مناقشة لقضية مختلف عليها:

أمة عربية واحدة أم شعوب عربية متعددة ؟ ( 1- 2 )

* أعرف مسبقاً حساسية هذا الموضوع الذي أحاول مناقشتة في هذه الدراسة وسبب هذه الحساسية عائد في الأساس إلى إنعدام حرية الرأي والتفكير في الشرق الأوسط بشكل عام، مع نسب مختلفة من قطر إلى آخر، وإلاّ فقياساً على تجربة الشعوب الأوروبية لا توجد مسلّمات ولا (تابوات) غير قابلة للنقاش ، مهما إشتط البعض في نقاشهم ، وخالفوا الإجماع حول قضية محددة،  فهم يجدون من يناقشهم ويفند أراءهم،  بطريقة علمية موضوعية خالية من الشتم والتجريح، وزجّ التهم، كما تعودنا في الشرق الأوسط، وأعتقد أن إتساع هامش التفكير والرأي هي التي أتاحت للفكر العربي أن ينطلق نحو آفاق واسعة في مختلف العلوم والفنون والذي ما زلنا نعيش في الشرق على نتاجاته تلك في مجالات حياتنا المختلفة، النظرية والتطبيقية .

إن الخروج من (تابوت) المحرمات والممنوعات، لابد من خطوة أولى نحو تحرير الإنسان وفكره في بلادنا .وانطلاقاً من ذلك، وعودة إلى الموضوع الحساس الذي أشرت أقول : هل يسمح التفكير النمطي السائد في الشرق الأوسط، طرح موضوع (الأمة العربية الواحدة) و (قضية القومية) بشكل مختلف عما هو سائد تحت الشعار العاطفي النظري القائل (أمة عربية واحدة من المحيط إلى الخليج)، دون إتهام من يشكك في صحة ذلك بأنه جاسوس وعميل للقوى الإمبريالية والحركة الصهيونية وغيرهما ؟ رغم كل هذه المحاذير التي يعيها الكاتب ، إلاّ أنه يرى أن خمسين عاماً تكفي للركض وراء سراب ووهم، لم يتقدم صاحبة نحو الهدف متراً واحداً، وبالتالي لماذا لا نواجه الواقع ونشخّصه على حقيقته وصولاً إلى إمكانيات واقعية من الممكن تطبيقها وتطويرها، بدلاً من إستمرار وهم (الوحدة العربية) وما يسميه البعض (الأمة العربية) التي تزداد شرذمة وعداوة وتناقضاً ، ووهم (القومية) والواقع يغاير ذلك ويناقضه .. إن دراسة الواقع العربي السائد طوال خمسين عاماً مضت، هو ما تحاول هذه الدراسة رصده، وصولاً لإجابة واقعية على التساؤل الرئيسي وهو : أمّة عربية واحدة أم شعوب عربية متعددة ؟

 إن تجربة الخمسين عاما الماضية، التي هي عمر عصر الإستقلال لمعظم الدول العربية، وفي الوقت ذاته عمر الجامعة العربية، قد شهدت تجربة عربية، ذات وجهين مختلفين إلى حد النقيض :

·      الوجه الأول :

أ‌-    نشوء أهم الأحزاب القومية، التي جعلت أهم أهدافها تحقيق الوحدة العربية عبر مفاهيم الأمة الواحدة ذات القومية واللغة الواحدة، ومن أهم هذه الأحزاب حركة القوميين العرب،  وحزب البعث العربي الاشتراكي، والحزب القومي السوري الاجتماعي، وإن كانت له أطروحته الخاصة في هذا الميدان .

ب‌- ظهور قيادة جمال عبد الناصر في مصر عقب انقلاب يوليو 1952 الذي أطاح بحكم الملك فاروق واضعاً السلطة في يد مجموعة الضباط الذين أطلقوا على أنفسهم تسمية (الضباط الأحرار).

