![]() |
صورة اليهودي في الرواية الفلسطينية:
بقلم
الدكتور/أحمد أبومطر
كان الأدب بكافة فنونه، منذ
عام 1936، أحد أدوات الصراع بين الفلسطينيين واليهود، وقد عبّر الأدب الفلسطيني
والأدب العبري طوال تلك الفترة الممتدة حتى عام 1994 عن كافة أوجه ذلك الصراع،
وكان الأدب لدى الطرفين الفلسطيني واليهودي، سلاحاً للتعبئة الجماهيرية ضد الطرف
الآخر، وأدى ذلك عبر الثمانين عاماً الماضية إلى إكتمال (صورة) واضحة المعالم لكل
طرف في أداب الطرف الآخر، إلا أنه بعد عام 1994، توقف النفس المعادي اليهودي في
الأدب الفلسطيني، بنسبة عالية، وذلك إثر إتفاقية أسلو, وعودة القيادة الفلسطينية
إلى أرض فلسطين, وبداية حل سلمي ما يزال غير مكتمل الملامح, لذلك سوف نحاول البحث
عن صورة اليهودي في الرواية الفلسطينية قبل عام 1994.. كيف صور الكاتب الروائي
الفلسطيني شخصية(اليهودي) كطرف من أطراف الصراع في المنطقة.
ومن المهم الإشارة إلى أن
تصوير الشخصية اليهودية في الرواية الفلسطينية, كان – إلى حد كبير- منسجما مع
الدراسات التاريخية حول هذه الشخصية, ومع بعض صورها في الآداب الأروبية, وأيضا كما
عرفها الواقع الفلسطيني خاصة بعد صدور (وعد بلفور) وزير الخارجية البريطاني عام
1917, الذي وعد اليهود بمساعدتهم في إقامة وطن قومي في فلسطين, مستغلا وجود الإنتداب
البريطاني على فلسطين, وكان ذلك الوعد بكل المقاييس عملاً لا أخلاقياً ولا حضارياً
من الساسة البريطانيين, فكون(فلسطين) محمية بريطانية لا يعطيهم الحق, في إعدادها
لتكون وطنا لشعب آخر على حساب تشريد الشعب الفلسطيني... لذلك فإن الإحتكاكات
والمصادمات بين الشعب الفلسطيني والجالية اليهودية التي كانت لا تزيد عن عدة آلاف,
لم تبدأ بشكل علني إلا بعد وعد بلفور الذي شجع الهجرة اليهودية إلى فلسطين, فإنعكس
ذلك في الرواية الفلسطينية التي صورت الصراع في تلك المرحلة, نتيجة هذا الصراع
والهجرة اليهودية إلى فلسطين, كان النمط الأول من أنماط الشخصية اليهودية الذي
ظهرت ملامحه وتوصيفاته في الرواية الفلسطينية هو:
1.
النمط الشايلوكي
والتسمية
منسوبة إلى شخصية (شايلوك) في مسرحية شكسبير المعروفة(تاجر البندقية), وهذا يعني أن
الروائيين الفلسطينين قرأوا هذه المسرحية ووجدوا أن توصيف شكسبير لشخصية التاجر
اليهودي(شايلوك), ينطبق من خلال الواقع الذي يعيشونه على عدة شخصيات يهودية, ممن
كانوا يعيشون حياة طبيعية كأقلية، وسط الشعب الفلسطيني, لكنهم نشطوا بعد وعد
بلفور( 1917) لوضع كافة إمكانياتهم في خدمة تهيئة إقامة وطن قومي يهودي في فلسطين,
من خلال الدعم الواسع لهم من السلطات البريطانية, فعمدوا إلى وضع العراقيل أمام
نمو الإقتصاد الفلسطيني, لذلك ظهرت في الرواية الفلسطينية, شخصية اليهودي الذي
يحترف أعمال الربا والسمسرة والغش في التجارة, ونصب الأفخاخ لمعارفه من العرب, كي
يسخرهم لخدمة أغراضه.
