في الرواية الفلسطينية

لماذا نبش الذاكرة الفلسطينية الآن؟!

دراسة في روايات:

- بحيرة وراء الريح                               - يحي يخلف

- طفل الممحاة                                     - إبراهيم نصر الله

- أجفان عطا                                      - حنان بكير

 

أحمد أبو مطر

أوسلو

    "إلى أستاذنا العلامة الدكتور/ إحسان عباس!"

    تساءلت في أكثر من دراسة في السنوات الماضية، عن السبب في فقدان الأدب الروائي الفلسطيني، للعمل الروائي الذي يكتب روائياً ما جرى للشعب الفلسطيني عام 1948، أي رواية حرب عام 1948 ونكبتها. كيف جرى ما حدث؟ ولماذا حدث ذلك؟ كيف كنا مع محيطنا العربي آنذاك، لأن الجواب على ذلك ربما يفسر ما حدث؟ كُتبت العديد من كتب التاريخ حول ذلك، ونُشرت مذكرات كثير من القادة الذين شاركوا في تلك الحرب، ربما كان أشهرها مذكرات الضابط الاردني عبدالله التال. أما روائياً – في حدود علمي – فلم تُكتب النكبة وحربها، وما صاحب ذلك. كيف كانت الأرض والإنسان؟ رصد حركة الشخصية الإنسانية وسط الأهوال التي سمعنا وقرأنا عنها في كتب التاريخ والسياسة . لماذا غاب كل ذلك عن الرواية الفلسطينية حوالي نصف قرن. لقد فكرت طويلاً في هذه المسألة منذ سنوات، وتحديداً بعد قراءتي رواية (الحرية أو الموت) للكاتب اليوناني نيكوس كازانتزاكيس (1883-1957) التي يروى وقائع مقاومة أهالي جزيرة كريت اليونانية للغزو والإحتلال العثماني. وربما مدفوعاً بالنظرية القائلة أن إسم (فلسطين) أُطلق عليها نسبة لتلك الشعوب البحرية التي جاءت اليها أوائل القرن الحادي عشر قبل الميلاد، من البحر الإيجي، وربما تحديداً من جزيرة كريت، وكان إسمها قبائل PLST، كنت أعيد قراءة فصول الرواية، مبدلاً أسماء الشخصيات والأماكن اليونانية، بأسماء شخوص وأماكن فلسطينية، متخيلاً أنها رواية لروائي فلسطيني عن وقائع المقاومة والحرب التي أدت إلى نكبة عام 1948، ومقدماتها في ميادين الحياة المختلفة.

    يعثر متابع الرواية الفلسطينية على العديد من اللقطات والحوادث والوقائع مبثوثة في العديد من الروايات الفلسطينية، ومنها رواية (أيام الحب والموت) لرشاد أبو شاور (1973). ولكن أن تكتب رواية فلسطينية بكاملها، وبتخطيط مسبق، لتكون رواية حرب النكبة وما سبقها، فكان على النقد الفلسطيني أن ينتظر حتى عام 1991، لحين صدور الطبعة الأولى من رواية (بحيرة وراء الريح) – 1991- ليحي يخلف، وأعتقد أن هذه الرواية لم تُعرف على نطاق واسع، وتحديداً في الحياة الثقافية الفلسطينية، إلا بعد صدور طبعتها الثانية في (نابلس) عام 1995. ولإنها – في حدود إطلاعي- رواية النكبة وحربها الأولى، أستطيع التكهن أنها ستفتح الباب على أفق جديد أمام الرواية الفلسطينية، لذلك أجدني متفقاً مع كلمة صبحي شحروري على الغلاف الأخير للرواية، عندما يقول: "بالنسبة لكثيرين، فتحت الباب على طراوة أُولى، وإنكسار أول لا يعرفون عنه كثيراً .... كنت رجل البدايات".

