![]() |
فلنحتكم إلى العقل ثم نبدأ السير على الطريق
الصحيح
خطة غزة – بيت لحم أولا... لماذا الرفض؟؟
لماذا القبول؟؟
أعتقد أن خطة غزة – بيت لحم التي قبلت بها السلطة الوطنية الفلسطينية بشكل
رسمي, وقد دخلت جزئيا حيز التنفيذ, عندما إنسحبت القوات الإسرائيلية, ولو شكليا – من
مدينة بيت لحم, وأقول شكليا, لأنها أبقت حصارها حول المدينة وفي مداخلها الرئيسية,
هذه الخطة ضمن سياقها العجيب الغريب, من الخطط القليلة التي يستطيع الرافضون لها,
والقابلون بها, أن يسوقوا الحجج المنطقية والدامغة المؤيدة لرفضهم ولقبولهم في آن
واحد.
وهذه ليست أحجية, بدليل أنني سوف أقدم حجج وأدلة الطرفين, وترجيح واحدة على
أخرى يعود لمجموع أو غالبية الشعب الفلسطيني, آخذاً بعين الإعتبار البيان الصادر
عن حركتي حماس والجهاد وكتائب شهداء الأقصى والجبهتين الشعبية والديمقراطية,
البيان الرافض لهذه الخطة, مقابل لموقف السلطة الوطنية الفلسطينية المؤيد للخطة,
هذا التأييد الذي أخذ شكلا عمليا ظهر يوم الثلاثاء العشرين من آب/ أغسطس الحالي.
بدخول أعداد من الشرطة الفلسطينية مدينة بيت لحم, للبدء بمسئوليتها الأمنية, وعلى
رأسها عدم إنطلاق أي مسلح فلسطيني منها, لتنفيذ عملية عسكرية ضد أي هدف إسرائيلي.
العمليات الإستشهادية حققت (توازن الرعب) بين الجانبين الفلسطيني
والإسرائيلي.. ولكن توازن الرعب مختلف عن(توازن القوى) الذي هو راجح للطرف
الإسرائيلي.
الرفض يستند أساسا للتجربة الفلسطينية المُرة مع الجانب الإسرائيلي, عبر
مماطلاته المعروفة ميدانيا, فهو لم يلتزم أبدا بأية إتفاقيات, فأساسا إتفاقية
أوسلو, التي بدأت بشائرها بشعار مشابه, هو أريحا أولا.... لو طبق الجانب
الإسرائيلي إلتزاماته كاملة, لكان الإنسحاب الإحتلالي من كافة مناطق غزة والضفة,
قد إنتهى قبل عامين, وإعلان الدولة الفلسطينية المستقلة قبل عام... ولكن بدلا من
ذلك يعاد إحتلال غالبية القطاع والضفة, مصاحبا بأكبر عمليات عسكرية إجرامية, كلها
قتل وإغتيال وتدمير... فحسب هذه التجربة التي لا يمكن نسيانها مع الجانب
الإسرائيلي, هل يمكن الإطمئنان ولو بنسبة واحد بالمائة, إلى إنه سيفي بإلتزاماته
الواردة في خطة(بيت لحم وغزة) أولا؟.... الجواب حتما لا.... لا... وبالتالي فإن
الرافضين لهذه الخطة, منطقهم قوي ومقنع, ومن الصعب دحضه, لإنه يستند إلى تجربة
ميدانية, عاشتها السلطة الوطنية الفلسطينية, والقوى المعارضة لها... إزاء ذلك: هل
يبقى منطق وحجج لأصحاب موقف القبول بالخطة؟
نعم.. توجد حجج أيضا مقنعة وربما محرجة للطرف الرافض لها... هذه الحجج تكمن
في الإجابة على السؤال التالي, كيف كان الوضع القائم فعلا في مناطق السلطة الوطنية
الفلسطينية قبل يناير من عام 2000؟ صحيح أن الجانب الإسرائيلي, لم يف بإلتزاماته,
وكانت المماطلة هي سيدة الموقف آنذاك, ولكن لا يختلف إثنان على عدة أمور كانت
سائدة ومعيشة:
· لم يكن هناك إحتلال للمدن التي أصبحت خاضعة للسلطة الوطنية (أ), ولاإحتلال
علني مباشر للمناطق الخاضعة لإسرائيل أمنيا فقط, المعروفة بإسم مناطق(ب).
· لم يكن آنذاك أي نوع من أنواع الإعتقالات الحالية التي ينفذها الجيش
الإسرائيلي, منذ سنتين, وشملت حتى الآن الآلاف من أبناء شعبنا.
· لم يكن آنذاك أي نوع من أنواع حرب الإغتيالات التي طالت في السنتين
الماضيتين عشرات من كافة التنظيمات والفصائل.
لم يكن آنذاك سائدا عمليات التخريب والتجريف للأراضي الزراعية, والتدمير
للمنازل وكافة منشآت البنية التحتية, التي أعادت القطاع والضفة عشرات السنين إلى
الوراء, وتقدر هذه الخسائر بالمليارات حتى الآن.