 ج- الإعلان عن العديد من المشروعات وتجارب الوحدة بين أقطار عربية، ولكنها جميعها، وبدون إستثناء كانت مشاريع فاشلة، أدت إلى الفرقة أكثر منها إلى الوحدة، وكان أهمها الوحدة بين مصر وسوريا، عام 1958، التي عرفت باسم الجمهورية العربية المتحدة، وإنتهت بانفصال سورية عام1961، ومشروع الوحدة بين مصر وسورية والعراق عام 1963، ولم يرَ النور، وإنتهى بحملات إعلامية متبادلة، سممت الأجواء العربية، ومشروع الإتحاد الهاشمي بين الأردن والعراق عام 1958، وكان رداً على الوحدة بين مصر وسوريا، ومشروعات العقيد القذافي الوحدوية التي تكاد لا تحصى، فهي مرة مشروع للوحدة بين ليبيا ومصر، وثانية مشروع للوحدة بين مصر وليبيا والسودان، وثالثة مشروع للوحدة بين ليبيا والسودان، ورابعة مشرع للوحدة المغاربية وخامسة مشروع للوحدة مع (تشاد)- دولة إفريقية لا علاقة لها بالعروبة – وفي نهاية عام 1998، أعلن العقيد القذافي يأسه من إمكانية تحقيق الوحدة العربية، وأعلن توجهه نحو أفريقيا. المشروع الوحيد  من مشروعات التنسيق والتكامل العربيين، الذي كتب له النجاح، وما زال مستمراً منذ عام 1974، هو مشروع "مجلس التعاون الخليجي " ، وقد شهد سلسلة من أمور التكامل بين دوله الأعضاء، شكلت شذوذاً واضحاً على المشاريع العربية المماثلة، وسرّ  نجاحه أنه بُني منذ البداية على أسس واقعية وهي التعاون و(التكامل) وليس (الوحدة والتوحيد)، وهذا ما يُعزّز النتيجة الأخيرة التي تهدف هذه الدراسة إلى الوصول إليها.

 الوجه الثاني :  شهدت التجربة السياسية العربية في نفس فترة الخمسين عاماً الماضية، نقيض ما شهدته في الوجه الأول، أي أن نفس الفترة عرفت وعاشت الشيء ونقيضه، وهذا من النادر وجوده في التجربة الأوروبية، التي تسعى للهدف نفسه، والوحدة والتكامل، وهذا يدل على التخبط العربي، في مجال التفكير السياسي، وبعده عن الواقع المعيشي ميدانياً. من ملامح هذا التناقض الصارخة :

أ- انهيار حركة القوميين العرب عام 1968على يد بعض مؤسسيها مثل الدكتور جورج حبش،  وأحمد اليماني،  ووديع حداد، عقب الإعلان عن تأسيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والتخلي نهائياً عن فكر ومنهج الحركة، وتحديداً بعد إنشقاق نايف  حواتمة الشهير عام1969، وتشكيله الجبهة الديمقراطية، وبيانه المثير (حركة القوميين العرب ..لماذا) ، وإنسلاخه نهائياً عن كل تراثها وتبنيه الفكر والنهج الماركسيين.

 ونتج عن ذلك تحول بقايا الحركة إلى أحزاب قطرية في بعض الأقطار العربية، ورّث كل منها تراث الحركة ومجوداتها في قطره، مع الإشارة إلى التجربة المحدودة والقاصرة التي مثلها (حزب العمل العربي الاشتراكي) التي حاول من خلالها علي هاشم محسن وبعض أنصاره إعتبار هذا الحزب الوريث العربي لحركة القوميين العرب،  لكنها كانت تجربة محدودة وسط ضجيج إعلامي فاشل فقط، إنتهت حتى إعلاميا بعد شهور من إعلانها.

