شولميت آلوني وموطي ليرنر تحية ..ومعنا من أجل سلام وأمن الشعبين

 

*ردود فعل المثقفين الإسرائيليين ، خاصة اليساريين منهم ، خلال أحداث الإنتفاضة الفلسطينية الحالية, لم ترق إلى مستوى طموحات المثقفين الفلسطينيين سواء داخل إسرائيل أو في قطاع غزة والضفة الغربية ، أي في مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية, لأن حجم الدمار والوحشية والتجريف والإغتيالات, التي يمارسها الجيش الإسرائيلي بقيادة رئيس الحكومة إرييل شارون, في صفوف الشعب الفلسطيني, تواجه بردود حاسمة من المثفقين الإسرائيليين, ترقى الى حدود هذا الخراب والقتل..ورغم هذا الإقرار الذي أعتقد أن الغالبية العظمى من المثقفين الفلسطينيين , خاصة داخل دولة إسرائيل توافق عليه , إلا أن هناك حقيقتين , أعتقد أنهما أيضا تحوزان على موافقة الأغلبية ,وهما :

1.    إنه وسط هذا السكوت وعدم المواجهة , ترتفع من حين إلى أخر أصوات إسرائيلية شجاعة للغاية , تشجب علنا وبالصوت العالي ما يقوم به شارون وجيشه وحكومته . من هذه الأصوات التي إرتفعت خلال الايام القليلة الماضية , صوت الوزيرة الإسرائيلية السابقة في الحكومة الاسرائيلية السيدة/شولميت آلوني . وقد كانت هذه السيدة الشجاعة رئيسة لحزب ميرتس , الذي يتزعمه الان النائب يوسي سريد , وكانت قد شغلت منصب وزيرة التعليم والتربية في حكومة يتسحاق رابين (92-1995).

يوم الجمعة الموافق الحادي عشر من كانون الثاني , تعقيبا على الأعمال الإجرامية المتمثلة في هدم عشرات البيوت , وتشريد مئات المواطنين الفلسطينيين جنوب مدينة رفح , وصفت شولميت آلوني رئيس الوزراء شارون ووزير دفاعه بنيامين بن اليعازر ورئيس الأركان شاؤول موفاز, بأنهم "سفاحون... صنْعتهم القتل بشكل أعمى من دون إتباع للدين أوالتراث أو الأخلاق اليهودية والإنسانية".. وعن ممارسات جيش الإحتلال الهمجية , قالت :إنني مذهولة حقا . فنحن نربي أطفالنا منذ خمسين سنة وأكثر على قيم الحرية والديمقراطية , ومع ذلك , أرى الأجيال الجديدة منكوبة بالخوف أو ببلادة المشاعر , فهم يتلقون الأوامر بإرتكاب جرائم ضد الفسطينيين , ومع ذلك لايرفضونها , ولا يتمردون عليها , وهذا خطير . إنه ليس من حق أحد أن يجبر إنسانا على رفض أمر عسكري ينطوي على جريمة حرب بل من واجب المواطن في النظام الديمقراطي أن يتمرد على مثل هذا الأمر , والقانون يحميه ".. إن هذه الأقوال الشجاعة من شولميت آلوني , لاليجرؤ عليها بعض السياسيين والوزراء العرب , كي لايتُهموا بتعكير صفو العلاقات مع دولة إسرائيل! ورغم الحصار الشاروني على الرئيس ياسر عرفات , وحملة الحكومة الإسرائيلية مجتمعة ضده , إلا أنها قالت بحقه كلاما لايجرؤ عليه الكثيرون , ذلك لقائها بالرئيس عرفات يوم الخميس العاشر من كانون الثاني , إذ صرحت ..."إذا كان عليً أن أختار ما بين أقوال شارون وموفاز من جهة وعرفات من جهة أخرى , فإنني بالتأكيد أصدق عرفات أكثر .. فهؤلاء قتله محترفون , ولكي يبرروا جرائمهم يكذبون , بينما عرفات يعيش محاصرا داخل أحزمة الإحتلال , منذ أن وصل إلى هنا سنة 1995 , مادٌا يد السلام , والفرق هو أننا نضيق الخناق عليه اليوم أكثر من قبل". هذه الأصوات الأسرائيلية العادلة والشجاعة ..ألا تستحق منا التحية والتقدير؟!.