    لقد كُتبت إذن رواية النكبة وحربها، ثم تلتها روايات أخرى سيرد ذكرها في هذه الدراسة، لكن السؤال يظل قائماً: لماذا تأخرت هذه الرواية، رواية النكبة وحربها، كل هذه العقود من الزمن؟ إنه سؤال عن حالة معرفة، ثقافية، لذلك فإن إجابتي عنه ستكون تخمينية، تحتمل الخطأ والصواب، لكنها معتمدة على رصد الموضوع السائد في الرواية الفلسطينية في كل مرحلة من مراحلها، وربما هذا الرصد يعطينا إجابة تقريبية/ محتملة على هذا السؤال.

    كان الوضع في فلسطين قبل مايو/آيار 1948 بشهور قليلة ينذر بخطر كبير، فالإستعدادات بين الطرفين, الفلسطينيون واليهود، تجري ليل نهار، وفجأ إنفجر الوضع بعد قرار قوات الانتداب البريطاني الإنسحاب، مبتدئا حرباً غير متكافئة، حرب الدفاع عن الوطن القومي التاريخي عند الفلسطينيين، وحرب الإستقلال لإقامة الوطن القومي المزعوم عند اليهود. ولإن الحرب كرّ وفرّ كما يعرفها الجميع, لم يكن أحد من الفلسطينيينن إنساناً عادياً أو عسكرياً يتخيل أن اليهود سيحسمون نتيجة الحرب لصالحهم خلال أيام قليلة، وبنتائج كارثية كالتي عاشها الفلسطينيون على الأرض: تدمير عشرات القرى وتشريد أهلها، بتجميع مئات من سكانها وقتلهم، وتشريد جماعي لمئات الألوف منهم خارج الحدود إلى الدول المجاورة، خاصة الأردن وسورية ولبنان وقطاع غزة الذي ظل تحت سيطرة القوات المصرية، وفجأة يعلن عن قيام دولة إسرائيل في الرابع عشر من مايو/آيار 1948، مما عنى على الأرض إنتهاء أو موت وطن أو دولة إسمها (فلسطين)، الغالبية العظمى من سكانها التاريخيين، حوالي مليون نسمة آنذاك، أصبحوا في عرف المجتمع الدولي (لاجئين)، تسعى اليهم منظمات الإغاثة الدولية، من أجل توصيل ما يسدّ الرمق من الماء والطعام، وما يستر من الملابس الرثّة المستعملة، كان المشهد كارثة بكل المقاييس، لذلك أطلق عليه قسطنطين زريق إسم (النكبة)، سيطرت هذه النكبة وما رافقها من مستجدات اللجوء والتشرد العربي والجوع والمرض على مشاعر الناس وحياتهم، لذلك ففي السنوات الأولى للنكبة، إنشغل الإبداع الفلسطيني، نثراً وشعراً، بهذه المستجدات الكارثية/النكبوية، وما كان ممكناً العودة للوراء قليلاً لدراسة أو كتابة أو التعبير عن النكبة وحربها وما سبق أو مهد لذلك. لقد سيطرت نتائج تلك الحرب ونكبتها على الإبداع  وحتى بداية الستينات، حين إندلاع المقاومة الفلسطينية المسلحة التي بشر الإبداع بها، كرد على النكبة ومسانداتها، لذلك غابت النكبة وحربها عن ساحة الإبداع الفلسطيني، في حين إنكب دارسو التاريخ والسياسة للكتابة عنها وتسجيل مذكراتهم عن وقائعها.

 

وكذلك في مرحلة المقاومة:

    وما إن إستوعب أو سيطر المبدع الفلسطيني على مرحلة اللجوء والتشرد وما صاحبها حتى بدأ التبشير بالمقاومة، فهي وحدها القادرة على إنهاء حالة اللجوء والتشرد، عودة لوطن وأرض وإنسان ما قبل النكبة. وعندما بدأت حركة المقاومة المسلحة فعلياً عام 1965، وتصاعدت بشكل واضح بعد هزيمة عام 1967، سيطرت هذه المقاومة، هذا الفدائي، هذا الشهيد ، تلك البندقية، على أغلب حركة الإبداع الفلسيطني، فهي الأمل لملايين الآجئين، ومثلهم تحت الإحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية وقطاع غزة، فما كان ممكناً ولا طبيعياً الخروج من فعالية وتأثير وسطوة المقاومة المسلحة، التي سيطرت على كافة أوجه حياة المجتمع الفلسطينية في كافة أماكن وجوده، والإرتداد للوراء زمنياً للكتابة عن النكبة وحربها وما سبقها، فالأجدر هو الإلتحام بحركة المقاومة للرد على تلك النكبة، لذلك غابت النكبة وما صاحبها من الإبداع الفلسطيني في مرحلة المقاومة أيضاً.

