إنهم يرقصون على أنغام خيبتنا

·      الثلاثاء الحادي عشر من آيلول الحالي ، كان وسيظل من أيام التاريخ الموصوفة ب((المرعبة)) أو ((الخيالية))  خلال عدة دقائق إنهار أعلى برجين في العالم ، وهما مقر مركز التجارة العالمي في نيويورك ، ودمار أجزاء كبيرة من مركز أعظم قوة عسكرية في العالم ، مركز البنتاغون ، أي وزارة الدفاع الامريكية ، كل ذلك عبر عمليات هجومية _ إنتحارية ، تم فيها إستخدام عدة طائرات تجارية ضخمة ، بملاحيها وركابها وكل من عليها ومن فيها .. والنتيجة حتى مساء السبت ، الخامس عشر من آيلول ذاته ، كانت حوالي خمسة آلاف قتيل ومفقود .. إنها نتيجة لانجدها إلا في حروب طويلة ومعقدة .. وصحيح أن هذه الخسائر في صفوف الولايات المتحدة الامريكية ، الداعمة بدون شروط لقوات الإحتلال الاسرائيلي ، بكل ممارساتها أللاأخلاقية سواء في قطاع غزة أو الضفة الغربية أو ضد الإسرائيليين من أصول فلسطينية .. إلا أنها في المحصلة ( خسائر بشرية ) من ضمنها العسكري والمدني . البريء والمذنب . الطفل والعجوز . الشاب والصبية . كوكتيل بشري يصعب تصنفه ووضع توصيفات جاهزة له . لذلك قالوا عنها : إنها حرب ، ومن نوع جديد ، من يتخيل أن رئيس أعضم دولة في العالم اليوم ، يقول عما حصل : إن الولايات المتحدة الأمريكية تواجه حربا لم تواجهها من قبل ، أي حتى في عز قوة وجبروت ما كان يسمى الإتحاد السوفييتي .

القراءة الأولى والأخيرة لما حدث ، تنم عن تخطيط عال ومقدرة فنية وتكنولوجية من الصعب على الأفراد العاديين تحصيلها . من السهل خطف طائرة ، لكنه ليس سهلا توجيهها بهذه القدرة الفنية لتصدم أعلى برجين في الولايات المتحدة الأمريكية . التحليل الوحيد الصائب هو أن أشخاصاً علي الطائرات كأنهم نزعوا الطائرين من مقاعدهم ، وقادوا الطائرات بأنفسهم ، ليتم توجيهها نحو الهدف المحدد ، بفنية عالية ، ودراية بالممرات الجوية الدولية في سماء نيويورك وواشنطن ، لإن هذه الطائرة لوإنحرفت عدة أمتار _ مثلا _ عن الممرات الجوية الدولية ، وطارة في أجواء قواعد عسكرية ، لأسقطتها المضادات الصاروخية الأمريكية ، كما يقال عن الطائرة الرابعة التي سقطت في ولاية بنسلفانيا ، وبالتالي لما إستطاع الخاطفون الوصول إلى أهدافهم .