ت‌- التناقض حتى الصراع بالرصاص بين أجنحة الحزب الوحدوي الواحد كما شهد وعاش العالم العربي تجربة حزب البعث العربي الاشتراكي بجناحيه السوري والعراقي،  فهذا الحزب الذي رفع شعار (أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة)  لم يستطع خلال ما يزيد عن ثلاثين عاماً أن يقيم أي شكل من أشكال التنسيق والتكامل بين قطرين يحكمها وهما سورية والعراق، والمصيبة الكبرى ليست في عدم قدرة هذا الحزب،  ورجاله الحاكمين في أن يقيموا الوحدة، ولكن في عدم قدرتهم على إقامة إمكانية التعايش السلمي بين قطريهما، فقد كانت العلاقة دوماً محكومة بالتوتر والصراع والمؤامرات والسيارات المفخخة والإغتيالات، وصلت ذروتها في التصفيات الدموية التي قام بها صدام حسين عام 1979 ضد رفاقه الذين إتهمهم بالعمالة والتخابر لصالح سورية، بعد أن فشل مشروع الوحدة بين القطرين، الذي عرف آنذاك بميثاق العمل القومي، وإنتهى الأمر إلى قطع العلاقات الدبلوماسية، وإغلاق الحدود بين القطرين منذ عام 1979 وحتى اليوم .. من يصدق هول وبشاعة هذه التجربة ؟ علاقات دبلوماسية وإقتصادية مقطوعة ، وحدود مغلقة طوال عشرين عاماً، بين قطرين عربيين يحكمهما حزب واحد، بمبادئ واحدة ! المثالان السابقان هما أخطر ما شهده الوجه الثاني من التجربة السياسية العربية، في مجال الفكر والمشروعات الوحدوية ... إلاّ أن إنعكاس ذلك على الحياة اليومية العربية، طوال الثلاثين عاماً الماضية، هو أمر لايصدقه عقل .. فمن يصدق ما جرى طوال الثلاثين عاماً الماضية، وما زال مستمراً بعضه إلى زمن قريب .. وتكفي الأمثلة التالية :

أ- الحملات الإعلامية  البشعة التي أدارها إعلام ونظام جمال عبد الناصر، ضد كل  معارضيه من الحكام العرب،مستعملاً فيها كل وسائل وفنون الردح اللاأخلاقي، التي شملت كثيرين منهم الملك حسين والملك فيصل وحكام سورية، وحكام المغرب، وقد بادله البعض نفس الشتائم والحملات، فإذا بالحياة العربية ذات رائحة كريهة تزكم الأنوف، ولم تتوقف تلك الحملات، إلاّ بعد هزيمة عام 1967.. وفي شهر فبراير من عام 1999 عاد صدام حسين لنفس الأسلوب بهجومه على كل الحكام العرب تقريباً، مطالباً شعوبهم بالثورة عليهم وإطاحتهم، لأنهم لم يوافقوا على مخططاته وتوجهاته، وكأن عشرين قطراً عربياً، وعشرين حاكماً، على خطأ وهو ونظامه فقط على صواب.

ب- الحرب بين الجزائر والمغرب عام 1963 التي استعملت فيها كل أنواع الأسلحة، وإستمرت قرابة شهرين، راح ضحيتها الآلاف، وما زالت العلاقات الجزائرية المغربية متوترة، وشبه مقطوعة، والحدود مقفلة بسبب قضية الصحراء الغربية، التي هي أساساً مفتعلة، ولولا الدعم الجزائري – لعمل إنفصالي عن المغرب – لما عُرفت القضية التي لاتزال تشغل الشعب المغربي حتى الآن، ومنذ سنوات ومشكلة الإستفتاء في الصحراء بإشراف الأمم المتحدة تتعثر.

ث‌- الحرب المصرية السعودية في اليمن الشمالي (آنذاك) عام 1964 التي تدخّل فيها عبد الناصر لدعم إنقلاب عبد الله السلال، وتدخلت السعودية لدعم نظام الإمام، واستمرت حرباً ضارية، توقفت مع هزيمة نظام عبد الناصر عام 1967 حيث تم سحب الجيش المصري من اليمن.

 د – الحرب المصرية – الليبية الخاطفة عام 1977، عقب زيارة أنور السادات إلى إسرائيل، تلك الحرب التي استمرت ساعات قليلة استعمل فيها الطيران المصري لتدمير قواعد ومعسكرات ليبية، إدّعى السادات أنها تُستعمل للتآمر ضد مصر.

هـ- الحشود العسكرية بين الأردن وسورية عام 1981، التي استمرت عدة أسابيع، وكادت تندلع حرب طاحنة،  وتحديداً من جانب الأردن والملك حسين شخصياً.

و- حرب الزوارق البحرية بين قطر والبحرين عام 1989 بسبب الخلاف على جزيرتين صغيرتين في مياه الخليج، تدعى كلاهما ملكيتهما،  وما زال التحكم فيها معلّقاً في أروقة محكمة العدل الدولية في لاهاي... 

ز- وأخيراً – ونأمل أن يكون أخراً – حرب (أم الكوارث ) في آب 1990 التي إحتل صدام حسين دولة عربية مستقلة، عضواً في جامعة الدول العربية، وعضواً في هيئة الأمم المتحدة، هي دولة الكويت .. إن هذا العمل اللاأخلاقي بكافة المقاييس العربية والدولية، لا يمكن قبوله أو تبريره رغم محاولة صدام حسين أن يبرر ذلك باسم الوحدة العربية، عندما إدّعى أن دولة الكويت هي إحدى محافظات العراق.