إن هذه الأصوات الشجاعة في الجانب الإسرائيلي , تحتم على المثقفين في الجانب الفلسطيني في دولة اسرائيل وفي مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية , تكثيف الإتصالات مع المثقفين اليساريين الإسرائيليين , رغم الإحباط من حين إلى أخر .. إن هذه لن ينتج عنها إلا ما هو إيجابي , فالمثقف الإسرائيلي الذي لن يتطور موقفه ليصبح مؤيداً لحقوقنا , ومستنكراً لعذاباتنا , كما هو حال شولميت آلوني وغيرها فسوف تؤثر فيه لفكر في ما يجري بصورة مختلفة على الأقل  , بدلا من أن يظل متبنيا لأطروحات اليمين المهيمنة حاليا على السياسة والحكومة الأسرائيلية .. إن عدالة المطالب الفلسطينية , المصاحبة بإعتراف فلسطيني علني وصريح ومباشر بحق دولة إسرائيل في العيش والبقاء والأمن , وحجم الخراب والتدمير والقتل والإغتيال الذي يمارس ضد الفلسطينين , لابد أن يثير العديد من الضمائر الإسرائيلية , خاصة في صفوف المثقفين منهم .. أي أننا لن نخسر مطلقا من إتصالاتنا مع الجسم الثقافي الإسرائيلي ...فمن لانكسبه صراحةً ومباشرة لتأييد حقوقنا , سنُحدث صدمة في ضميره وثقافته .. والدليل على ذلك التجربة الميدانية , التي عاشها وكتبها الكاتب الفلسطيني الأستاذ سلمان ناطور (جريدة الشرق الأوسط . لندن 9/1/2002) : فقد كتب تحت عنوان "وجه أخر للمثقف الاسرائيلي" , عن الكاتب المسرحي موطي ليرنر , الذي إلتقاه في بداية إندلاع الإنتفاضة , وكان حائراً مرتبكا يبحث عن الحقيقة ..يبحث عن :

-        أسباب الإنتفاضة

-        حق العودة

-        معنى النكبة

ولإنه إقتنع بالحقائق الجديدة التي سمعها , كانت محاضرته اللاحقة في جامعة جورج تاون الأمريكية مختلفه , وترسخت قناعاته بعد أن سمع من مفكرين فلسطينين أخرين ما سبق أن سمعه من سلمان ناطور .. لذلك كتب وقال في محاضرته :

" إن مرض الإسرائيليين  مرتبط بمشكلة أخلاقية . أعتقد ان دوري وإلتزامي ككاتب هو التعامل مع هذه المشكلة الأخلاقية . إن الرغبة في التصرف الأخلاقي الإنساني تجب أن تكون رغبة طبيعية , لايحق مساءلتها كما لايحق تبريرها . رغم ذلك , علي أن أقول إنني أعتقد بأمانه أن تصرفنا الأخلاقي هو شر بقائنا . إننا لن نبقى إلا إذا كنا على قدر عال من الأخلاقية , وطبقنا العدالة . من أجل معالجة هذا المرض على الإسرائيليين أن يمروا بمرحلة الأعتراف بالمأساة الفلسطينية التي بدأت عام 1948 , أو حتى قبل ذلك . عليهم أن يكونو قادرين على تقمص الإحساس , بالخسارة واليأس , وأن يتحملوا مسؤولية فردية وجمعية عن هذه الماساة ".. ألا يستدعي هذا الحديث من القلب الإعجاب والتقدير .. ويشرح الأستاذ سلمان ناطور , ما تبع ذلك من لقاءات مع مثقفين إسرايليين , حضر أحد هذه اللقاءات 200 مثقف فلسطيني وإسرائيلي  ... وما أعقب ذلك من تفاهم واضح وصريح على تاييد حقوق الشعب الفلسطيني , وشجب سياسة الإحتلال والإغلاق والحصار والقتل الإسرائيلي ..

إن هذه المواقف الشجاعة , وما تبعها من نشاطات ولقاءات إيجابية بناءة , تستدعي من الجانب الفلسطيني المثقف الإستمرار في مد جسور مع المثقفين الإسرائيليين , وستكون ذات فاعلية واضحة , إن جاء مد الجسور هذه من كتٌاب ومثقفي فلسطين في مناطق السلطة الفلسطينية . نعم .. علينا كتٌابا ومثقفين أن نبدأ بـ((هجوم سلام)) نحوهم .. فإن لم نقنعهم تماما , فسوف نزعزع قناعات بعضهم اليمينية . والتجربة التي يشير إليها الأستاذ سلمان ناطور مشجعة للغاية .. نعم "هجوم سلام" نحو الجسم الثقافي الإسرائيلي , اليساري منه تحديدا , رغم الإحباط والخذلان في أوقات كثيرة .. غير عابئين بأصحاب المواقف العدمية , التي ترى في كل إتصال من أجل حقوقنا وعدالة قضيتنا بمثابة "تابوت" محرم , تحت إسم مضلل وضبابي , أطلقوا عليه (التطبيع)  .. وما المانع من التطبيع , إن كان سيقوم على إعتراف المثقف الإسرائيلي بحقوقنا المشروعة , وعدالة قضيتنا , وتحميل الجانب الإسرائيلي مسؤوليته عن نكبتنا وتشريدنا .. أعتقد أن هذه المهمة , هجوم السلام المثقف, مطروحة على الجسد الثقافي الفسطيني , أينما كان ... وأينما وجد .. وتحديداً على كتاب فلسطين في رام الله وغزة , فقد كانت هناك إتصالات ومباحثات في هذا الشأن , في بداية الإنتفاضة الحالية .. فلماذا لا نجدد هذه الإتصالات للوصول إلى تأييد أوسع , وحضور أقوى في المشهد الثقافي الإسرائيلي , عبر "وجه أخر للمثقف الإسرائيلي " , كما أطلق عليه الأستاذ سلمان ناطور ..

جريدة (الإتحاد) – حيفا

8 نوفمبر 2002

إطبـــــــع  ارسل الصفحة الى صديق إحفظ الصفحة