صورة إنسانية ومعبرة:

لا مستقبل إلا للتعايش بين الشعبين

    العامان الماضيان أوجدا حاجزاً نفسياً عميقاً في العلاقة الإنسانية بين الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي رغم أن الخمسين عاماً الماضية لم تخلو من الموت والدمار والقتل والتخريب، إلا أن نفس الموت والدم، كانا العامين الماضيين أكثر موتاً ودماً أكثر إحمراراً... ليس كلاماً بلاغياً فقط، ولكنه حقيقة أدركها من الجانبين: المتعطشون للدم والمتلهفين للسلام... شخصياً، كانت دماء وعنف العامين الماضيين مفاجأة غير متوقعة ولامنتظرة... المرة الأولى التي زرت فيها الأرض المقدسة بعد غياب 35 عاماً بالتمام والكمال، كانت في الأسبوع الأول من كانون الأول عام 1999، للمشاركة في مؤتمر النقد الأدبي الذي نظمته جامعة القدس.. أنزلونا في فندق (الأراضي المقدسة) في القدس... تجولت في شوارع القدس القديمة والحديثة... عانقت زهرة المدائن... دخلت المسجد الأقصى... تجولت في ساحته... وقفت امام حائط المبكى... دون بكاء... ذهبت الى رام الله... وسافرت الى غزة... وليلاً الى تل آبيب وشوارع حيفا... فلسطينيون في القدس وأغلب المدن الإسرائيلية.. وإسرائيليون في رام الله وشاطئ غزة... وما يزيد على مائة وعشرين ألف عامل فلسطيني يعملون في إسرائيل، ونسبة منهم في المستوطنات... مفارقة مضحكة مبكية.. المفاوضون الفلسطينيون يطالبون بتفكيك المستوطنات.. وعمال فلسطينيون يقيمون مستوطنات جديدة.

    في مطعم إسرائيلي... إلتقيت مع صحفي إسرائيلي من أنصار السلام فُولاً عبرياً وكنافة عربية، مازحت النادل قائلاً: فول وكنافة رام الله أطيب.. لم يعلق النادل... أجابني الصحفي الاسرائلي سأكتب مقالاً أقول فيه: لابد من السلام بين الشعبين، كي يتقن الإسرائيلي صنع الفول والكنافة.

    في ذلك الأسبوع من عام 1999، لو قال لي سياسي أو صحفي أو منجم أنه بعد عامين سيندلع هذا العنف وهذا الموت وهذا الشلال من الدم، لقلت له مجنون.. معتوه لا تفهم في السياسة ولا في الإجتماع لماذا لانه رغم كل المشاكل والمتاعب والإعتداءات من حين الى آخر... كان الوضع النفسي بين الشعبين جاهزاً وقريباً من التعايش والأمن والسلام...

    وهل فقدنا ذلك الآن؟ ولماذا هذا التداعي في هذه الخواطر؟ الجواب أولاً على السؤال الثاني، هو أن هذا التداعي الإنساني سببه صورة فوتوغرافية منشورة في جريدة (الشرق الأوسط) في عددها ليوم الثاني من تموز لعام 2002. الصورة للطبيب الإسرائيلي البروفيسور شمعوم سلافن، يحمل الطفلتين الفلسطينيتين (تسنيم) و(سلسبيل)، وهو يرفع رأسه مبتسماً سعيداً، بعد أن نجح في مستشفى هدسا من علاج (سلسبيل) مع فريق طبي إيطالي، من مرض نقص المناعة المركب الحاد... وبجوار البروفيسور شمعون يقف والد (سلسبيل) طاهر أبوعسيد، ووالدتها هيام ينظران في سعادة إلى البروفيسور، وهو يضم الطفلتين الى صدره مبتهجاً لنجاحه في شفاء الطفلة الفلسطينية من مرض كان معدوماً الأمل من الشفاء منه... ربما يكون ذلك رومانسية مريضة عند بعض الفلسطينيين.. وربما يرى البعض أن هذه الخواطر إستسلاماً وعمالة لكن لا أحد يستطيع مهما كان بأسه وجبروته أن يصادر مشاعر الأخرين.. لإن شارون وكل آلاته العسكرية، لم تستطع مصادرة مشاعر روائي إسرائيل الأول يهوشع الذي قال قبل أسابيع بصوت عال، أعلى من صوت أي متطرف فلسطيني: (الآن أفهم... لماذا يكرهنا الفلسطينيون.. الآن أرى كيف عملت حكومتنا لجعل الفلسطينيين يكرهوننا إلى هذا الحد).

 

لا مستقبل إلا للتعايش!

    لذلك ورغم هذا الحاجز النفسي الدموي النفسي الدموي الفاقع الإحمرار... علينا جميعاً، فلسطينيين وإسرائيليين، أن ندرك رغم كل المشاكل والإختلافات في الرؤى والأهداف.. فلا مستقبل إلا للتعايش بين الشعبين... وهذا يعني ضرورة التنازل من الطرفين... ما يراه جميع الفلسطينيين (حقا) لهم... تراه أغلبية الشعب الإسرائيلي (حقا) لهم... وهنا يأتي دور الحكماء والعقلاء من الشعبين.. لا مستقبل إلا للسلام والتعايش... عندئذ سنأكل الفول والكنافة بنفس المستوى والجودة في مطاعم رام الله وتل ابيب... وأعرف أن دقة الموقف ربما لاتوجد أية جرأة عند أي رئيس تحرير فلسطيني، لنشر هذه الكلمات.

    ولكن سواء نشرت هذه الكلمات أم لم تنشر، فلا أمل ولا مستقبل إلا للتعايش بين الشعبينن مهما تأخر تحقيقه.. وعلينا أن نعي أن الإعداد للقتل والموت، أسهل بكثير من الإستعداد للسلام والحب... إن كلماتي هذه في وسط المجتمع الفلسطيني ليست أكثر حرجاً وقوة من كلمات الروائي الإسرائيلي، ورغم ذلك نشرت على نطاق واسع في صحافة إسرائيل، ووجدت من يتفهمها ويصفق لها...فهل لدينا في الصحافة والمجتمع الفلسطيني، هذا الهامش من حرية الرأي... سنرى.. وأظل أقول.. لا مستقبل إلا للتعايش بين الشعبين!.

 

جريدة المنار – رام الله

15 تموز 2002

إطبـــــــع  ارسل الصفحة الى صديق إحفظ الصفحة