على أبواب المؤتمر العام لإلغاء التجنيد الإجباري

الحوار ونبش التاريخ الوسيلة لإحقاق بني معروف

المؤتمر العام لإلغاء التجنيد الإجباري المقرر عقده في الرابع والعشرين من شهر نوفمبر الجاري, في يركا وجعله إختيارياً, خطوة أساسية لتوحيد القوى الرافضة للخدمة العسكرية الإجبارية لشباب الدروز, وهي خطوة ترفد كافة الجهود التي بذلت سابقا في السنوات الأربعين التي أعقبت سن القانون, هذه الجهود التي عادت للأضواء في الشهور الأخيرة, مركزة على واقع معاش يرقى إلى سنوات طويلة, هو واقع( بني معروف) وحياتهم, لو إستمر التعامل مع هذه القضية, بالأسلوب الحالي, أسلوب الحوار والتفاعل والإقناع ونبش التاريخ لإغناء ذاكرة الجيل الجديد الذي طاله بعض التضليل, لما إستفحلت المشكلة كما هي عليه الآن, ولما نجحت المؤسسة الصهيونية الحاكمة في سياسية التضليل والتحريف التي مارستها وسط بعض قطاعات إخوتنا بني معروف, وهذا يقود إلى الإقرار العلني الصريح بأن في المسألة مسؤولية فلسطينية وعربية إزاء هذا الواقع وهذه المشكلة, فليست السياسة الإسرائيلية المضللة التي استعملت أسلوب(الترغيب والترهيب), هي المسؤولة عن ذلك فقط, ولكن إهمالنا وعدم إعطائنا هذه القضية ما تستحق من الإهتمام والمتابعة منذ عام 1965, وبشكل متواصل, وليس موسميا حسب الظروف والإستحقاقات, أوصلها إلى هذا الحد المتفاقم, هذا دون أن ينسنا أن الجهود والإتصالات الحالية, التي شهدت العديد من الإجتماعات واللقاءات في الشهور الأخيرة, جاءت تراكما على أساس سبق البدء به منذ سنوات طويلة, أسهم فيه رجال معروفون, ودخل بعضهم السجن من جراء جهودهم تلك... وما يعطي الجهود الأخيرة زخما وتأثيرا في الشارع الدرزي, دخول شيوخ عقل الطائفة الدرزية في السجال الدائر, هذا الدخول الذي نجم عنه شهر آب/ أغسطس الماضي, عقد المؤتمر العام لمشايخ في خلوات البياضة, لدعم هذا التوجه الوطني.

دحض التضليل... وتفنيده

إن الإستمرار العقلاني بأسلوب الإعتماد على واقع التاريخ المعاصر القريب, من شأنه تفنيد الأسلوب الصهيوني الذي نجح في تضليل بعض قطاعات أبناء شعبنا من بنى معروف, في محاولة سلخهم عن شعبهم الفلسطيني العربية في داخل إسرائيل.

إن الإعتماد على واقع التاريخ مترافقا مع(التربية المنزلية) من شأنه – ولو بعد حين – أن يعيد الأمور إلى نصابها لأنه لا يحتاج إلى جهد كبير لفضح العلاقة القائمة حاليا التي أسهمت في نجاحها قيادات سياسية ودينية لمصالح شخصية, هذه العلاقة التي تدعي أو ترمي إلى خلق(قومية درزية) أو( شخصية درزية) أقرب إلى الكيان الإسرائيلي من إنتمائها الفلسطيني العربي.... إن فضح ذلك تاريخيا سهل للغاية, فلا يتصور أحدا أن(درزيا) يستعمل جزءا بسيطا من خلايا عقله, يصدق قربه أو انتمائه للكيان الإسرائيلي/ الصهيوني, الطارئ والمحتل لفلسطين بحدودها التاريخية المعروفة, فقط منذ نصف قرن تقريبا, في حين أن أصل الدروز كعرب مرتبط بهذا الأرض وهذا الوطن من مئات السنين, وإن بداية نشأة التسمية( الدروز), كانت كفرقة إسلامية إسماعيلية تؤمن بإقامة الحاكم بأمر الله الفاطمي الذي تولى الخلافة عام 386 هـ/ 996م, وعندما إستتب له الأمر, وبدأ دعاته بالتحرك الدعوي العلني, نتج عن ذلك عقيدة جديدة عرفت باسم( عقيدة التوحيد), وقد اشتهرت باسم( الدرزية) نسبة إلى أحد دعاتها(نشكتين الدرزي) الذي أُعدم في القاهرة عام 410 هـ/ 1019م.

