"سوا"  " سوا" وأوهام الغزو الثقافي!

سمعت وقرأت الأسابيع القليلة الماضية, العديد من الأحاديث والمقالات, عن إذاعة "سوا" بشكل صوّرها وكأنها "غول" ثقافي, يغزو المنطقة العربية, وأستنفرت بعض المقالات همة الأمة العربية, وكافة قواها الوطنية لمواجهة هذا الخطر المحدق بشباب الأمة, وحاضرها ومستقبلها... لذلك عكفت لأيام عديدة على سماع إذاعة "سوا".. فماذا في الأمر؟ وهل هناك خطر داهم محدق بشباب الأمة, أم أنها عقلية الإثارة, المعتمدة دوما على حس "المؤامرة"؟!

إذاعة "سوا" محطة إذاعية أمريكية بدأت البث في عدة أقطار عربية على موجة الـ FM, وهي قد قامت كبديل للإذاعة الأمريكية العريقة "صوت أميركا"... فماذا في هذه الإذاعة, سوى غيرها من الإذاعات الغربية الناطقة باللغة العربية والموجهه للمستعمين العرب, كإذاعة لندن ومونت كارلو وإذاعة سويسرا العالمية, وإذاعة ألمانيا. ...وغيرها ... إذاعة "سوا" الأميركية الجديدة, تبث على مدار الساعة الأغاني فقط, أغنية عربية, تليها أغنية أجنبية, وكل ساعة تقدم موجزا للأخبار.. هكذا فقط على مدار الساعة.. حتى البرامج والأحاديث التي كانت تبثها "صوت أمريكيا" معبرة عن وجهة نظر الولايات المتحدة الأمريكية, لا وجود لها في محطة الإذاعة الجديدة.. فما هو الخطر الداهم المحدق بالأمة العربية, من هكذا إذاعة تحديدا, وهناك غيرها عشرات الإذاعات ومحطات التلفزيون, الموجهة للناطقين باللغة العربية؟ ولتسهيل النقاش الموضوعي ما هو الخطر الداهم, حتى لو كانت هذه الإذاعة الأمريكية، تقدم وجهة نظر الأدارة الأمريكية من الأحداث العالمية والعربية؟.. وهل من ذلك خطر؟ أليس من المنطقي, بل من الضروري أن نعرف وجهة نظر كافة دول العالم من الأحداث العربية, وخاصة في مسألة الصراع العربي- الإسرائيلي, كي نعرف كيف نضع ردودنا وخططنا, ونبني تحالفاتنا؟!

أما في موضوع أوطريقة تقديم الأخبار, فكل الإذاعات الأجنبية الموجهة للمستمع العربي, تنقل ما يحدث في الساحة الفلسطينية, وغالبا ما تنحاز في وجهة نظرها حسب مصالحها ومصالح دولها, فتركز أحيانا على حدث ما, وتتجاهل حدثاً آخر.... وهكذا.. وفيما يتعلق بالتسميات، فلا إذاعة لندن ولا إذاعة مونت كارلو، تستعمل صفة "الإستشهادية" للعمليات العسكرية الفلسطينية ضد الإسرائيليين, فكل هذه الإذاعات, تسميها عمليات عسكرية, ومن يسقط فيها "قتلى"... فهل نتوقع من إذاعة "سوا" و "لندن" و"ألمانيا", أن تسميها "عمليات إستشهادية" والقتلى فيها" شهداء"؟!

فهل في هذه الإذاعات كلها, أي نوع من الغزو الثقافي؟! في عالم اليوم, حيث الأقمار الصناعية "الساتلايت" والفضائيات وعالم الإنترنت, أصبح ما كان يسمى" الغزو الثقافي مجرد "أوهام" تبعث على الضحك والسخرية, فمنذ عقود, عندما أصبح العالم كله, نتيجة ما يسمى "ثورة المعلومات" مجرد قرية صغيرة, ماعاد شعب أو أمة, تستطيع إغلاق نوافذها وأبوابها, والتقوقع على ذاتها, فالعالم بكل دوله, مفتوح أمام كل المؤثرات, وحسب مناعة الشعب وقناعته, تتشكل رؤاه ومواقفه..

