![]() |
الوصاية والإدعاء لا تلتقيان بمواطن نزيه
كانت مشاركتي ليلة العشرين من أيار الماضي, في برنامج ( الإتجاه المعاكس)
بقناة( الجزيرة), مثار جدل ونقاش واسعين, فقد تبنيت وجهة النظر القائلة: إن
الإحتلال الأجنبي أرحم من الإحتلال الداخلي المحلي لأغلب الأنظمة العربية, وقدمت
أمثلة من فساد بعض هذه الأنظمة, وتبديدها للثروات القومية على بناء القصور
والمزارع والحسابات الشخصية... الخ. وعندما ترضت لقمع هذه الأنظمة, وفي مقدمتها
النظام البائد لصدام حسين, قررت إن نظام جمال عبد الناصر, كان مؤسس مدرسة القمع
الداخلي في الوطن العربي.
ومن ضمن ما قلته: إن" العلوج" الأمريكان خلصوا الشعب العراقي من
نظام صدام, روبما أصبحوا معه, كما كانوا مع الشعب الياباني بعد إستسلام الإمبراطور
هيروهيتو عام 1945, فهناك إجماع ياباني موثق, أن الإحتلال والإقتصاد.... وكانت
نسبة التوصي في البرنامج حوالي 80% من المشاهدين مع وجهة نظري, وحوالي 20% فقط مع
وجهة النظر المخالفة, التي عبر عنها الأستاذ عبد الملك المخلافي مسؤول التنظيم الناصري الوحدوي في اليمن.
واحد من العشرين بالمائة هذه, التي خالفت وجهة نظري, كان الزميل والصديق
الذي كنت وما زلت وسأظل احبه وأحترمه, وأقدر فنه وإبداعه, ومساهماته الجادة هو
رشاد أبو شاور, الزميل رشاد, كتب وجهة في " جريدة القدس العربي"....وقد
ترددت في الرد عليه, لأنني من المدافعين عن حق كل فرد في مخالفة الآخر في رأيه...
وفي حلقة البرنامج المذكور, أكدت على أن ماسأقوله, لا يرقى مطلقا إلى مستوى حرف من
حروف القرأن الكريم, ومع ذلك عندما جاء سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بالقران
المنزل من عند الله تعالي, وجد من خالفه ولم يقبله.. فكان رد الله تعالى"
أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين"..."لكم دينكم ولي دين".... فما
بالك بكلام البشر.... ولكن رد أبو شاور إحتوى بعض المغالطات, وبعض الأمور غير
الواضحة التي ساقها بشكل غامض ليفهم منها القدح والذم...لذلك أوجدت أنه من المهم
توضيحها, مؤكدا على أهمية أن يسود بيننا القول: " الخلاف في الرأي لا يفسد
المودة بين الناس"... وسأشير إلى هذه المغالطات أو الأمور غير الواضحة
كالتالي:
1.
يقول الزميل" أنني
بدأت رحلتي الوطنية مع الدكتور وديع حداد, وبعد رحيل هذا القائد إنتقلت للعمل مع
جماعة( أبو نضال)- المجلس الثوري- وأثناء ذلك روجت لـ( الكتاب الأخضر)...هذا
الكلام الجزء الأول منه صحيح... فما العيب أنني عملت مع وديع حداد...وبعد أن
توفي... وقتله سما الدكتاتور البائد صدام حسين, عملت مع جماعة أبو نضال... هل يغضب
الزميل العزيز رشاد, إذا قلت له, وما الفرق بين كل هذه الأسماء في ساحة العمل
السياسي الفلسطيني..هل أضيف جديدا إذا قلت له: وأنت يا عزيزي رشاد بدأت العمل مع
احمد جبريل ثم إنشققت عنه مع من إنشقوا وعملوا مع جماعة طلعت يقعوب( جبهة التحرير
الفلسطينية) وربما ما لاتعرفه يا صديقي أنني عملت مع جماعة أبو نضال, من خلال
صديقنا المشترك المناضل القومي المعروف ناجي علوش, فهو كان المسؤول الثاني في
الجماعة .... وعندما إكتشف إجرامها ودمويتها, انشق عنها عام 1980, , وأسس( حركة
التحرير الشعبية العربية), وأنا إنشققت أو تركت الجماعة لاحقا, وحاول المجرم
أبونضال ثلاث مرات إغتيالي, وإن أردت التفاصيل فأرجع إلى كتاب باتريك سيل(
أبونضال.... بندقية للإيجار).... فباتريك سيل بريطاني, وليس بدويا مثلي من بئر
السبع كي يجاملني... لذلك فلا يوجد هناك ماض يلاحقني, إلا إذا كان عملك وعمل عشرات
الكتاب والصحفيين الفلسطينيين, مع جماعات وتنظيمات المقاومة الفلسطينية, عملا
وماضيا يهربون منه.. عندئذ نكون( كلنا في الهوا.. سوا)! أما ترويجي للكتاب الأخضر,
فهو مغالطة وافتراء على الحقيقية, فقد تركت جامعة الفاتح الليبية, كي لا أكون جزءا
من حملة الترويج هذه, وتجد الحقيقية في مجلة" عرب تايمز" الصادرة في
هيوستن, التي نشرت فيها عدة حلقات بعنوان( الكافي الوافي في فك طلاسم القذافي)...