من لهم هذه الأصول الدعوية والتاريخية, كيف يمكن أن تكون أية علاقة بالكيان الإسرائيلي الطارئ المحتل, وهذا الإحتلال عندما أقام كيانه عام 1948 في فلسطين, لم يستثن القرى الدرزية, خاصة قراهم في الجليل, فقد أُحتلت كل هذا القرى: دالية الكرمل, وعسفيا, وحرفيش, وبيت جن, ويانوح, وكفر سميع, والنبي شعيب, والرامة, وجولس, وسجور, وغيرها من القرى التي كان يقطنها أبناء شعبنا المروفيون.

ويثبت التاريخ القريب أن غالبية بني معروف في قرى الجليل الفلسطينية, هم إمتداد عائلي وعشائري لبنى جلدتهم في جبل لبنان وفي جنوب دمشق وهضبة الجولان المحتلة, وأن الغالبية العظمى, في الأساس جاءت من مصر, بعد المشاكل التي طرأت بين اتباع عقيدة التوحيد والظاهر علي إبن الحاكم بأمر الله في مصر, فهاجروا إلى بلاد الشام, حيث تقبل أمراء تنوخ في لبنان عقيدة التوحيد, فإنتشرت في المنطقة.

وفي التاريخ المعاصر الذي ما يزال جيل كبير ممن عاصروه وشاركوا في أحداثه, يتذكرون دور العرب الدروز في مقاومة الإستعمار الفرنسي في بلاد الشام, وقد إنطلقت من منطقتهم في جبل العرب عام 1925 الثورة السورية الكبرى التي قادها الزعيم المعروف الكبير سلطان الأطرش, وحتى اليوم يُزين مدخل مدينة السويداء, جنوب دمشق, نصب تاريخي ضخم له, وهو على صهوة جواده, كما كان يقود الثورة على الإستعمار الفرنسي عام 1925 وما تلاها..

وضمن هذا السياق التاريخي, يكفي لنا ولإخوتنا من بنى معروف, أن نتذكر ويتذكروا, لو أن لهم(خصوصية قومية) لانتبه لها مؤسسو دولة إسرائيل عام 1948, ولما إنتظروا حتى عام 1956, للبدء بسياسية بريطانيا المعروفة(فرّق تسد), فارضة التجنيد الإجباري على شباب بني معروف, وإعترافها بالدروز طائفة دينية مستقلة, ثم إقرار الكنيست قانون المحاكم الدرزية عام 1962, وما تبع ذلك من الحديث عن(قومية متميزة) و(شعب منفصل), والحديث عن(قرى عربية) و(قرى درزية), في حين أن الإهمال الإسرائيلي والتمييز العنصري بينهما وبين القرى اليهودية واضح, ولا يمكن أن يخفى على كل ذي بصيرة.

إن العودة إلى التاريخ القريب أيضا, من شأنها أن تدعم التحرك الحالي, فلم يستكن مطلقا إخوتنا المعروفيون منذ عام 1956 على قانون التجنيد الإجباري, فقد تشكلت فور فرضه (لجنة المبادرة الدرزية) وكان مركز تحركها إلغاء التجنيد الإجباري والتفرقة بين الدروز وباقي العرب في إسرائيل, إن بنى معروف جزء من شعبهم العربي, مهما فعلت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة, سواء من خلال (الترغيب) أو (الترهيب).