 

وكذلك في مرحلة الإنتفاضة:

    ولأن موازين القوة العسكرية كانت في غير صالح حركة المقاومة، وما إن بدا أن المقاومة وصلت إلى طريق مسدود في صراعها مع الإحتلال الإسرائيلين, حتى إندلعت الإنتفاضة الفلسطينية في كانون الثاني/ديسمبر 1987، لتصبح الشغل الشاغل والهم الأساسي للمجتمعين الفلسطيني والإسرائيلي، مسيطرة على كافة أوجه الحياة في فلسطين/الوطن المحتل وفلسطين المنفى، كل المنافي، وأصبحت مفردات الأنتفاضة: الحجارة، أطفال الحجارة، تكسير العظام، الغاز المسيل للدموع، تشكل نمنمات جديدة في الوجدان الفلسطيني وإبداعهن لذلك غابت النكبة وحربها عن الإبداع الفلسطيني في مرحلة الإنتفاضة أيضاً.

    وربما يؤيد تصوري هذا حول غياب النكبة ومقدماتها وحربها، عن الإبداع الفلسطيني في تلك المراحل، ما كتبه إلياس خوري إجابة على سؤال مشابه: (لماذا لم يكتب الفلسطينيون حكاياتهم كما جرت، وكما عاشوها؟ لماذا لم تكتب النكبة أدباً حسياً وملموساً؟" ويجيب على ذلك بقوله: "في الثقافة الفلسطينية سيطرت إيدلوجية اللاجئين، أي فكرة المؤقت، حتى ولو كان هذا المؤقت متحركاً ومقاتلاً، لكنه مؤقت وفي المؤقت لامكان للذاكرة إلا بوصفها لحظة مؤقتة... إيدولوجية اللاجئين لم تسمح للأدب بأن يذهب إلى أعماق الكارثة العينية المجسدة".

    نعم.. هكذا.. ولذلك غابت النكبة ومقدماته وحربها عن الإبداع الفلسطيني طوال المراحل الثلاث التي ذكرتها. والسؤال اللاحق هو: ماذا طرأ.. ماذا إستجد بعد عام 1990، كي يعود المبدع الفلسطيني إلى النكبة وحربها؟!

    إذا صحّت رؤيتي السابقة حول إنشغال المبدع الفلسطيني، بطوارئ ومستجدات المراحل السابقة، قد حال دون عودته لجذور المشكلة، أي النكبة، فما الذي إستجد بعد عام 1990، كي يتخلص من أحزان والتزامات المراحل المذكورة، ويعود فجأة إلى زمن وحدثٍ مضى عليه قرابة أربعين عاماً، وما الفائدة من العودة إلى الماضي لفتح جراح النكبة وهمومها، وقد حدث ما حدث، وتشرد من تشرد، وفُقد من فُقد، وأستشهد من أستشهد، وعاد من هو مسموح له بالعودة فقط... ماذا يفيد كتابة هذا الماضي إبداعياً، وقد كتبه تكراراً كتاب التاريخ والسياسة فلسطينيون وعرب، أفراد وأحزاب ومنظمات... نعم ما الذي إستجد ليفتح يحي يخلف ملفات ووقائع النكبة عام 1991 في (بحيرة وراء الريح)، وبعده إلياس خوري في (باب الشمس)، بأسلوب مختلف وتقنية مغايرة، ثم تتوالى (طيور الحذر) – 1996-(4) و (طفل الممحاة) – 2000- لإبراهيم نصر الله(5) و (أجفان عكا) – 2000 – لحنان بكير(6) وغيرها.

 

إذن.. ماذا حدث.. ماذا إستجد؟!