ظهرت هذه الشخصية لأول مرة في
رواية (الوارث) لخليل بيدس( 1920) حيث نجد المرابي (ناثان) الذي
ينسق جهوده مع الغانية اليهودية (إستير) بقصد إيقاع الشاب الفلسطيني (عزيز) في شِباكه، إذ ورث ثروة طائلة من عمه المتوفي. كانت
(إستير) قد أوقعته في حبها، وأتخذته مصدراً للإنفاق عليها، وسد حاجات من حولها من
الشخصيات اليهودية، كالمرابي (ناثان) وبائع الآلآت الموسيقية، وعمتها الكهلة
(راحيل). بعدما أيقنت (إستير) أنها سيطرت عليه، زادت من طلباتها، ولما إستنفذت كل الأموال الموجودة لدى
(عزيز)، طلبت منه أن يقترض ما يلزمه من أموال من الصيرفي المرابي اليهودي (ناثان)،
وعندما يموت عمه الطاعن في السن، ويرث ثروته، سوف يقوم بسداد الديون لأصحابها، إلا
أن (ناثان) أفهمه صعوبة الحصول على المال اللازم له نقداً وأن الوسيلة الوحيدة لذلك
هي شراء آلات موسيقية بصكوك على الأجل، من تاجر يهودي، سيدله عليه، ثم يبيع قسماً
من هذه الآلات بثمن رخيص، ويرهن الباقي عند التاجر نفسه الذي إشتراها منه... ويصبح
الفرق كبيراً بين الثمن الأصلي الذي إشتراها به، وسجله على نفسه في الصحوك، وبين
المال النقدي الذي حصل عليه بهذه الطريقة المعقدة(1)، وفي النهاية
تتمتع (أستير) ومن حولها بهذا المال على شكل هدايا ونفقات وإيجارات، وفي الوقت
الذي يتظاهر فيه (ناثان) بصداقة عزيز البريئة، تستمر أعمال (ناثان) و (أستير) على
هذا الشكل، يحبكون الخطط والمكائد للحصول على الكثير من أموال (عزيز).
إن هذا الوصف في رواية
(الوارث) ليس بعيداً عما عرفه واقع العلاقة بين العرب واليهود قبل قيام دولة
إسرائيل عام 1948. ونفس هذا النمط من الشخصية
اليهودية، يرد بشكل عابر في رواية (في السرير) لمحمد العدناني – 1946
-، فقد تعرف وهو في سفره من مدينة (كيراكوف) إلى مدينة (بوخارست) على رجل حسن
الهندام ، فارع القوام، إعتقد أنه سيكون دليله في مدن يجهلها، لذلك دفع عنه الأجرة،
وأكرمه في مطعم فخم، ولما وصلا إلى الميناء الروماني (كونستانزا) حجز له في فندق
غرفة بسريرين بحجة أنه لا توجد غرفه
بسرير واحد، وودعه كي يذهب لينام عند شقيقه المقيم في (كونستانزا). وفي الصباح
عندما إستيقظ طريف بطل الرواية، وجده قد نام معه على السرير الثاني، وبعد أن إحتال
عليه بمزيد من النقود والمصاريف، إكتشف أنه يهودي مشهور في المدينة بالنصب
والاحتيال.
من الواضح أن توصيف هذه
الشخصيات اليهودية عند الروائيين الفلسطنيين، يشبه إلى حد كبير توصيف شخصية
(شايلوك) في مسرحية (تاجر البندقية)
2- النمط
غير المندمج:
نتج عن وجود العنصر اليهودي في
مختلف أنحاء أوروبا ظاهرة سياسية – إجتماعية، عرفت باسم (الإندماج)، ويعني بها
(إندماج) أو (إنخراط) اليهودي في المجتمعات الأوربية التي يعيشون فيها، إلا أن
هناك العديد من الأسباب التي حالت دون إندماج اليهود في تلك المجتمعات، على الرغم
من المحاولات العديدة التي بذلتها حكومات تلك الدول، وبعض الحركات التي قادها
فلاسفة ومفكرون، فكان إنعزال اليهود في أحياء خاصة بهم (الجيتو) رافضين الإندماج
فيما عداهم من مجتمعات، وقد ساعد على ذلك الإضطهاد الذي تعرض له اليهود في بعض
المجمعات الأوروبية، مما أثار عندهم الإحساس بالعرق اليهودي الخاص المميز، كذلك
الفكرة الصهيونية عن (شعب الله المختار) الذي فضله الله على كل الشعوب، أوربية
وغير أوربية، و "هكذا ظهر في القرن التاسع عشر مفكرون يهود، قطعوا صلتهم
بالإنسانية عموماً، وبشروا بأفكار صهيونية مفادها أن على اليهود أن ينفصلوا عن
العالم، ويكفوا عن أن يكونوا جزءاً من نهر البشرية العريض"(2).
