلح والإعتراف بإسرائيل التي طالما
أصمّ آذاننا دعاة الفكر القومي، بأنها دخيلة على الوطن العربي، وكرّت مسبحة الإعتراف والصلح بعد إعتراف مصر عام 1977، ليلحق
بها الفلسطينيون عام 1993 والأردنيون عام 1994، وبقية الشعوب على الطريق، كما تشهد
المباحثات والمحادثات في المنطقة.
وبذلك تنهار فكرة (وطن عربي
واحد)، لأنه بعد الإعتراف بدولة إسرائيل، يصبح في داخل هذا الوطن المسمى
(العربي)، شعب جديد هو الشعب اليهودي في دولة إسرائيل، ينطق بلغة مختلفة هي
(العبرية)، ويدين بديانة مختلفة هي (اليهودية)، لذلك تروج في المنطقة منذ سنوات،
فكرة جديدة هي (الشرق أوسطية)، وهي بلا جدال البديل لفكرة (الوطن العربي)، فالشرق
أوسطية تعني جميع الشعوب التي تقطن الشرق الأوسط: الشعوب العربية والشعب
الإسرائيلي.
مستقبل الوطن العربي .. إزاء هذا الواقع الجديد، ما هو مستقبل
هذا الوطن العربي الذي يتحلل ويتفكك كهوية سياسية؟ إن النظرة الواقعية التي تنطلق
من إمكانيات الواقع، توصف هذا المكان الذي يطلق عليه بشكل نظري إسم (الوطن العربي) بأنه
:" صفة مكانية لرقعة من الأرض، تسكنها في الغالب عدة شعوب من أصل واحد، له
تفريعات عشائرية وقبلية متنوعة، قريبة في مكان ومتباعدة في مكان آخر، وكل شعب
يُسمى بإسم المكان الذي وُجد فيه" وهذا ما أوجد لدينا تسميات: الشعب السوري، والشعب المصري،
والشعب العراقي، والشعب المغربي... الخ، وهذه التسميات أخذت صفة سياسية واضحة
المعالم، عقب التقسيمات الحدودية التي وضعها الغرب في مطلع القرن العشرين، ولو كان
هناك حد أدنى من الإحساس الداخلي الفعلي والصادق، بوطن عربي واحد، لما عاشت هذه
الشعوب وما زالت، مشاكل حدودية يتم النزاع فيها على كيلو مترات محدودة من الأرض،
وما زالت لدى هذه الشعوب وأنظمتها الحاكمة العديد من هذه المشاكل كما هو بين اليمن
والسعودية، ومصر والسودان، وقطر والبحرين، والعراق والكويت، وفي أحيان كثيرة أدّت
هذه المشاكل الحدودية إلى نزاعات عسكرية خطيرة ومدمرة.
إن تسمية ووضع الشعوب
العربية، يشبه إلى حدّ كبير، تسمية ووضع الشعوب الأوروبية، التي تطلق عليها هذه
التسمية فقط لأنها تعيش في مساحة مكانية واحدة هي القارة الأوروبية، وتشترك في
الغالب في ديانة واحدة هي (المسيحية)، دون وجود عنصر اللغة الواحدة، كما هو حال
الشعوب العربية من التي لم تكن إمتيازا – كما لاحظنا- يوحّد هذه الشعوب.
وهذه المقارنة التي تميل فيها
الكفّة لصالح الشعوب الأوروبية عند الحديث عن التكامل والوحدة والتنسيق المشتركة،
تجعل تجربة الشعوب الأوروبية التى وصلت الآن إلى أعلى مراحل
التنسيق عبر طرح العملة الموحدة (اليورو) عام 2000، وفتح الحدود بينها بشكل نهائي
منذ سنوات، هي التجربة الأفضل للشعوب العربية، الإهتداء بها، ومحاولة تطبيقها، إذا أرادت السير في مجال
التنسيق والتكامل، وربما مستقبلاً الوصول إلى شكل من أشكال الوحدة، مع الأخذ بعين
الإعتبار بعض الفوارق الخاصة ببنية
الشعوب العربية، وهذا ما يجعلنا نرى ونعتقد، أن الخطوة الأولى هي الإعتراف بهذه الفوارق، مما
يجعلنا أمام أربعة كتل عربية، حسب القرب في الذوق والعادات والتقاليد واللهجة،
وهي:
1-
كتلة
شعوب بلاد الشام(سوريا ولبنان والعراق وفلسطين والأردن).