    يبدو أنه لامفر من اللجوء إلى وسائل وأسباب خارجة عن آليات العملية الإبداعية، لأنه ربما حدث تحول في مجرى تفكير الفلسطيني، جعله يفتح عينيه على ما أغمضها عنه طوال أربعين عاماً. أتذكر عندما هاجرنا في عام 1948، ترك الأهل الغالبية العظمى من حاجياتهم وممتلكاتهم في بيوتهم، سواء بيوت الشعر أو بيوت الطين، حيث كنا نسكن مدينة بئر السبع، لإنه كانوا يعتقدون أن هذا التهجير مؤقت، وقد أكد لهم العسكريون، فلسطينيون وعرب، من جيش الإنقاذ والجيوش العربية، أن خروجهم عدة أسابيع من شأنه أن يسهل حركة هذه الجيوش في قتالها ضد العصابات الصهيونية، وحللنا في مخيمات اللاجئين التي أقامتها وكالة الغوث الدولية في أنحاء مختلفة في قطاع غزة الذي ظل تحت السيطرة العسكرية المصرية. قيل لنا أن بقاءنا سيكون فقط (سبعة) .. في البداية سبعة أيام، ثم قيل لنا سبعة أسابيع، ثم أصبحت سبعة شهور، وفي غمضة عين صارت سبع سنوات، أتذكر أنه خلال السنوات الثلاث الأولى منها، أن الأهل كانوا يعودون إلى مضارب العشيرة في بير السبع، كلما إحتاجوا بعض الحاجيات مما تركوه وراءهم قبل التهجير، ويعودون محملين بكل ما يريدون، مؤكدين أن كل شيء على ما تركوه عليه، وهذا ما عزز قناعاتنا بأننا (عائدون) فعلاً, خاصة بعد ان منّ علينا جمال عبد الناصر بتسمية (عائدين) بدلاً من (لاجئين).

    إشتدت في عام 1955 والشهور الأولى من عام 1956، حركة ومقاومة الفدائيين إنطلاقاً من قطاع غزة، التي أشرف عليها الضابط المصري مصطفى حافظ، في آيار من ذلك العام، مرت سبعة سنوات على التهجير، وصار المخيم ووكالة الغوث الجزء الأهم في حياتنا، فبدونها لا تملك أغلبية (العائدين) الطعام والمأوى والملبس، في يوم من آيار ذلك العام، كانت جدتي، تجلس في ركنها من الخيمة، وقد بلغت الخامسة والثامنين من عمرها، وقد بلغ بها العمر حد الخرف. نادتني ذلك اليوم، وسألت: (يا ولد.. مرت سبع سنوات). أجبتها: (نعم). سألت: (أين نحن في مخيم اللاجئين أم في بيت الشعر في بير السبع؟).

أجبتها: (في مخيم اللاجئين). صرخت عندئذ قائلة: ( فال الله ولا فالكو... يعني سبعة عقود). إذن كان اليأس قد بدأ يتسلل إلى قلوب العائدين وعقولهم. إندحر اليأس مؤقتا مع هجمات فدائيي قطاع غزة ضد الإحتلال الإسرائيلي عاد اليأس بكامل ثقلة أثناء العدوان الثلاثي عام 1956، وإحتلال إسرائيل لقطاع غزة لعدة شهور، ثم إنسحابها بسبب فروقات وضغوطات موازين القوي الدولية، ومرة ثانية، أنعم جمال عبدالناصر على (العائدين)، فأطلق على يوم إنسحاب الجيش الاسرائيلي ، يوم السابع من آذار/ مارس 1957، تسمية (عبدالناصر). ورغم إحتفال كل عام بعيد النصر هذا في قطاع غزة، إلا أن اليأس عاد يرزح فوق قلوب الناس، ليندحر من جديد مع إنطلاق المقاومة الفلسطينية المسلحة، في مطلع عام 1965، ورغم هزيمة حزيران، إلا أن معركة الكرامة عام 1968، أشعلت الأمل مجدداً مع إستمرار العمل الملسح ضد الإحتلال الذي أصبح يحتل كامل الوطن التاريخي الفلسطيني، وأجزاء من أراضي عربية أخرى وعاد اليأس بعد حصار بيروت عام 1982، وما نتج عنه من تشتت العسكر والمدنيين الفلسطينيين، في بقاع الوطن العربي المختلفة... ثم تندلع الإنتفاضة الفلسطينية في نهاية عام 1987، لنتنفس من جديد، متأملاً أن (تقاوم اليد المخرز) ، وفعلاً إستطاع الحجر الفلسطيني أن يكسر هيبة الإحتلال، وفجأة بعد عام 1990، بدأ الحديث عن مدريد وجنيف وأوسلو...