وقد عمدت الحركة الصهيونية بعد
مؤتمرها الأول في (بال) بسويسرا عام 1897،
إلى تغذية ظاهرة عدم الإندماج, كي يسهل عليها إعداد ألوف المهاجرين إلى فلسطين
التي عملت الحركة الصهيونية منذ ذلك التاريخ على عمل كل ما يلزم لإعداد فلسطين
وطناً قومياً لليهود. وهكذا شكل اليهود في كافة أنحاء العالم مجتمعات خاصة بهم
(جيتو) رافضين الإندماج، معتقدين بعرق خاص مميز. وقد شكلت المستوطنات اليهودية قبل
عام 1948 نوعاً من
(الجيتو) في فلسطين، حيث أقامت الحركة الصهيونية هذه المستوطنات على أراض قاموا
بشرائها، أو مُنحت لهم من الحكومة البريطانية المنتدبة على فلسطين، لإستيعاب
المهاجرين اليهود القادمين من أوربا وغيرها, وقد أقاموا في هذه المستوطنات كافة
مظاهر النشاط من زراعة وصناعة، وفي مرحلة تالية أصدروا ما سُمي "قانون العمل
العبري" الذي يمنع العمال الفلسطينيين من العمل في المصانع والمزارع
اليهودية.
المثال الوحيد لليهودي غير
المندمج في الرواية الفلسطينية، هو شخصية (راؤول) في الجزء الثالث (القناع) من
(ثلاثية فلسطينية) لنبيل خوري(3). كان (كمال) بطل (القناع) يسهر في أحد
ملاهي باريس، عندما ناداه صوت بإلحاح: كمال.. كمال.. تبين صاحب الصوت فإذا هو
(راؤول) الشاب اليهودي، صديق الشلة في بيروت الذي إنقطعت اخباره نهائياً عام 1956،
وها هو يظهر بشكل مفاجئ غير متوقع عام 1970.
كانت الصدمة الفاجعة لـ (كمال) عندما أخبره (راؤول) أنه ترك بيروت بعد العدوان
الثلاثي (اسرائيل، بريطانيا، فرنسا) على مصر، مهاجراً إلى إسرائيل. ومن خلال ما
جرى بينهما من حوار حول هذه المسألة تبرز المكونات النفسية لشخصية اليهودي، الذي
يرفض الإندماج في المجتمع الذي يعيش فيه، على الرغم من كافة أسباب الراحة
والطمأنينة التي كانت متوفرة له:
-
ولكن لماذا تركت لبنان؟ ولماذا إخترت إسرائيل من بين كل
دول العالم؟
-
تركت لبنان لأنني يهودي، وإخترت إسرائيل لإنها وطن
اليهود.(4)
هذا
على الرغم من أنه من مواليد لبنان، ويحمل الجنسية اللبنانية، وما يزال والداه
يقطنان لبنان.