توضيح التاريخ والعقيدة

وينبغي أن نتناول بعض الجوانب في هذا السياق بوضوح وجرأة, لإن هذا من شأنه تسهيل الجنود في مجال دحض الدعاية الإسرائيلية التي تتحدث عن(قومية متميزة) أو(شعب منفصل) عن العرب, ومن هذه الجوانب وضُعت دراسات بالعربية والعبرية عن تاريخ الدروز ونشأة عقيدة التوحيد التي أشرت إلى ملامح منها.. لإن الإشاعة والجهل والغموض في الأوساط العربية, في إسرائيل والمحيط العربي, تغذي الدعاية الإسرائيلية وتسهل عملها, ففي كافة الأوساط العربية, لا يتم الحديث عن عقيدة التوحيد (الدرزية), إلا بأسلوب التكهن الغامض, فقليل جدا أو نادرا من العرب من يعرف حقائق إيمانية عن هذه العقيدة, وهذا الجو يغذي الإشاعات التي تخدم السياسة التفريقية الإسرائيلية... ففي الأوساط العربية من يتحدث عن الكتاب السري لعقيدة الدروز..... وإنه كتاب شفوي يمنع طبعه.. ومن يقول أنه مطبوع يعتقد أنه ممنوع على من هو دون الأربعين من العمر من الإطلاع عليه.. ناهيك عن وضع المرأة ودورها فيما يُسمى (الخلوات)... الخ هذه الأوضاع التي تتغذى منه الإشاعات, ومنها الإشاعة الإسرائيلية الصهيونية.

وهذا الوضع يفترض قيام بعض المتخصصين, وتحديداً من إخوتنا من بنى معروف, بوضع الدراسة والكتب الحديثة السهلة, لتوضيح التاريخ والعقيدة, فهذا من شأنه إعادة الأمور إلى واقعها التاريخي, وحسب إطلاعي, فليس هناك من الكتب الحديثة سهلة التناول, سوى كتاب سامي نسيب مكارم(أضواء على مسالك التوحيد- الدرزية) الذي صدر في بيروت عام 1966, ولا أظن أنه متوفر الآن في المكتبات, وضرورة هذه الكتب تنبع من أن القطاع الأكبر من المتعاملين سواء من الجيل الحالي, أو أجيال سابقة, لا يمكنه العودة إلى كتب التراث مثل( الفَرق بي الفِرق) لعبد القاهر البغدادي, و(الفصل بين الملل والنحل) لابن حزم الأندلسي, وغيرها لجمع شذرات من هنا ومن هناك ليؤلف فكرة عامة عن عقيدة التوحيد( الدرزية)....

دور رجال الدين.. الحاسم

إن التحركات الجديدة التي سوف تُتوج في الأيام القادمة بالمؤتمر العام لإلغاء التجنيد, ينبغي أن تحظى بدعمنا جميعا, خاصة في مجال وسائل الإعلام العربية, في إسرائيل وخارجها, ويقوم بدور كبير فيها موقف رجال الدين من مشايخ الدروز.

من هنا تكتسب تحركاتهم في لبنان( خلوات البياضة) دورا مهما, فما زال عامل الدين له حسم في مجتمعاتنا, وأرى في هذا المجال أهمية الإتصال برجال وشيوخ الدين الدروز في إسرائيل, خاصة بمن يقال عنهم أنهم من مؤيدي التجنيد الإجباري, لإن الدين واحد, والعقيدة واحدة, ومن شأن الحوار معهم من قبل نظرائهم في نفس العقيدة في لبنان, أن يوصلهم لقناعات مشتركة, فمن غير الطبيعي أن يكون بعض مشايخ الدروز في إسرائيل مع التجنيد الإجباري, وكل مشايخ الدروز في لبنان بدون إستثناء ضده.. والحاكم في ذلك هو النقاش والحوار بين المشايخ أنفسهم, حول تعاليم وأحكام عقيدة التوحيد من هذه المسألة...

إنهما مهمة صعبة, لكنها ليست مستحيلة, وأعتقد أنها من المسائل النضالية – التاريخية, التي تستحق هذا الإهتمام, وإعادة نبش التاريخ, لإعادة الأمور إلى نصابها التاريخي العربي, بعيدا عن التزوير الإسرائيلي, والدعاية الصهيونية الرامية إلى تفتيت الجبهة المواجهة للإحتلال والتفرقة العنصرية داخل دولة إسرائيل.

جريدة( الإتحاد),

حيفا, 9 نوفمبر 2001م.

إطبـــــــع  ارسل الصفحة الى صديق إحفظ الصفحة