ونحن لسنا ضد الوحدة الطوعية بين أي قطرين عربيين لكن الأسلوب الذي إستعمله صدام – رغم أن مؤامرة إحتلال الكويت أساساً وفي البداية لم تكن مشروعاً وحدوياً يهدف إلى إعادة الفرع إلى الأصل – إن وافقنا عليه باسم ذرائع وحدوية، لوجدنا أنفسنا في العالم العربي أمام عدة حروب أهلية، لأن التقسيمات الحدودية القائمة حالياً بين الأقطار العربية، هي وليدة انهيار الخلافة العثمانية، وما ارتضته الدول المستعمرة خاصة بريطانيا وفرنسا من تقسيمات عقب الحربين العالميتين الأولى والثانية.

 وقد إرتضت كافة الدول العربية هذه التقسيمات الحدودية، سواء كانت مجحفة أم لا، وعلى أساسها قامت جامعة الدول العربية عام 1945، فإذا ما أخذنا بمنطق صدام حسين، قلّما نجد دولة عربية لا ترى أن بعض مناطق الدول المجاورة جزء منها، وتابعة لها، وهذا يعني فعلاً عدة حروب عربية – عربية، كادت إحداها أن تندلع في السنوات الأخيرة بين مصر والسودان بسبب الخلافات على منطقة (حلايب) وبسببها ما زالت العلاقات بين الدولتين متوترة، وشبه منقطعة.

 بعد كل هذا السرد الموثّق لأوجه العلاقات بين الدول العربية طوال الثلاثين عاماً الأخيرة، ماذا يتبقى من قواسم مشتركة لإقامة الوحدة العربية. وهذا ما حدا بالمؤرخ البريطاني (برنارد لويس) أن يرى قبل عدة سنوات- وتحديداً بعد إحتلال صدام حسين للكويت "أن فكرة القومية العربية قد إنتهت وتلاشت، وأن العالم العربي يتفكك كهوية سياسية"، بمعنى أنه لاتوجد هوية سياسية واحدة موحدة إسمها (العالم العربي) ، لأنه لكل قطر من أقطار هذا الوطن هويته السياسية، ونظامه الإجتماعي والإقتصادي، وأهدافه الحاضرة والمستقبلية، بعيداً عمّا يجري في أي قطر آخر.

 وأصبحت العلاقة بين أي قطرين، مجرد علاقات دبلوماسية وإقتصادية وتجارية مثل العلاقات بين أي قطر، ودولة أوروبية أو أسيوية أو أمريكية، والدليل القاطع على ذلك هو قرار مؤتمر القمة العربي في الرباط عام 1974، الذي أعلن فيه الإجماع أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، وكان التطبيق الميداني في أغلب الأقطار العربية، هو الموقف من القضية الفلسطينية والتفاوض مع إسرائيل، عندما عُبّرَ عن ذلك بالقول "القضية قضية الشعب الفلسطيني ونحن نقبل بما يقبل به الفلسطينيون"، لذلك لم تعترض أية دولة عربية على إتفاقية أوسلو بين الفلسطينيين ودولة إسرائيل عام 1993، سوى سورية، وليس لأسباب وطنيّة جذريّة، ولكن لإنفراد الفلسطينيين بالتوقيع على إتفاقية سلام – أيّاً كانت –مع إسرائيل، وقد أعقب ذلك الإتفاقية الأردنية- الإسرائيلية عام 1994، وكان قد سبق ذلك بعشرين عاماً الاتفاقية  المصرية – الإسرائيلية,

من حق أحد دُعاة (القومية العربية) أو المؤمنين بها نظرياً، ولايعتبرها مثلنا مجرد وهم وسراب، أن يرد على دعوانا هذه، بإعتبار أن الواقع السائد الذي سردنا بعض مظاهره الحاصلة فعلاً وحقيقة، هو من فعل الأنظمة الحاكمة التي مصلحتها في التشرذم، لكن الشعوب العربية – المغلوب على أمرها - هي شعوب وحدوية، تريد الوحدة وتسعى إليها... وأرى أن رصد الواقع السائد بين هذه الشعوب فعلاً، وبعيداً عن الأماني وأوهام الرغبات الذاتية، يكادني أجزم أن الشعوب العربية أيضاً، ليست مع الوحدة العربية، ولا تسعى إليها، ولا ترغبها، ولا تعمل من أجلها، وليست في برامج أية أحزاب شعبية عربية.

