على خلفية أحداث مدينة معان:

أياً كانت الأسباب:

الصِدامات مع قوى الأمن خدمة لمخططات شارون.

المعلومات المتوفرة حتى لحظة كتابة هذا التعليق, هي أن صِدامات وقعت بين المواطنين, وقوى الأمن الأردنية في مدينة معان, عقب تشييع جثمان طالب كان محجوزا لدى قوات الأمن, وقد صاحب هذه الصِدامات – كالعادة- أحداث شغب وتخريب.... في السياق الذي يهدف إليه هذا التعليق, لا تهم التفاصيل الكثيرة, ولا يهم مدى مطابقتها لواقع ما حدث, فالأحداث طالما تناقلتها وكالات الأنباء, وعدد من المراسلين المحليين لصحف ومحطات إذاعة وتلفزة عربية وأجنبية, فهذا يؤكد وقوعها.. لماذا لا تهم التفاصيل؟ وكذلك لا تهم الأسباب التي أدت إلى وقوعها؟

إن ذلك عائد لحساسية الموقف الأردني, ووقوعه على بعد أمتار من الضفة الغربية, حيث تصاعدت الأيام الأخيرة, وقائع القمع والتخريب والقتل الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني, إنطلاقا من ذلك تصبح نتائج ما حدث, وتداعياته في الجوار وفي الساحات العالمية, هو الأهم, وهنا يأتي دور العقل, الذي يفترض تحكيمه لدى القيادات المحلية – الجماهيرية... نعم أيا كانت الأسباب, ومهما كانت تجاوزات قوى الأمن, فإن الصِدامات معها, أيا كانت تطورات ذلك الصِدام, في خدمة مخططات شارون, وتخفيف لاحدود له, للإدانات العالمية لقتله ووحشيته التي ترتكب في صفوف الشعب الفلسطيني..

تصوروا التداعيات التالية في الإعلام الغربي, لهذه الأحداث, الواقعة صباح يوم الثلاثاء الموافق الثاني والعشرين من يناير/ كانون الثاني لعام 2002.. هكذا كان ورود الأخبار العالمية, في العديد من الإذاعات ومحطات التلفزة:

-        الجيش الإسرائيلي يقتحم مدينة نابلس, ويقتل أربعة من المقاومين أو المطلوبين الفلسطينيين.

-        قوات الأمن الأردنية تشتبك مع جماهير أردنية, وتستعمل الغازات المسيلة للدموع, وهناك أخبار عن جرحى ومصابين.. وسبب إندلاع الإشتباكات, وفاة طالب أردني كان محتجزا لدى قوات الأمن.

ماذا يعنى هذا في وجدان المواطن الأوروبي والأمريكي, الذي هو أساسا متعاطف في غالبيته مع إسرائيل؟

إن هذا يعنى لا شعوريا, ودون تفكير منه, أن المسألة لها علاقة بالأمن, فكما أن قوات الأمن الأردنية, تشتبك مع متظاهرين يهددون أمن الدولة, فكذلك هي أفعال الجيش الإسرائيلي, فهو يطارد مشاغبين وإرهابيين, يهدودن أمن دولة إسرائيل. وقد سمعتها فعلا من معلق سياسي نرويجي في أهم محطة تلفزيونية, إتصل بي قبل ساعات شامتاً.. نعم شامتاً.. ليقول لي بالحرف:

-        هل سمعت ماذا فعلت قوات الأمن الأردنية مع جماهيرنا؟... إذن توقفوا عن نقد أفعال الجيش الإسرائيلي!

إن موت أي مواطن, أو مجرد تعذيبه, لدى قوات الأمن مرفوض ومُدان... وفي الوقت ذاته, فإن ردود فعل غير قانونية على ذلك, أيضا مرفوضة ومُدانة.. في كل بلاد العالم المتحضرة, التي يحكمها القانون والمؤسسات, عند حدوث مثل هذه الواقعة, لا يرد عليها بالمظاهرات والشغب والتخريب. ولكن بإحالة الأمر للقضاء الذي يطلب تشريح الجثة, لمعرفة أسباب الوفاة, ومن ثم ملاحقة الفاعلين قضائياً وقانونياً....

ولكن ما يحدث في الساحة الأردنية, منذ سنوات, يسئ للشعب الأردني, قبل الإساءة إلى حكومته, لأن حجم وعدد المظاهرات والتجمعات المرخصة وغير المرخصة, في العديد من المناسبات, جعل أحد المعلقين الأوروبيين, يقول نكتته المشهورة: (الشعب الأردني شعب مهنته التظاهر).

ليس هناك أسمى من الإنتفاضة الفلسطينية وأحق منها بالدعم والمؤازرة, ولكن القيادات النقابية الأردنية, إحترفت(المظاهرات), وحرق أعلام إسرائيل وأمريكا, وكأن المظاهرات طول الأعوام الماضية, قدمت أي دعم للإنتفاضة الفلسطينية... نأمل أن يكون هذا, وعلى القيادات النقابية عندئذ توضيحه لنا, فربما تكون عقولنا قاصرة على الإحاطة بذلك... مظاهرات... مظاهرات... مسيرات.. تجمعات.. ينتج عنها غياب الموظفين عن أعمالهم.. وتعطيل لحركة المواطنين في الوصول لأماكن سكنهم وعملهم..و أحيانا إشتباكات مع قوى الأمن.. ما هي الفائدة التي قُدمت للإنتفاضة الفلسطينية من جراء ذلك؟! أما كان الأجدى هو إستمرار المواطنين في أعمالهم, وتقديم راتب يوم أو ساعة عمل, دعما لإخوانهم في فلسطين؟!... ويستطيعون أثناء عملهم, التوقف عن العمل خمس دقائق تضامنا, كما يحدث في أغلب بلدان العالم, التي تحترم القانون وحكم المؤسسات.

وعودة لأحداث معان, وكل ما يشابهها سابقا, ولاحقا, فإنها لن تخدم سوى مخططات شارون في تصفية الإنتفاضة الفلسطينية, لإنه حتما – وأجهزة دعايته- سوف يستعملها للمقارنة, كما أوضحت سابقاً.. هذا بالإضافة أن أي إخلال بالأمن, وأي شغب في صفوف الشارع الأردني, وضمن الظروف الإسرائيلية, حيث بعض قوى اليمين ما زالت تصر على حل القضية الفلسطينية على حساب غيرها, لن يخدم المصلحة الأردنية حالياً ومستقبلاً...

وأنا متأكد أن الفرحين المسرورين الوحيدين, لأحداث معان وما صاحبها, ومهما كانت أسبابها, فهم اليمين الإسرائيلي بقيادة شارون... لذلك فإن حساسية الوضع في الأردن, تتطلب تحكيم العقل, وسيادة القانون, وليس التظاهر والشغب.. وأن الأوان أن نعمل, خاصة القيادات النقابية والسياسية في المعارضة, وأن نقول للعالم كله: أن الشعب الأردني, شعب منتج, كغيره من الشعوب, ويحترم القانون, وليس شعبا مهنته المظاهرات فقط.. وهذا يحتاج إلى تطبيقات ميدانية, وليس بيانات كلامية!...

جريدة( الإتحاد),

 حيفا, 25 يناير 2002م

إطبـــــــع  ارسل الصفحة الى صديق إحفظ الصفحة