    لا يحتاج الأمر إلى ذكاء كبير لإستكشاف آفاق مستقبل اللجوء والتشرد، فالبرنامج السياسي الفلسطيني منذ عام 1988، يعترف رسمياً وعلنا بوجود دولة (إسرائيل) في حدود عام 1967، وهذا يعني أن لاجئي عام 1948، سيظلوا حتى نهاية العمر لاجئين. وجاءت حلول وإتفاقيات عام 1993 وما بعده، لتؤكد صراحة أن موازين القوي السائدة، لن تعطينا مهما حاولنا وصمدنا كل ما كان معنا ومع العرب عام 1967، وقد عنى هذا للجميع،ـ وأولهم المبدعون الفلسطينيون، أن حالة اللجوء للغالبية العظمى من الشعب الفلسطينين أصبحت دائمة، ولن يحدث عكس ذلك حتى بعد سبعة عقود حسب نبوءة وتخريف جدتي!

    هنا لحظة فاصلة. لحظة نوعية. تماماً كما يقول المثل الشعبي (راحت السكرة، وجاءت الفكرة). راحت.. ذهبت بلا رجعة سكرة الحلم بالعودة والتحرير، وجاءت الفكرة القاطعة كحد السيف: أن هناك عودة للقليل من اللاجئين، وبعض هذا القليل رغم عودته إلى أجزاء من قطاع غزة والضفة الغربية، سيظل لاجئاً، فمدن القطاع والضفة، ليست سمخ وسخنين ولا طبرية وبحيرتها و... و... هنا في هذه اللحظة القاطعة، من الطبيعي العودة إلى المكان الذي ضاع، وإلى أسباب وظروف ضياعه، أي إلى نكبة عام 1948، مقدماتها وحربها.

 

أندلس جديدة:

    هل في كتابة النكبة الآن روائياً كما إفتتحها يحيى يخلف – في حدود علمي – وما سيكتب مستقبلاً ضمن السياق ذاته، سوف يعطينا أدباً إبداعياً جديداًً ربما يتراكم كماً ونوعاً، لنجد أنفسنا أمام ما يشبه – مع إختلاف لا يمكن التنبؤ الآن بحدوده – أدب رثاء المدن الذي شهدته الأندلس إبان نكبتها، بعد ضياعها. هذا السؤال يمكن لأستاذنا العلامة الدكتور إحسان عباس – المهداة له هذه الدراسة- التنبؤ به، والإجابة عليه.

 

1- بحيرة وراء الريح:

لـ "يحيى يخلف"

سمخ (قرية عربية على الشاطئ الجنوبي لبحيرة طبرية إلى الشرق قليلاً من مخرج نهر الأردن منها. وهي تبعد عن مدينة طبرية قرابة 11كم ... ولسمخ موقع هام على الشاطئ الجنوبي لبحيرة طبرية، فهي مركز مواصلات رئيسي يصل بين شرقي نهر الأردن وغربه وبين المناطق الواقعة حول بحيرة طبرية وغور الأردن في الجنوب. وتقع كذلك في منطقة متوسطة بالنسبة إلى خط سكة حديد حيفا – ودرعا، وفيها محطة لسكة الحديد، وتقع عند ملتقى طريق رئيسية تصل بين طبرية في الشمال وجسر المجامع في الجنوب. وتتفرع من تلك الطريق عند سمخ طريق أخرى تتجه إلى الشرق لتصل إلى الحمة على نهر اليرموك... وكانت القوارب تجري في بحيرة طبرية بين سمخ ومدينة طبرية"(7).