2- كتلة شعوب وادي النيل (مصر والسودان)، مع الأخذ بالاعتبار
أيضاً خصوصية جنوب السودان حيث الأغلبية تدين بالمسيحية، وتطالب منذ سنوات بشكل من
أشكال الإستقلال أو الحكم الذاتي، مما أوقع السودان في حرب أهلية
مستمرة منذ سنوات طويلة، أرهقت السودان ودمرت اقتصاده، والغريب في الأمر هو اللجوء
إلى السلاح لإقناع شعب بأنه جزء من شعب آخر رغم أنفه.
3- كتلة شعوب الخليج والجزيرة العربية (المملكة العربية
السعودية، وقطر، والبحرين، والكويت، وسلطنة عُمان، ودولة الإمارات العربية
المتحدة، واليمن) .
إن الإعتراف بوجود أربع كتل عربية
تسكن المنطقة المسمّاة (الوطن العربي)، يجب أن تعقبه خطوتان:
أ-
التكامل
الاقتصادي أولاً بين أقطار كل كتلة على حدة أولاً، وما يعقب ذلك بشكل طوعي وإختياري (ديمقراطي)، أي شكل من
أشكال الوحدة والتنسيق السياسي.
ب- التنسيق الإقتصادي بين الكتل الأربع، بعد أن تكون
حسب الخطوة الأولى، قد أنهت وأقامت فيما بينها – أي كل كتلة- أرقى أشكال التكامل
الاقتصادي، وهذا يعني ميدانياً تطبيق مشروع الوحدة الاقتصادية، أو السوق العربية
المشتركة، الذي طرحته فعلاً جامعة الدول العربية منذ عشرات السنين، دون أن تنجح في
تنفيذ أية خطوة من خطواته، فما زالت الحواجز الجمركية قائمة، وتبادل السلع يخضع
لقيود صعبة.
إن التنسيق والتكامل الإقتصادي عبر الخطوتين
السابقتين، هو أقصى ما يمكن الوصول إليه بين الكتل العربية الأربع، ضمن معرفة
الواقع السائد بين تلك الشعوب وأنظمتها الحاكمة، ورغم أنه هدف متواضع بالنسبة لأُطروحات دُعاة القومية العربية
والوحدة العربية الشاملة، إلاّ أنه أيضاً –
رغم تواضعه- يحتاج إلى متطلبات عديدة، على الشعوب والأنظمة العربية خلقها، كي يصبح الوصول إلى الهدف
المتواضع ممكناً وميسراً، وهي متطلبات لا نعتقد أن الأنظمة العربية الحاكمة، ولا
نفسية الشعوب العربية نفسها، قادرة على خلقها، وأهمها:
س تعميم مسألة الديمقراطية
والتعددية الحزبية في كل الأقطار العربية، على أن يكون كل حزب من هذه الأحزاب
حزباً قُطرياً محلياً، ناسين تجربة الأحزاب القومية التي أساءت
للوحدة العربية، ونفرّت الشعوب العربية منها، عبر ممارساتها في نصف القرن الماضي،
وهذا يعني في التطبيق إحترام حقوق الإنسان وضمان حرية الفكر والتعبير.
2- إحترام كامل للتركيبة الداخلية
لكل قطر، وهذا يعني محافظة كل قطر على نظامه السياسي والإجتماعي سواء أكان ملكياً أم
جمهورياً، سلطنة أم إمارة، ووضع حد نهائي للتدخل في الشؤون الداخلية لأي قطر مهما
كانت الظروف، وكذلك إنهاء نظرة الإستعلاء والوصاية، فلا وصاية
لقطر على آخر، سواء كبرت مساحته أم صغرت، كثُر سكانه أم قلّوا، فالمساواة كاملة بين كافة الأقطار.