والسؤال المنطقي والوطني هو: ما الذي أدى هذه النتائج والممارسات الكارثية؟
الجواب الذي – ربما- لا يختلف عليه اثنان:
لقد بدأت هذه الممارسات الكارثية التي أدت إلى كل النتائج التدميرية
المذكورة, تماما في بداية الشهر الرابع للإنتفاضة الحالية, أي في فبراير من عام
2001 تقريبا, وذلك عقب البدء بعسكرة الإنتفاضة, أي بإستعمال السلاح والمتفجرات, أو
ما عُرف باسم العمليات الإنتحارية عند البعض, والعمليات الإستشهادية عند البعض
الآخر...
وأعتقد أن الذين بدأوا هذه العمليات, بدأوها بشكل عشوائي, أو من منطلقات
عاطفية, دون دراسة مسألتين:
· قوتهم العسكرية.
· قوة الجيش الإسرائيلي العسكرية.
وكما قلت سابقا, في مرات عديدة, فإن هذه العمليات, حققت (توازن الرعب) بين
الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي, فقد أثبت كل طرف للآخر, انه قادر على بث الرعب
والخوف والحزن والفزع في نفسه, ولكن(توازن الرعب), مختلف عن(توازن القوى) الذي هو
راجح للطرف الإسرائيلي, بمئات المرات, كما أن خطورة (عسكرة) الإنتفاضة, بأسلحة
بدائية غير فاعلية من الطرف الفلسطيني, جعلتنا في مواجهة الجيش الإسرائيلي, بكل
معداته وطائراته وصواريخه, قوتان عسكريتان يتواجهان في ساحة معركة عسكرية مفتوحة,
من حق كل طرف أن يستعمل كل ما في ترسانته العسكرية, وترسانة الجانب الفلسطيني, خاوية
إلا من مسدسات وبنادق قديمة, ومتفجرات بدائية, رأينا نتائجها في أن العديد من
العمليات الانتحارية, كان القتلى فيها هم المنفذون فقط, وبعض الجرحى الإسرئيلين,
وهذا الواقع جعلنا نفقد العديد من أوجه الدعم والتفهم التالي لنضالنا الوطني
المشروع, فلم يعد أحد في العالم يرى ويقول: مساكين هؤلاء الفلسطينيين, يستعملون
بنادق قديمة, فيرد عليه الإسرائيليون بالصواريخ وطائرات الأباتشي وأل ف 16, وقنابل
زنتها طن واحد, أي 1000 كيلو للقنبلة الواحدة.. لا .. أصبحنا في عرف العالم كله
قوتان عسكريتان يتواجهان في ساحة عسكرية مفتوحة, دون التدقيق في قدرة كل طرف...
وهذا سبب النتائج الكارثية التي جنيناها حتى الآن, والباب الكارثي مفتوح على
مصراعيه...
ويستطيع الطرف القابل بخطة (غزة – بيت لحم أولا), أن يحصل على موقف داعم
بشكل حاسم لموافقته وقبوله, من مواقف حركة (حماس) ذاتها, الرافضة للخطة مع غيرها
من المنظمات, وأكاد أن أقول, أن بعض مواقف حركة(حماس) تشكل إدانة صريحة لسياسة هذه
الحركة.... ولنعرض هذا الأمر بموضوعية, دون إنفعالات, أدت بنا إلى تلك النتائج
الكارثية, لقد أدلى الشيخ احمد ياسين, يوم الأثنين الموافق الثاني والعشرين من
يوليو/ تموز لعام 2002, بتصريح لقناة(الجزيرة), موثق بالصوت والصورة, أذاعته
القناة المذكورة, ذلك اليوم عدة مرات, قال فيه: (أن حركة حماس مستعدة لوقف
عملياتها العسكرية ضد إسرائيل, إن هي سحبت جيشها من مدن الضفة الغربية, وأفرجت عن
آلاف المعتقلين الفلسطينيين, وأوقفتت عمليات الإغتيالات).
إن هذه المطالب الثلاثة الواردة في تصريح الشيخ أحمد ياسين, وكما أوضحت
سابقا, كان سائدة تماما على الأرض قبل عسكرة الإنتفاضة في بداية فبراير من عام
2000, فحتى هذا التاريخ:
· لم يكن هناك إحتلال للمدن الفلسطينية, التي سبق أن إنسحب منها.
·
لم يكن هناك تدمير
وتجريف للأراضي والبنية التحتية.
·
لم يكن هناك عمليات
إغتيال...