إن شعباً أو أمة, سوف تغير قناعاتها, وتغسل أدمغتها, إذاعة "سوا" شعب أو أمة, لا تستحق الحياة, أو بصيغة أخرى, أنها وجدت الأفضل في هذه الإذاعة, فتبنته وعاشت عليه.. لذلك لا أجد مبررا للتهويل من خطر غير موجود, إلا في أذهان بعضنا, الذين يسكن أدمغتهم "الحس بالمؤامرة"!.. وكي أكون موضوعيا, نعم هناك ما نسميه  "مؤامرة" وهي عند الشعوب والحكومات الأخرى, التخطيط للوصول إلى مصالحها, حتى لو كانت على حساب مصالحنا نحن العرب....هذا هو منطق الصراع في العصر الحديث, وخاصة في زمن ما صار يسمى "العولمة"..

لا يستطيع أحد منع "صراع الأفكار".. والبقاء للأفضل والأصلح, حسب قناعة المتلقي والمستمع, بدليل أن الدعوة للدين الإسلامي مفتوحة على مصراعيها, في كافة الدول الأوروبية, والولايات المتحدة الأمريكية, فلماذا لا تمنع هذه الدول, الدعاة المسلمين, وهم بالآلاف, وفي الولايات المتحدة الأمريكية وحدها حوالي خمس ملايين مسلم, وآلاف المساجد.. ورغم كل الهجمة الغربية  التي أعقبت الحادي عشر من آيلول، زاد الدعاه المسلمون من نشاطهم، دون أي قوانين أميركية جديدة, تحد من نشاطهم الدعوي؟ فلماذا لم يُسمِ الأمريكان ذلك "غزوا ثقافيا" وبإستطاعتهم الإعتماد على أن التبشير بالدين المسيحي ممنوع في الدول العربية والإسلامية, فيمنعون التبشير بالدين الإسلامي, وعندئذ لن يلومهم أحد, حسب مبدأ المعاملة بالمثل...

إن هذا السلوك, من سمات الشعوب والحكومات القوية المقتدرة, التي تعرف قدراتها وقدرات خصومها.. والدليل على ذلك, إنه عقب الحادي عشر من آيلول صدرت عدة كتب بأقلام أمريكية تدافع عن العرب والمسلمين, دون أن يفزع منها الشعب الأمريكي, ويسمى أصحابها "عملاء مستعربون"، كما هو سائد في الأقطار العربية، حيث صفة "العمالة" و "الجاسوسية" جاهزة لكل من يخالف "عواطفنا" لا  "عقولنا"!... ويكفي التذكير بكتاب السيناتور الأمريكي السابق "بول فندلي"- لا سكوت بعد اليوم, وهو صاحب الكتاب المشهور في الثمانينات "من يجرؤ على الكلام؟!".. ففي هذين الكتابين دفاع عن العرب والمسلمين, ونقد للوبي الصهيوني والإدارة الأميركية, لا يجرؤ عليه كتاب عربي أو مسلم.. ورغم ذلك طبع الكتابان في الولايات المتحدة, عدة طبعات, ووزعت هذه الطبعات في أميركا وأوروبا, مئات أضعاف طبعتهما العربية!!.

لذلك، علينا أن نصحو من عش الأوهام, لان الأمم الضعيفة, ضعيفة بغزو ثقافي وبدونه, وفي عصر ثورة المعلومات, سقطت مقولة الغزو الثقافي, فأصبحت مجرد  "وهم"... فلاأحد يستطيع اليوم, فردا أو شعبا أو حكومة, أن تُغلق الأبواب وخطوط الإنترنت, وأسلاك الفضائيات.. والقوي هو من يغربل ما يسمع ويرى من أفكار ومعلومات, فيأخذ الصالح منها, ويرمي الطالح...

فلنكف.. أو فليكف بعضنا عن التهويل بهذا الخطر, لأن شعباً, سوف تهزمه إذاعة "سوا" يستحق أن يسوى بالتراب!00

إطبـــــــع  ارسل الصفحة الى صديق إحفظ الصفحة