لماذا هاجر (راؤول)؟ هل إضُطهد
في لبنان كي يفكر في الهجرة إلى إسرائيل؟ لم يحدث هذا، ففي لبنان يعيش آلاف
اليهود، إلا أنها العقدة النفسية التي تحكم علاقة اليهود بما حولهم من مجتمعات، وبقايا
السلوكيات التي كانت الحركة الصهيونية تغذيها دوماً، كي يظل اليهودي يعيش بإحساس
أن مجتمعة الحقيقي هناك على أرض فلسطين، ضماناً لإستمرار الهجرة متدفقاً إلى ما
يسمونه أرض الميعاد. وهذا ما جعل الأمم المتحدة تتخذ قراراً في الستينات بأن
الحركة الصهيونية ( حركة عنصرية)، وظل هذا القرار ساري المفعول، إلى أن ألغته
الأمم المتحدة، قبل سنوات قليلة نتيجة ضغوط الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل،
ورغم إلغائه، فإن مجرد صدروه عن الأمم المتحدة، وسريانه لما لا يقل عن عشرين عاماً
يدل على أن غالبية المجتمع الدولي ،شرقه وغربه، يشعر ويعرف أن ممارسات الحركة
الصهيونية، ما هي إلا ممارسات (حركة عنصرية) ضللت ملايين اليهود، وغرست في نفوسهم
نزعة العدوان... هذه النزعة التي إرتدت مرات عديدة إلى صدور اليهود أنفسهم، وكان
آخرها مقتل رئيس الوزراء (إسحق رابين) على يد يهودي متطرف إسمه (بيجال عامير) عام
1996.
-
ولكن لبنان كان وطنك ، وما زال حتى الآن وطن آلاف
اليهود.
-
بعد حرب السويس شعرت فجأة بأنني غريب في لبنان، مرفوض،
لقد رفضني مجتمعكم، أصبحت وحيداً...
-
هل كنت تشعر بهذه الغربة، وهذا الرفض وأنت بيننا في بار
الإكسلسيور.. هل عاملناك كغريب عنا.. هل... هل عاملناك أبداً كيهودي؟(5).
ويستمر
الحوار الروائي بين (كمال) الفلسطيني، و (راؤول) اليهودي، لنكشف عدة أمور:
1-
لم يتعرض راؤول لأي إضطهاد في لبنان، بل العكس، إذ كان
الشخصية المحببة لكل رواد بار الإكسلسيور. ووالداه ما يزالان يعيشان في بيروت.
2-
إن هجرته إلى إسرائيل كانت نتيجة وقوعه تحت تأثير
الدعاية الصهيونية القائلة بأن (إسرائيل) وطن لليهود من كل أنحاد العالم. رغم وجود
عدة ملايين من اليهود في دول متعددة، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية، ويرفضون
العودة والعيش في إسرائيل.
3-
إن وجوده في إسرائيل غير كثيراً من آرائه، وجعله مقتنعاً
بمفاهيم لا يختلف عاقلان على خطأها، في حين يراها هو عين الصواب.
3-النمط
الإنسان:
عرفت الرواية الأوربية، في
إنجلترا بالذات، أنماطاً متنوعة من شخصية اليهودي، حسب المرحلة الزمنية وما يسودها
من أفكار ومعتقدات عن اليهودي، ففي بداية القرن التاسع عشر كان اليهودي يصور في
القصص الإنكليزي إما على صورة شايلوك أو اليهودي التائه(6). ومع ظهور
الثورة الصناعية، والثورة الفرنسية اللتين غيرتا طبيعة العلاقات بين اليهود
والأوربيين، بدأت تظهر شخصية اليهودي الطيب الكريم الإنسان، النقيض ليهودي شيكسبير
الوغد. ويمثل ظهور شخصية اليهودي الطيب الإنسان إنعطافاً تاماً في المنطلقات الإجتماعية
والنفسية التي كانت وراء تقديم شايلوك.(7) وهذا يعني تغيرت النظرة التي
سادت زمنا طويلاً في الأدب الإنجليزي، وكانت ترى في اليهود مجموعة من اللصوص
والمجرمين.
هذا النموذج الجديد لليهودي
الطيب الإنسان، رغم العداء اليهودي الفلسطيني، نجده واضحاً في الرواية الفلسطينية،
وهذا يعتبر مثال الجرأة والصدق والموضوعية، فرغم استيلاء اليهود على وطن الفلسطنيين،
وتشريد ملايين منهم، إلا أن الروائي الفلسطيني قدم شخصيات يهودية إنسانية طيبة،
تتعامل بالمبدأ والحقيقة.