وبالإضافة لذلك, كان هناك حوالي مائة وخمسين ألف عامل فلسطيني من الضفة
والقطاع, يعملون في داخل إسرائيل, ومنهم نسبة واضحة في قطاع البناء, وفي
المستوطنات نفسها... ما دام الشيخ احمد ياسين الآن, يطالب بعودة الأمور والواقع
إلى ما كان عليه قبل عامين تقريبا, فلماذا بدأت حركته(عسكرة) الإنتفاضة, لنجني كل
هذه الخسائر في الأراضي والمباني والأرواح؟
إنه سؤال منطقي ووطني, تواجه به حركة حماس تحديدا وباقي المنظمات التي
أسهمت في (عسكرة) الإنتفاضة, بماذا ستجيب الحركة على هذا السؤال...لا أدري؟ لكنها
مسؤولية وطنية تواجهها, أُعيد صياغتها بشكل آخر, كي تكون واضحة لا مجال للبس
والغموض فيها: ما دامت حركة حماس تطالب بعودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل عامين
تقريبا, فلماذا بدأت بعسكرة الانتفاضة؟, ومن هو المسؤول عن الخسائر الجسيمة –
الكارثية التي لحقت بالمجتمع الفلسطيني؟!... إن موقف حركة حماس هذا, لا يدل إلا
على أمر واحد, وهو عدم دراسة قراراتها وتوجهاتها بعقل المنطق, قبل البدء بها, وهي
قرارات مرتجلة/ عاطفية, وإلا ما كانت الحركة, تقرر البدء بعمليات عسكرية, تجلب كل
هذه الكوارث والمصائب على الشعب الفلسطيني, ثم تطالب بعودة الأمور إلى ما كانت
عليه قبل حدوث هذه الكوارث؟!....
بالإضافة إلى ما سبق من إدانة صريحة واضحة, لمواقف حركة حماس, فقد أثبتت
أحداث وتطورات العامين الماضيين, رغم كل الخسائر التي لحقت بالمجتمع الإسرائيلي,
أن كافة التنظيمات التي بدأت بعسكرة الانتفاضة, غير قادرة – نتيجة إحتلال موازين
القوى على حماية الشعب الفلسطيني, ووقف الهجمة العسكرية الإسرائيلية.. لذلك, فإن
التنظيمات التي:
· تطالب بعودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل عامين.
· وغير قادرة على حماية الشعب الفلسطيني, ووقف الهجمة العسكرية الإسرائيلية,
ليست من حقها رفض خطة(بيت لحم – غزة أولا) رغم تعاستها, وعدم تلبيتها لأية نسبة من
تطلعات الشعب الفلسطيني.... إلا إنها إذا:
· بدأت بانسحاب الجيش الإسرائيلي من القرى والمدن الفلسطينية.
· وأوقفت سياسة التدمير وعمليات الإغتيال....
فإنها
أفضل من الواقع السائد, الذي نقرأه في صراخ النساء والرجال والأطفال, ودموعهم أمام
عدسات المحطات الأرضية والفضائية.... إن الموافقة من قبل السلطة الوطنية
الفلسطينية على هذه الخطة رغم تعاستها وبؤسها, ليس إنهزاماً ولا خيانة, إنه قراءة
منطقية للواقع وموازين القوى... وهذا ما فعلت بعض الشعوب الدول أكثر منه, فنتيجة
موازين القوى السائدة, وقف إمبراطور اليابان في نهاية الحرب العالمية الثانية,
ليعلن بجرأة إستسلام اليابان, فوافقه الشعب والجيش الياباني, وأنظروا كيف صارت
وأصبحت اليابان اليوم, خلال أربعين عاما فقط...
من حق حركة حماس وغيرها من التنظيمات, رفض هذه الخطة, ولكن من حق الشعب
الفلسطيني عليهم, أن يكونوا قادرين على:
·
وقف سياسة التدمير
الإسرائيلية.
·
وقف عمليات الإغتيال.
·
وقف التزايد اليومي
لأعداد المعتقلين الذي قاربوا على عشرة آلاف...
وإن كانوا غير قادرين على ذلك, وهم غير قادرين فعلا, فليس من حقهم الرفض,
وجر المزيد من النتائج الكارثية السابقة على الشعب الفلسطيني.....
إنها وجهة نظر... ومن مسؤولياتنا جميعا, تنمية آفاق حوار المنطق والعقل,
فإن حوار العواطف... العواطف القائلة أن الإستشهاد حق للفلسطيني, وليكن بعد ذلك ما
يكن... وعواطف التهديد بصواريخ قسام أو قسام 2 ومصباح 3.. الضعيفة... لن يجلب على
شعبنا إلا المزيد من الكوارث... فلنحتكم إلى العقل, وعندئذ نبدأ السير على الطريق
الصحيح....
من حق حماس وغيرها من التنظيمات رفض هذه الخطة ولكن من حق الشعب الفلسطيني
عليهم أن يكونوا قادرين على وقف سياسة التدمير والإغتيال والإعتقال!!!
ما دامت حركة حماس تطالب بعودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل عامين...
فلماذا بدأت(عسكرة) الإنتفاضة... لنجني كل هذه الخسائر؟!
جريدة (المنار),
رام الله, 26 آب 2002م.