 

بحيرة طبرية:

    "بحيرة طبرية جزء من مجرى نهر الأردن، وقد سميت بهذا الإسم بعد بناء مدينة طبرية على ساحلها الغربي، وكانت تسمية المدينة نسبة إلى إسم الامبراطور الروماني تايبريوسن يطلق على البحيرة إسم بحر الجليل أحياناً، لوقوعها في الطرف الشرقي بإقليم الجليل.... البحيرة ذات شكل بيضي غير منتظم، يشبه القيتار أو الكمثِري، تبلغ مساحتها 165كم، وأكبر طول لها 23كم، وأعظم عرض لها 14كم، يتدرج إنخفاض مستوى سطح مياهها من 209 إلى 214م دون مستوى سطح البحر المتوسط، وذلك حسب الفصول وكميات الأمطار السنوية. وتقع أعمق أجزاء البحيرة على مستوى 254م دون مستوى البحر، وذلك بالقرب من وسط البحيرة، ومن الجزء الشمالي الشرقي منها... وتشتهر البحيرة منذ الأزمنة القديمة بكثرة أسماكها وتنوعها... وكان معظم صيادي الأسماك قبل 1948 من السكان العرب، خاصة من سكان مدينة طبرية، وتحف بعض القرى والمدن والمستعمرات بشواطئ البحيرة، وأهمها مدينة طبرية وقرية سمخ ومستعمرة دجانيا"(8).

    هكذا عرفت الموسوعة الفلسطينية قرية سمخ وبحيرة طبرية، وإيرادنا لذلك في متن دراسة نقدية أليس مجرد إسترسال جغرافي لا وظيفة له، ولكنه ضرورة معلوماتية لمعرفة موقع وملامح (المكان)، الذي تجري فيه أحداث الرواية، وتحركات شخوصها الذين في أغلبهم من سكان هذه المنطقة، القرية والبحيرة، كما أن الرواية في الأساس محاولة لإستعادة المكان فنياً، بعد أن ضاع جغرافياً – ميدانياً. إعادة بعث المكان بشكل وجداني في عقول القراء بعد أن إختفى عن عيونهم بسبب بعد المكان على الأرض لذلك سنلاحظ أن الرواية تختفي بالمكان بشكل يقترب من حد العشق، ليس عبر وصف تفاصيله الصغيرة فقط، ولكن من خلال الإهتمام بشخوصه، وبيوته، وسكة حديده، وحقوله بمزروعاتها المختلفة، وكذلك حيواناته الأليفة من عجول وأبقار وحمير وكلاب، وغير الأليفة من ذئاب وضباع... مجموع هذه الأشياء والكائنات في الرواية، هي المكان هناك في الجغرافيا، وإن بعد المكان، وتبدلت ملكية الجغرافيا، لأن مشكلة نكبة 1948 وحروبها ليست في التاريخ بقدر ما هي بسبب الجغرافيا، لذلك ففي هذه الرواية، إن كتابة النكبة روائياً بهذا الشكل الإحتفالي القابض على أدق التفاصيل، تمكن من إحياء المكان بكافة تفاصيله، التي يعرف الكاتب أغلبها عيانياً، وأجيال لاحقة لا تعرفها إلا من كتب الجغرافيا سابقاً، ومن الرواية كذلك الآن، لأن النكبة أساساً، كانت نتيجة للصراع على (المكان)، قرية سمخ، جنوب بحيرة طبرية، والبحيرة ذاتها عدة دونمات منه فقط، وإحياء المكان روائياً يشترط أو يفترض من ضمن إشتراطاته الموضوعية التعرض لأسباب وظروف ضياعه، لأنه لا يمكن مجرد التفكير في إعادة ملكية المكان المسروقة أو المنهوبة، إلا بمعرفة ظروف عملية النهب تلك، التي سميت في مجملها وما نتج عنها بإسم (النكبة). ولأن الكاتب يعرف أن إستعادة ذلك المكان أصبحت من الأمور المستحيلة على الأقل الآن وفي المستقبل المنظور، جاء إستغراقه الكامل أو توحده الشفاف بهذا المكان، وكأن الإسعادة الوجدانية للمكان، هي الإمكانية الوحيدة المطروحة أوالمتاحة، إلا أن الروائي – كمبدع – من ناحية ثانية، يعبر عن متطلبات الجماعة، وتحديداً القيم المفتقدة لديها، فإن رواية (بحيرة وراء الريح) قدمت المكان كقيمة مفتقدة لدى هذه الجماعة – الشعب الفلسطيني- التي يعبر عنها، وإنطلاقاً من هذا، فإن الطريقة التي كتبت بها الرواية، نجح الكاتب بشكل عالٍ في أن يجعلها تجربة جماعية, لأن كل من يعرف تفاصيل المكان (سمخ – بحيرة طبرية) ، يشعر وكأنه هو الذي يروي ويصف ويسرد، كيف تمكن الكاتب من ذلك؟