 الواقع السائد والممارس يقول ويعلن صراحة لامواربة فيها : لا يوجد تكتل بشري واحد إسمه (الشعب العربي) رغم عامل اللغة والدين المشترك بينهما، الموجود فعلاً مجموعة (شعوب عربية) تنطق بلسان واحد، ويدين أغلبها بدين واحد وهو الإسلام، رغم تعدد مذاهبه، تماماً على غرار تلك الشعوب التي تسمى (الشعوب الأوروبية) التي يدين أغلبها بالديانة المسيحية، ولايوجد بينها عامل اللغة المشتركة، كما هو حال الشعوب العربية، ورغم ذلك فإن الشعوب الأوروبية تسير بخطى حثيثة نحو الوحدة والتكامل.

كانت آخر هذه الخُطى طرح (اليورو) كعملة أوروبية موحدة للتداول في نهاية عام2000، فلماذا تسير الشعوب الأوروبية دون لغة مشتركة نحو التفاهم والتكامل وفتح الحدود نهائياً أمام مواطنيها، والشعوب العربية، رغم اللغة المشتركة، تسير نحو عدم التفاهم والقطيعة، وتزداد الحدود بينها صلابة ورسوخاً، ويندُر أن تجد دولة عربية لا تطلب تأشيرة دخول مسبقة، من بعض الشعوب العربية لدخول أراضيها، غير ناسين أن المواطن الفلسطيني ممنوع من دخول أية دولة عربية دون تأشيرة دخول مسبقة، بما فيها الأقطار  التي يحمل وثائق سفرها مثل لبنان ومصر.

إن رصد ما تقوم به الشعوب العربية – رغم وجود عاملي اللغة والدين – يؤكد ما نراه، من أنها شعوب لا ترغب الوحدة، ويكفي التذكير ببعض المآسي التي شهدتها بعض تلك الشعوب على يد أبناء شعوب أُخرى خلال الثلاثين عاماً الماضية، لندرك أن كافة الحروب العربية – العربية التي أشرنا لبعضها سابقاً، كانت مادتها الفاعلة، ووقودها المشتعل، هم أبناء الشعوب العربية ذاتها، ولم نسمع أن كمّاً من هذه الآلاف تمرد على أوامر الأنظمة التي أشعلت تلك الحروب وخططت لها، وبعكس ذلك كانت أفعال أبناء الشعوب العربية ضد أشقائهم تحمل من الأهوال ما لا يمكن تصوره .. وهل يحتاج من يؤمن بالقومية والوحدة العربية إلى أمثلة ؟

1-  إن ّ الطريقة التي عامل فيها أبناء الشعب العربي الليبي أشقائهم وجيرانهم أبناء الشعب المصري عام 1977، عقب زيارة أنور السادات لإسرائيل، لا يمكن وجود مثيل لها في كتب حروب ومغامرات وقرصنة القرون الوسطى. تم آنذاك طرد مئات الآلاف من العمال والموظفين المصريين، ونهبت بيوتهم وصُدرت ممتلكاتهم، وكانوا يحشرون بالآلاف في مطار طرابلس القديم في العراء عدة ليال في انتظار الطائرات التي تعيدهم إلى مصر، ويتذكر الجميع أن موضوع ممتلكاتهم ومستحقاتهم المالية، ما زال معلقاً حتى الآن، وقد وصلت دعاوى التحكيم فيه إلى منظمات عالمية منها منظمة العمل الدولية .. وكل ذلك تحت قيادة العقيد القذافي، الذي يحلو له أن يسمي نفسه رائد القومية العربية .. وقد عاد أبناء الشعب العربي الليبي أنفسهم وتحت نفس القيادة، بتكرار نفس الأهوال ضد أشقائهم من أبناء الشعب العربي الفلسطيني، في نهاية عام 1997، عندما جمعوا غالبية العائلات الفلسطينية المقيمة والعاملة في ليبيا، وتم طردهم عبر الصحراء نحو مصر، حيث رفضت مصر دخولهم أراضيها، فأقاموا على الحدود في خيام بالية عدة شهور، تحت رحمة وكالات الغوث الدولية، وقد مات منهم ومرض عشرات في العراء، وفي بداية عام 1998، وبعد ضغوط  عربية ودولية، إقتحمت قوات الأمن الليبي خيامهم، وأعادتهم إلى ليبيا، بشكل خالٍ من الإنسانية وروح الأخوة العربية أنها سمة الشعوب العربية...