3-إحلال مبدأ الحوار والتفاهم
أساساً لحل كافة الخلافات العربية، عبر مؤسسات قانونية وقضائية، ووضع تشريعات
صارمة تمنع أساليب التآمر السرية التي أبدع فيها نظام جمال عبد الناصر ضد أكثر من
قطر عربي، أو أساليب السيارات المفخخة، والتفجيرات، التي مارسها أكثر من قطر عربي
ضد آخر، خاصة نظامي البعث في سوريا والعراق في مرحلة من المراحل، ضد بعضهما البعض،
أو الحرب العلنية ذات الطابع الاحتلالي، كما حدث في حرب (أم الكوارث)التي إحتل فيها صدام حسين دولة
الكويت.
4- ضمان حرية السفر والتنقل
والعمل بدون أية عوائق، لجميع مواطني الشعوب العربية، لأن ما يجري الآن في هذا
المجال، يكاد ينسف الحد الأدنى من أية إمكانية لأي تنسيق وتكامل ، لأن التنسيق
والتكامل عماده البشر ذاتهم، فكيف سيتم ذلك وتنقل البشر وإتصالهم ببعض، دونه العديد من
الصعوبات، فلا تجد دولة عربية إلاّ وهناك بعض الجنسيات العربية تحتاج إلى تأشيرة
دخول مسبقة لدخولها، وفي الغالب الحصول عليها ليس سهلاً، فيما عدا سكان كتلة
الخليج والجزيرة العربية، فهم يتنقلون فيما بين أقطارهم بسهولة ويسر، وبالبطاقة الشخصية فقط بين
الأقطار، والمفارقة المحزنة هي أن كل الجنسيات العربية الأخرى، لا يُسمح بدخولها
أقطار الخليج والجزيرة العربية إلاّ
بتأشيرة دخول مسبقة، وهي في العادة والواقع صعبة للغاية، إذ تخضع لمتطلبات وشروط
ليس سهلاً توفرها، فهي كحد أدنى تحتاج إلى كفيل محلي من سكان القطر المراد زيارته
يقوم باستخراج التأشيرة على كفالته، ليضمن الإنفاق على الزائر، أو أن يكون الزائر
قادراً على الإنفاق على نفسه فترة الزيارة المنصوص عليها في تأشيرة الدخول؛ هذا في
حين أن كل شعوب أقطار الخليج والجزيرة العربية، يُسمح لهم بدخول كافة الأقطار
العربية الأخرى، بدون تأشيرة دخول ويُسمح لهم بالإقامة أية فترة يريدونها مهما
طالت وفي الوقت ذاته فإن غالبية الشعوب الأوروبية والأمريكية يستطيعون دخول أقطار
كتلة الخليج والجزيرة العربية بدون تأشيرة دخول، أو يحصلون عليها في المطارات بشكل
فوري وروتيني، وليس مبالغة القول أن العديد من الأقطار العربية، يستطيعون دخول
العديد من الأقطار الأوروبية بسهولة لا يجدونها في العديد من الدول العربية.
إن تلك المتطلبات الأربعة السابقة الذكر، لا بد منها لضمان
قيام ونجاح التنسيق والتكامل الاقتصادي بين الشعوب العربية، وهو مطلب الحد الأدنى
إزاء طموحات الوحدة العربية الشاملة، ورغم ذلك فلا نعتقد أن إيجاد وتطبيق تلك
سهلاً وميسوراً، وينبغي ملاحظة أن إيجاد هذه المتطلبات لدى الشعوب الأوروبية خلال
العشرين عاماً الماضية، هي التي أهلّت هذه الشعوب للوصول إلى تكامل اقتصادي سيتم
من خلال طرح العملة الأوروبية الموحدة (اليورو) عام 2000 ، وهي التي أهلّت هذه
الدول لرفع كافة قيود السفر أمام مواطنيها منذ سنوات، وعبر ميسرة الشعوب الأوروبية
هذه ملاحظتان لابد من التوقف عندهما، لأن لهما مغزى مهماً على طريق التكامل الإقتصادي، هما:
1- إحترام حقوق الإنسان مسألة
أساسية في مسيرة وحياة الشعوب الأوروبية، لذلك فهذه المسألة هي من ضمن مسائل أخرى
تحول دون دخول تركيا العضوية الكاملة لمجموعة شعوب السوق الأوروبية المشتركة، لأن
هذه الشعوب تطالب الحكومة التركية منذ سنوات بإحلال الديمقراطية وإحترام حقوق الإنسان، ومازالت
ترفض عضوية تركيا، لأن سجلها في مجال حقوق الإنسان لا يؤهلها لذلك.