    لقد توفر ذلك عبر عدة وسائل، أهمها:

1- إعادة إحياء مفردات الحياة الشعبية:

    سوف يسجل ليحيى يخلف، بالإضافة إلى سبقه في ابتداء/فتح الباب أمام كتابة رواية النكبة ، أنه إستطاع بنجاح لا إفتعال فيه، توظيف أكبر قدر ممكن من مفردات الحياة الشعبية الفلسطينية في ذلك الوقت، قبل نصف قرن تقريباً، وفي مجالات حياتية مختلفة، فمثلاً:

* مفردات حياة يومية شعبية:

    الميزان الشاقولي – بابور البحر – التبغ الهيشي – ورقة الأوتونان – البايكة – الجرن – الكعكبان – الخابية – علبة الباتر – الشخاتير – الكرداش- المنساس – السفرطاس – العجهال – الدماية الروزا – الشبرية – أقراص الجلة – الغمارين – الخابية – المهباش – حشرة القريحة – اللجن- الجربندينة – السلحلك..

 

* اسماء زهور ونباتات:

    الحبق – العطرة – الشومر – الخرفيش- الكرسعنة – العليق – العكوب – المرار – الفرفحينا – الهشير -  زهور الحبق – الخزامي – قرن الغزال – الورد الجوري...

    كيف تمكن يحيى يخلف من حشد كل هذه المفردات اليومية، ذات الطابع الشعبي، التي كانت سائدة على ألسنة البشر قبل نصف قرن؟ هل كانت هذه المفردات مختزنة في الذاكرة؟ هل عاد لقراءة كتب عديدة حول الحياة الشعبية والتراث الشعبي، لبعث هذه المفردات لأنها هي المعبرة عن حياة الشخوص الروائية آنذاك؟ لا أستطيع الجزم بجواب، لكن قياساً على حالتي، وأنا من نفس الجيل تقريباً، من هجر وهو في الخامسة من عمره، لا أتذكر انني إستعملت مفردة من هذه المفردات طوال الاربعين عاماً الماضية, ولا سمعت غالبية الفلسطينيين الذين عايشتهم، يستعملونها،وبالتالي فيمكن أن يسأل القراء أنفسهم: من منهم كان يستعمل هذه المفردات في العقود الأربعة الماضية؟ وهذا أمر طبيعي ,إذا فمن سوف يستعمل بعد النكبة مفردات غابت مدلولاتها في الواقع الجديد؟ من سوف يستعمل مفردات مثل: البايكة، والخابية والمهباش وغيرها، وقد فرض الواقع الجديد مفرداته مثل: كرت التموين، وصرة الملابس، والمخيم، ومن سوف يستعمل بشكل يومي كلمة (المهباش) ولم يعد في حياة المخيم ذلك الهناء والإستقرار، حيث الصحو المبكر على دقات المهباش ، والآباء والأجداد يدقون قهوة الصباح، قبل أن يرتدوا (الدماية الروزا) متوجهين إلى السوق والمدينة ومن منا يتذكر العكوب والعليق، بعد أن ضاع الحقل والبستان الذي تنبت فيه تلك النباتات البرية ... وبدون هذه المفردات الشعبية التي وردت في سياق طبيعي , لما إستطاعت الرواية أن تعيد القارئ إلى أجواء ومناخات الحياة اليومية قبل عام 1948.