كان ناصرالدين النشاشيبي أول
من قدم اليهودي الإنسان، في روايته (حبات البرتقال)(8)، وقد عرض فيها
لمختلف الأجواء التي يتعرض لها اليهودي سواء في أوربا أم في إسرائيل على يد الحركة
الصهيونية التي تتولى عمليات بتجميع اليهود وتهجيرهم إلى فلسطين.
"سابا" بطل الرواية،
فلسطيني كان يدرس في ألمانيا في الاربعينات. سجنه النازيون مع اليهود والفرنسيين
في سجن (داخو) بألمانيا. تعرف في السجن على فتاة يهودية إسمها (مريم) وبعد هزيمة
النازية في الحرب العالمية الثانية، خرج من السجن ليواصل حياته في ألمانيا مع
صديقته اليهودية الألمانية، وقد استطاع أن يغرس في نفسها مفاهيم إنسانية، منها أنه
كفلسطيني لا يكره اليهود، إنما يكره الصهاينة الذين يحاولون الإستيلاء على وطنه.
وقد إقتنعت مريم بهذا المنطق خاصة عندما تذكرت أن الألمان النازيين لم يفرقوا في
معسكر الإعتقال بينها كيهودية وبينه كفلسطيني وبين الفرنسي والإنجليزي. لقد تمكنت
هذه المفاهيم الإنسانية في نفسية مريم إلى حد رفضها التعاون مع رجال الوكالة
اليهودية في المانيا.. "..لا.. لن أتعاون معكم.. أنتم مجرمون.. أنتم تريدون
إستخدامنا لتنفيذ وسائلكم الصهيونية الكريهة.. إن فلسطين ليست بلدي. إن بلدي هنا..
وسأبقى هنا.. ولن أساعدكم على استغلال عذابنا من أجل أهدافكم".(9)
غسان كنفاني في روايته (عائد
إلى حيفا)(10) يعطي المسألة شمولاً أكثر عن طريق الربط بين عذاب
الإنسان الفلسطيني على يد الصهاينة وعذاب اليهود على يد النازيين الألمان.
فاليهودي (إيرافت كوشن) وزوجته (مريام) قدما إلى فلسطين المحتلة من (وارسو عن طريق
ميناء (ميلانو). وقد كانت فلسطين آنذاك له "مجرد مسرح ملائم لأسطورة قديمة،
ما يزال يحتفظ بنفس الديكور الذي كان يراه مرسوماً في الكتب الدينية المسيحية
الملونة المخصصة لقراءات الأطفال في أوربا".(11) وقد شهد مع زوجته
وهما في (نزل المهاجرين) التواطؤ البريطاني مع الجيش اليهودي لتسليمهم مدينة حيفا،
وبعد إنتهاء المعارك يومي الأربعاء والخميسن لم يخرج من النُزل إلا يوم السبت،
أدهشه أنه (سبت حقيقي) إذ لم يشاهد سيارة في الشارع، إلا أن زوجته بكت بصمت وهي
تقول له: "..إني ابكي لشيء آخر، إنه سبت حقيقي، ولكن لم يعد ثمة جمعة حقيقية،
ولا أحد حقيقي".(12) وتبدوا إنسانية (مريام) عندما شاهدت شابين من
(الهاجناه) يحملان شيئاً ويضعانه في
شاحنة صغيرة، وإستطاعت في لحظة أن ترى ما يحملانه.. قالت لزوجها: "كان ذلك
طفلاً عربياً ميتاً، وقد رأيته مكسوا بالدم"(13). وعندما يسألها:
"كيف عرفت أنه عربي؟" بخيبة: "ألم تر كيف القوه في الشاحنة كأنه
حطبة؟ لو كان يهودياً لما فعلوا ذلك"(14).