وهي موجودة, ومستعد أن أرسل إليك صورا عنها.
2. لا افهم سبب غضبك العالي, لأنني إنتقدت جمال عبد الناصر ونظامه...هل عبد
الناصر رسول سماوي, لا يحق لأحد نقده, خاصة إذا كان هذا الأحد, مثل عرف نظام عبد
الناصر, أيام حكم الحاكم العسكري المصري لقطاع غزة, ثم 12 عاما دراسة وإقامة في
مصر... لماذا لاأنتقده على أخطائه وقمعه... من ينسى تلفيقه تهمة إطلاق الرصاص عليه
في ساحة المنشية بالإسكندرية عام 1956, لُيعدم الشهيد المفكر سيد قطب؟... لماذا
لاأنتقذه على صفقة السرية مع إسرائيل عقب العدوان الثلاثي عام 1956, التي ضغطت
أمريكا على إسرائيل لتنسحب من قطاع غزة وسيناء, ولم نعرف الثمن إلاعام 1967, عندما
طلب عبد الناصر من قوات الطوارئ الدولية المغادرة, وأقفل ممرات إيلات البحرية أمام
البواخر الإسرائيلية.. أي أن هذه البواخر كانت تمر, دون معرفتنا من نهاية عام 1956
وحتى حزيران عام 1967...عبد الناصر ليس رسولا, فهو القائل عام 1966, علنا لأعضاء
المجلس التشريعي في قطاع غزة: " إللي بيقولكو... عندي خطة لتحرير
فلسطين...بيكذبو عليكو".. وها هم غالبية أعضاء ذلك المجلس مازالوا أحياء ...
ولماذا لا إنتقد عبد الناصر, على العديد من برامجه السياسية ...ولماذا خرجت كافة
التنظيمات الفلسطينية عام 1969, تتظاهر ضده في عمان/الأردن, بعد موافقته على
مبادرة روجز... ومزقوا صوره في العديد من الشوارع... فلماذا لم تغضب على تلك
التنظيمات, ومن المؤكد أن تنظيمك, كان معها في تلك المظاهرات!
3. إحدى ملاحظات أبو شاور, تحمل ليس المغالطة فقط, ولكن( الوصاية) أيضا.. فهو
يقول:" أنه في بيروت لم يكن يعرف مع أية جهة سياسية, كانت بين تنظيمات وفصائل
المقاومة الفلسطينية... يا عزيزي... من يقرأ جملتك هذه, يعتقد أن الفوارق كانت
بنفس حدة الفارق بين مدرسة الفلسفة الفرنسية ومدرسة الفلسفة الألمانية... ما هي
الفوارق السياسية بين هذه التجمعات ذات الطابع الشخصي, وخذ هذا المثال الذي كنت
أنا وأنت يوما أعضاء في بعض فروعه وعشائره:
تأسست الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عام 1968, إنشق عنها نايف حواتمة عام
1969, وأسس الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين, إنشق عن نايف حواتمة رفيق عراقي أم
أسس لعدة أسابيع( الجبهة الثورية لتحرير فلسطين).