2- تقديم مساعدات إقتصادية ومالية من الدول
الأوروبية الغنية وبمليارات الدولارات، إلى الدول الأوروبية الفقيرة كاليونان
وإسبانيا والبرتغال، وصولاً إلى مستويات معيشية وإجتماعية متقاربة عند الوصول
إلى مرحلة التكامل الإقتصادي الكاملة والعملة الواحدة.
تلك هي أوجه القضية، نحدد أهم
نتائجها – كما نرى- فيما يلي:
1- الفشل الذريع والسقوط النهائي
لفكرة ودعوة القومية والوحدة العربية مما يؤكد أنها كانت من الأساس فكرة مصطنعة،
لايوجد في الواقع ما يؤيد وجودها وقيامها، وهذا هو سبب فشل كل المشاريع الوحدوية
العربية، كما استعرضنا ، مما حوّل جامعة الدول العربية ذاتها إلى
مجرد هيكل شكلي، لامضمون ولانتيجة وحدوية لعملها خلال خمسين عاماً.
2- إن الوطن العربي يتفكك كهوية سياسية واحدة مشتركة، لإنعدام القواسم المشتركة بين
شعوبه وأقطاره وأنظمته، وبالتالي لابد من الإعتراف بوجود شعوب مختلفة، لها
أساس قريب من بعض، هي مجموعة الشعوب العربية، ضمن الكتل الأربع الأقرب لبعضها،
التي ذكرناها سابقاً.
3-إن الإمكانية الوحيدة
المتاحة بين هذه الكتل الأربع هي التنسيق والتكامل الإقتصادي فقط، رغم أنه لابد من
وجودها أولاً. ويكفي أن نجيب بصدق
وموضوعية وجرأة على سؤالين:
1- ماذا
حققت الشعوب العربية بينها طوال الخمسين عاماً من الإدعاء بالعمل الوحدوي وطرح
المشاريع الوحدوية؟ إنها تزداد فرقة وخلافاً وتشرذماً.
3- وماذا حققت الشعوب
الأوروبية بينها خلال خمسة وعشرين عاماً، هي عمر تجربة السوق الأوروبية المشتركة،
وقد أجبنا على هذا السؤال في طيّات الدراسة، مما يوضح الفرق الشاسع بين
التجربتين.
إن الشعوب وأقطار الوطن
العربي، إما أن تُسارع إلى الأخذ بمسألة التنسيق والتكامل الإقتصادي فيما بينها، ضمن
الشروط والمتطلبات السابقة، وإلاّ فسوف تشهد مزيداً من التشرذم، وبالتالي التدهور
الاقتصادي في أغلب أقطارها خاصة غير المنتجة للنفط.
أؤُكد بوضوح حساسية هذا الموضوع
الذي طرحته هذه الدراسة بقراءة موضوعية للواقع العربي خلال خمسين سنة خلت، وهو
موضوع يحتاج إلى مناقشة، لكن بهدوء دون تشنّج وإلقاء البيانات الخطابية والتهم
المجانية. وآمل أن أكون مخطئاً في كل ما سبق أن طرحته، وأن تكون القومية العربية
حقيقة واقعية وموجودة فعلاً ، وأن الوحدة العربية ستقوم اليوم وليس غداً .
جريدة الإتحاد – حيفا 17 سبتمبر 1999 .