إن إنسانية (ميريام) هذه نابعة
من تأكدها أن هذه الوحشية التي يعامل بها الصهاينة العرب في فلسطين، لا تختلف عن
الوحشية التي عومل بها اليهود على يد النازيين الألمان، فلا يختلف قتل الطفل
العربي في حيفا برصاص تنظيم (الهاجاناه) عن مقتل شقيقها الطفل في معتقل (أوشتيفتر)
بألمانيا على يد الجنود الألمان. لذلك تقرر العودة إلى إيطاليا لانها كشفت أباطيل
الحركة الصهيونية، وفي الوقت ذاته تبدو علمانية غسان كنفاني إذ "يربط بواسطة
تقديم هذه الشخصية وتاريخها لأول مرة في الأدب العربي، ما بين عذاب المضطهدين في
كل مكان، عذاب الإنسان الفلسطيني على يد الصهاينة، وعذاب الإنسان اليهودي على يد
النازية"(15).
إن الريادة في تقديم الشخصية
اليهودية الإنسانية يعود إلى ناصر الدين النشاشيبي، وليس كما ترى رضوى عاشور في
إعتبارها أن الريادة في ذلك لغسان كنفاني، فقد سبق ناصر الدين النشاشيبي غسان
كنفاني في ذلك بسبع سنوات.
وقد قدم نفس الشخصية اليهودية
الإنسانية، أفنان القاسم في روايته (الباشا)(16)، حيث نجد العجوز
اليهودية الطيبة "أم سارة" تعيش نفس حياة الفلاحين الفلسطيين، تشاركهم
الفرح والحزن، دون أن يلح أحد منهم إلى أنها (يهودية)، فقد أصبحت فرداً منهم.
تلك كانت أهم الأنماط لشخصية اليهودي
في الرواية الفلسطينية قبل عام 1994.
ويلاحظ أنه بعد إتفاقية أوسلو، خفت بشكل واضح نزعة العداء لليهود في الأدب
الفلسطيني، خاصة بعد زيادة الروابط واللقاءات بين معسكري السلام الفلسطيني
والإسرائيلي، وإقتناع الطرفين بأنه لا مفر للشعبين الفلسطيني والاسرائيلي من أن
يعيشوا على نفس الأرض تحت شعار (شعبان ودولتان).
إن الصورة الموضوعية لا تكتمل
إلا بعد دراسة الشخصية العربية في الأدب العبري، كي نرى كيف تعامل الكاتب الإسرائيلي
مع الشخصية العربية، وكيف صورها... وهذا يحتاج إلى دراسة ثانية مستقلة... عندئذ
نرى صورتين متقابلتين لشعبين في أدب الواحد والآخر.
المراجع
والمصادر:
1-
د. ناصر الدين الأسد – خليل بيدس رائد القصة العربية
الحديثة في فلسطين، ص67.
2-
هاني الراهب – الشخصية الصهيونية في الرواية الإنجليزية،
مركز الأبحاث الفلسطينية، بيروت، 1974، ص11.
3-
ثلاثية فلسطين – نبيل خوري ، دار الشروق، بيروت 1974.
4-
ثلاثية فلسطين ص208.
5-
ثلاثية فلسطين ص208.
6-
هاني الراهب – الشخصية الصهيونية في الرواية الإنجليزية
ص9.
7-
المرجع السابق ص19،20.
8-
ناصر الدين النشاشيبي – حبات البرتقال، ضمن كتابه (قصص
وأصحابها), المكتب التجاري للطباعة والتوزيع والنشر، بيروت، الطبعة الأولى، 1962.
9-
المصدر السابق ص287.
10-
غسان كنفاني – عائد إلى حيفا، دار العودة، بيروت 1969،
الإقتباس من الرواية وغيرها
من أعماله، من المجلد الاول من (الآثار الكاملة) له، الصادر عن دار الطليعة،
بيروت، الطبعة الأولى، 1972.
11-
عائد إلى حيفا، ص373.
12-
عائد إلى حيفا، ص377.
13-
عائد إلى حيفا، ص378.
14-
عائد إلى حيفا، ص378.
15-
رضوى
عاشور- الطريق إلى الخيمة الاخرى، دار الأداب، بيروت، الطبعة الأولى، 1977،
ص145-146.
16-
أفنان القاسم – الباشا، وزارة الإعلام – بغداد، 1977.