ولكن من الخاسر .. ومن الرابح ؟

في حالات الحرب العادية / الروتينية ، من الطبيعي أن يفرح الإنسان لأية خسائر بشرية ومادية تقع في صفوف الخصم ، لإنها خسائر تحسب لصالح حسم الحرب لصالح طرف ضد الطرف الأخر ، فمنذ بداية الإنسان ، كانت الحروب تشن لكسبها وإلحاق الهزيمة . لاتوجد حروب لمجرد النزهة والفرجة . هذا في الحروب العادية العلنية التي يعرف فيها بوضوح معسكر كل طرف أو خصم . أما فيما سماه الرئيس الامريكي بوش الابن ، (الحرب الخفية) التي تشن ضد الولايات المتحدة الأمريكية ، فالأمر مختلف . الطرف الأول في الحرب واضح ومحدد المعالم والحدود الجغرافية ، وهو (الولايات المتحدة الأمريكية) . أما الطرف الأخر ، الذي شن الحرب وبدأها ، فهو طرف خفي , ما زال المحققون الأمريكيون ، وهم بالالآف ، يركضون ويتحرون ويخمنون ويعتقلون ، وربما بعد كل ذلك يحددون الخصم / الطرف الأخر بشكل علمي دقيق ، أو بشكل تخميني ، لتوجيه ضربة عسكرية لحفظ ماء وجه القوة العظمى الوحيدة اليوم في العالم .. في هكذا ظروف ومعادلات دقيقة ، يصبح من الخطأ لإي شعب ضعيف ، تشن عليه حب إحتلالية تصفوية ، أن يفرح ويبتهج لما حدث في الولايات المتحدة ، لإن هذا الفرح وتلك البهجة ، مجرد تفريغ شحنة من الغضب ضد من يدعم الإحتلال ، بدون تحفظ ،لكنها في العمق الإستراتيجي ، تعطي الإحتلال الفرصة الذهبية لمزيد من القتل والتدمير والتجريف ، ليرضي الداعم لها ، الذي هو حتما مستاء ممن فرحوا وابتهجوا لما حل به ، في عمق دياره ، التي كان يعتبرها حصينة محصنة ، لايمكن إختراقها والعبث بها . ومن يفرح للخسائر التي تحل بطرف ، يعطي السبب المنطقي لأطراف أخرى أن تفرح للخسائر التي تلحق به ، وأن تغض هذه الأطراف النظر حتى عن الإحتجاجات الكلامية ، التي تصدر الآن _ وفي الحالة الفلسطينية الراهنة _ عن بعض الدول الأوروبية .

سألت إحدى محطات التلفزة النرويجية باحثا نرويجيا : ما رايك في الأفراد الفلسطينيين الذين عْبروا عن بهجتهم وفرحهم لما حدث في أمريكيا ؟ أجاب الباحث : هؤلاء الأفراد ، سواء كانوا قلة أم كثرة ، فهم لا يعبرون عن المزاج العام للشعب الفلسطيني ، مثل  ذلك_ وفي وضع الشعب الفلسطيني_ مسألة يمكن فهمها ، فهو ليس ابتهاجا للدمار ، ولكنه إبتهاج / إحتجاجي ضد سياسة الولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط ، المنحازة بعمى مطلق لإسرائيل . وأضاف الباحث النرويجي : لماذا ننسى ايام الحرب العالمية الثانية ، عندما إحتلت القوات الألمانية النازية بلدنا النرويج ، فكنا صغاراً وكباراً ، نفرح ونرقص في الشوارع عند سماع أي دمار تلحقه قوات الحلفاء بالقوات الألمانية . وبمنشآت ألمانيا ومبانيها ومؤسساتها.

دم الرئيس .. وشموع الأطفال

لذلك ينبغي التركيز على الموقف الرسمي الفلسطيني ، الذي أدان هذه العمليات التدميرية ، وقتل الأبرياء ، لإن هذا الموقف كأنه يدين العمليات التدميرية لجيش الإحتلال الإسرائيلي ،ويدين سياسة القتل والإغتيالات الإسرائيلية ضد أبناء الشعب الفلسطيني . وفي هذا السياق كان فعل الرئيس عرفات ، عندما تبرع من دمه لضحايا العدوان الأمريكيين ، كان موقفاً سياسياً ، وإنسانياً في الوقت ذاته . وكذلك مسيرة الشموع  الحزينة في القدس . الأطفال والشباب والشيوخ ، وهم يسيرون كذلك حزناً على قتلانا .. فقدة (( تعددت والموت واحد )) .

موافق وإنتقادات وتوضيحات  

علينا في حربنا ومواجهتنا المعقدة ضد الإحتلال ومن أجل الوصول الى الإستقلال ، ولإننا الطرف الأضعف في المعادلة العسكرية ، أن نراكم نقاط القوة ، ولا نسمح لأية مواقف إرتجالية غير مدروسة ، أن تفقدنا نقطة من نقاط القوة ، فمعركتنا مع الإحتلال معركة طويلة ، لن نكسبها بالضربة القاضية ، ولكن بالنقاط كما يقولون في لعبة الملاكمة .