ثم إنشق أحمد جبريل وأسس( الجبهة الشعبية – القيادة العامة), ثم إنشق طلعت
يعقوب عنه وأسس( جبهة التحرير الفلسطينية), التي كنت أنت عضوا فيها... ثم إنشق أبو
العباس وأسس أو ظل يعمل باسم جبهة التحرير الفلسطينية.. هل هناك فوارق سياسية أو
فكرية بين كل هذه التجمعات, أو الجماعات, كي نسأل بعضنا: ما هو إتجاه فلان
السياسي... أما مغالطتك بأنك أو( إنكم) منحتموني موقعا في جريدة "
المعركة" فهذا الموقع وثَق له بموضوعية, الشاعر عز الدين المناصرة, فإرجع إلى
توثيقه... هذه الوصاية أو الإدعاء لا يلقيان بمبدع وفنان, فكل واحد منا قدم ما
يستطيع في حصار بيروت.. بدون منية من أحد!
4.
أما إختلاف مواقفي
السياسية.. فهذا صحيح... كتبت ضد التطبيع ولي كتاب معروف اسمه " الثقافة
المصرية في زمن التطبيع"...وكتبت ضد إتفاقية أوسلو, وبعد سنوات, ومع تغير
المشهد السياسي, ودراسة السياسة من باب( فن الممكن), كتبت تأييداً لإتفاقية
أوسلو.. إذا كان هذا عيبا, فلماذا لا تصب جام غضبك على القيادات الفلسطينية, فهي
التي بدأت بشعار( تحرير فلسطين من النهر إلى البحر), لتعترف بإسرائيل منذ عام
1988, وتطالب الآن بدولة في حدود عام 1967 فقط... ولماذا لا تصب جام غضبك على
أعضاء المجلسين الوطني والتشريعي الفلسطيني الذين إجتمعوا عام 1999 مع الرفيق بيل
كلينتون, وصوتوا بالإجماع والتصفيق ورفع الأيدي على إلغاء كافة بنود الميثاق
الوطني الفلسطيني التي لاتعترف بدولة إسرائيل وتطالب بتدميرها.. لماذا لا تهاجمهم
على تقلبهم السياسي هذا, وإعترافهم هم والرئيس ياسر عرفات بدولة إسرائيل؟
5. أما الجنسية النرويجية يا عزيزي, فلا ثمن لها يطلب من الشخص! يعطونها لكل
من يستوفي سنوات الإقامة, ولك أصدقاء في أوسلو تثق فيهم اكثر مني, اسألهم أن دفعوا
ثمنا سياسيا للجنسية النرويجية؟ وحتما سجيبونك بـ: لا..لا.
6. أما النكبة العجيبة في ردك, فهي ربطك بين مواقفي السياسية وبين حلقي
لشواربي...فهل تسمح لي بسؤالك: وأنت يا رشاد, لماذا ربيت وأطلقت لحيتك أسفل الذقن,
هل لهذه اللحية علاقة بمواقف سياسية جديدة لك؟ هل تصدق أنني حلقت شواربي, إحتجاجا
على هروب صدام وفدائييه, وتركهم بغداد مفتوحة للعلوج!
7. أما الأهم من كل ذلك.. نعم الأهم من كل تلك, فهو: لماذا لا نسمع رأيك في كل
الجرائم والمقابر الجماعية للدكتاتور المجرم القائد صدام حسين, من حقك أن تُدين
الاحتلال الأمريكي.. ولكن جرائم صدام بحق الشعب العراقي.. ألا تستحق منك كلمة
إدانة, بدلاً من إستمرارك في تسمية( البطل,والشهيد إن مات)...هل تختلف جرائمه عن
جرائم شارون بحق شعبنا الفلسطيني! وكيف سنطالب الشعب والمثقفين العراقيين بالتضامن
معنا, وما زال العديد من كتابنا ومثقفينا الفلسطينيين يتغنون بأمجاد وهمية زائفة
لدكتاتور رحل, ضربة الشعب العراقي بالأحذية!
رغم كل هذه التوضيحات والعتب.. سيبقى رشاد أبوشاور الصديق الذي أُحب
وأحترم.. والمبدع الذي ننتظر منه قصصا وروايات رائعة, لها طعم ( التمر حنة) وشموخ
(العشاق) وإباء( زينب)... ومن مهماتنا جميعا ترسيخ القول:" الخلاف في الرأي
لا يفسد المودة بين الناس".. و" عدم الكيل بمكيالين".. فالمجرم هو
المجرم, سواء كان إسمه( شارون) أو (صدام) والإحتلال هو الإحتلال, سواء كان"
إحتلال إسرائيل لفلسطين" أو " إحتلال صدام للكويت"!.
جريدة( المؤتمر), لندن, 20 حزيران 2003م.