2-  الطريقة التي تعاملت بها القوات السورية عند دخولها لبنان عام 1976، مع أفراد المنظمات الفلسطينية وعموم أبناء الشعب الفلسطيني في لبنان، وعندما حاولت الجامعة العربية تقويم الأوضاع، مضيفة قوات من عدة أقطار عربية وأطلقت عليها أسم (قوات الردع العربية)، إلاّ أن السيطرة ظلّت محكومة بتوجه القوات السورية التي هي في الأساس غالبية هذه القوات وتسيطر على غالبية الأراضي اللبنانية، وهذا ما حدا بدولتي السودان، والإمارات العربية المتحدة، على سحب قواتهما من (قوة الردع العربية) بعد عدة شهور قليلة من مشاركتهما في تلك القوة.

3-  المجازر التي ارتكبها مئات من أبناء الشعب اللبناني ضد أشقائهم من الشعب الفلسطيني، أثناء ما سُمّي (مجازر صبرا وشتيلا) عام 1982، وقبلها مذابح، حصار وتدمير مخيم تل الزعتر عام 1976.

 4- التدمير العراقي في دولة الكويت العربية أثناء احتلالها في آب 1990، وعند طردهم منها بعد شهور قليلة. لقد نهبوا الجامعات والمستشفيات والبنوك والمتاحف، والأسواق والمخازن، ونقلوا محتوياتها إلى بغداد .. كما حرقوا أبار النفط، وكانت خسائر الكويت من جراء ذلك، عشرات المليارات من الدولارات، ومئات من القتلى والأسرى والمفقودين.

5-الإنتهاكات التي إرتكبها أبناء الشعب الفلسطيني في فبراير 1991، عقب دحر قوات الغزو العراقي وطردها من الكويت، فقد تمت انتهاكات شملت طرد الموظفين والعائلات، ومصادرة ممتلكات،وما زالت الكويت حتى اليوم، تمنع دخول أي مواطن فلسطيني إلى أراضيها.

 إن المستغرب في بعض حالات العداوة بين شعبين عربيين – التي أشرنا لبعضها فقط – هي حالات اعتداء على شعب شقيق لا دخل بسياسة الأنظمة التي كانت سبباً لحالات العداء والاعتداء .. فلا دخل للشعب المصري الذي طرده الليبيون وصادروا ممتلكاته عام 1977، بزيارة أنور السادات إلى إسرائيل، فالسادات كرئيس دولة، لم يستشر شعبه، ولم يجر إستفتاء على تلك الزيارة .. فلماذا يتحمل مئات الآلاف من العمال والموظفين المصريين في ليبيا هذه المعاملة السيئة بسبب زيارة رئيس لا علاقة لهم بها ..

ونفس المنطق حول ما تعرض له الفلسطينيون في الكويت عقب دحر قوات الغزو العراقي، فما دخل الفلسطينيين بموقف ياسر عرفات ومنظمة التحرير من إحتلال العراق للكويت الذي فسرته دولة الكويت بأنه مؤيد للعراق وإحتلاله الكويت، هل إستشارت منظمة التحرير في موقفها ذلك أبناء الشعب الفلسطيني؟

 إذن لماذا هذه العداوات المريرة بين شعوب يُقال إنهم ينتمون إلى أمة عربية واحدة؟ بعد كل هذه الإعمال والممارسات من أبناء الشعب العربي ضد بعضهم البعض، هل يصمد القول بأن الأحقاد والمؤامرات والفرقة هي من أعمال الأنظمة العربية الحاكمة فقط؟ .. أم أن أداتها المنفّذة ووقودها المشتعل هم نفس أبناء الشعب العربي ؟!

جريدة (الإتحاد) – حيفا 10 سبتمبر 1999  .                        

إطبـــــــع  ارسل الصفحة الى صديق إحفظ الصفحة