في مدرسة نرويجية ، في الصف الثاني الثانوي ، تحدثت المدرسة عما حدث من تدمير وقتل في أمريكا ، وأنتهت حديثها معبرة عن إستغرابها للفلسطينيين الذين خرجوا في الشوارع فرحين لما حدث . وكانت في الصف طالبة فلسطينية، في السادسة عشر من عمرها ، أحست أن الإنتقاد موجه إليها . رفعت إصبعها ، أخذت إذناً بالكلام ، فقالت لمعلمتها : قبل عام عندما قتل ثلاثة نرويجيين مواطناً اإفريقيا في شوارع أوسلو ، ظل الإعلام النرويجي عدة أيام يستنكر الحادثة ، ولم يُسْم القتلة (ثلاثة مواطنين نرويجيين) ، ولكن أُطلق عليهم (ثلاثة من النازين الجدد) _ وهم حزب معروف في النرويج _ فلماذا تُصرين على أن الذين خرجوا في شوارع بعض المدن الفلسطينية ، وهم أقلية جداً ، لماذا تسميهم فلسطينيين ، قياسا على تعامل الإعلام النرويجي مع الحادثة المذكورة ، لماذا لاتقولي أنهم فلسطينيون بسطاء .. جهلة لايعرفون تعقيدات اللعبة .. فكرت المعلمة النرويجية . صمتت قليلا . أجابت : معك حق .. انا آسفة .

محطة تلفزة نرويجية ، ضمن إستطلاعها لرأي عشرات من مختلف الجنسيات والديانات والملل والنحل .. سألتني عن نفس المشهد والموقف ، فأجبت:

الموقف الرسمي دائما تعبر عنه الحكومات ، والموقف الفلسطيني واضح ، عبر عنه الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ، علنا مستنكرا ومدينا ما حدث .. أما ما يسمى (( الموقف الشعبي))­­­­­ فلايوجد موقف شعبي موحد .. هناك مواقف متعددة ربما بالعشرات أو بالمئات ،حسب ميول الأفراد وظروفهم ، فموقف الفلسطيني الموجود في قلب مدينة لم تدسها دبابات الإحتلال وصواريخه _ إن وجدت تلك المدينة _ حتما سيختلف عن موقف الفلسطيني الذي دمرت الدبابات الإسرائيلية ، والطائرات الإسرائيلية، أمريكية الصنع ، والمعطاة لجيش الإحتلال مجانا ، بيته ومنزله وجرفت مزرعته وقتلت أكثر من واحد من أسرته . وأضفت لمحطة التلفزة النرويجية ، وكنت قد إحططت للأمر ، بإصطحاب عدد من مجلة أمريكية ، وفيها صور لمتدينين يهود .. رفعت الصورة أمام الكاميرا . فسألني ما هذه الصورة : (( يهود متدينون يبتهجون في شوارع القدس ، ويدقون الكؤوس فرحا بوفاة فيصل الحسيني)) .

إبتسم المذيع ، وأيدني الحضور ، من أن المحتل المنتهكة حقوقه يوميا ، لايمكن أن يفرح لأية إنتهاكات أخرى ، ضد مواطنين آخرين ، وفي كل الصفوف هناك ، يمكن أن يشذ عن موقف الأغلبية .

عندما تذهب السكرة

نعم .. إن هذه الحرب الخفية المعقدة ، كما سماها الرئيس الأمريكي  ، ينبغي أن نتعامل معها كشعب فلسطيني بحذر ، لإننا لانعرف الطرف الآخر فيها ، وما هي أهدافه ، لإنه عندما تذهب السكرة وتأتي الفكرة ، سيعرف الجميع ، ومنهم الفرحون ، بأن من ضمن الآف القتلى والمفقودين مئات من العرب والمسلمين وعشرات من الفلسطينيين ، إن لم يموتوا  في الدمار , سوف يمضون عمرهم في دمار السجون .. لذلك فمثل هذه الحروب , لاتستحق في رأيي – سوى الإدانة , كي لا نعطي الغطاء لعدو , أصلا لايحتاج لغطاء ومبررات !

جريدة (الإتحاد)- حيفا

31 أيلول 2001

إطبـــــــع  ارسل الصفحة الى صديق إحفظ الصفحة