 

2- وصف بعض مظاهر الحياة ونشاطاتها آنذاك:

    إن إعادة بعث المفردات السابقة، ما كان من الطبيعي أن يتم توظيفها في وصف حياة العقود الأربعة السابقة لصدور الرواية، أو الحياة في العديد من المدن العربية التي عاش فيها الفلسطيني اللاجئ ، لأنها مفردات تراجعت من قاموس الإستعمال اليومي، مع إختفاء أو زوال الحياة التي تستعمل في أوجه نشاطاتها المختلفة هذه المفردات. وفي هذا السياق قدمت الرواية نشاطات سكانية عديدة، ما عادت أغلبية جيل أو أجيال ما بعد النكبة تمارسها، وبالتالي لا تعرف كيف كان يمارسها الآباء والاجداد، مثلاً:

-      حياة كبار القرية وشيوخها صباحاً ومساءاً في (المضافة)، حيث (دقّ الجرن) لإعداد (القهوة بهيل)، وسماع قصص الضباع والثعالب وبنات آوى والخيول الأصيلة.

-      حياة الشباب والصيادين على شواطئ بحيرة طبرية وأعماقها، لمن يجيد السباحة، حيث (اللنشات) و (الشخاتير) و (الكيك) تمخر مياه البحيرة، ومن حولها أسماك (المشط) و (البلبوط).

-      مراسم غسل (بيوت الشعر) على شواطئ البحيرة، حيث تهب النساء الجالسات على الشاطئ للمشاركة في عمل جماعي، دون أن تطلب منهن صاحبة بيت الشعر المساعدة، سواء كان البيت للعمة حفيظة أو سواها.. العمة حفيظة حياتها بيت الشعر، الذي صنعته من شعر الماعز، أيام جز الصوف، لذلك فهي تعرفه كأولادها: هذا هو (الرفراف) الايسر حيث توضع الامتعة، وتلك هي الحواشي والأطراف.

ومظاهر أخرى عديدة، كمراسم موسم الحصاد أعادت الرواية بعثها وإحياءها بشكل طبيعي يتسق مع السياق الروائي دون إفتعال، سياق حركة شخوص الرواية وإنغماسهم الكلي في مظاهر حياة نشطة كانوا يمارسونها – حسب الرواية وفي واقع الحياة- لولا نذر الشؤم التي بدأت تلوح في أُفق حياتهم، مشكلة تراكما تراجيدياً، أوصل إلى حرب أنتجت النكبة.

 

حرب النكبة... نكبة الحرب:

    بعد صدور عشرات الكتب والمذكرات عن حرب النكبة، لقادة عسكريين وسياسيين، أن تكتب هذه الحرب ونكبتها روائياً، ليس من السهل حسب خصوصية الموضوع، أن لا يقع الروائي في أسر السرد التقريري المباشر، الذي يفقد الرواية حيويتها الداخلية التي تميز عادة البناء الروائي، عن غيره من الفنون، خاصة السيرة الذاتية التقريرية. لقد إعتمد الروائي – بنجاح مميز – عدة وسائل فنية، جعلت الرواية تخلق بعيداً عن السردية التقريرية، والمباشرة المملة، أهمها أنه لم يتحدث عن معارك النكبة المتعددة، بوصفها أحداثاً ذات بنية خاصة مستقلة داخل الرواية، لكن المعارك  على تعددها، جاءت من خلال نشاطات الشخصيات وتحركاتها التي كانت جزءاً من الأحداث، وهذه الأحداث هي المسيطرة عليها وعلى توجهاتها كافة، سواء كانت هذه الشخوص قائداً عسكرياً مثل (أحمد بيك) أو الشاب الصغير (راضي) الذي يعمل في دكان خاله (عبد الكريم)، أو (خالد الزهر) سائس الدواب، أو (منصور) بائع التذاكر في محطة القطار، أو (نجيب) الصياد المتلهف لأن يقبلوه جندياً، وكان له ما أراد، أو (أبوحامد) صاحب سيارة الأجرة الوحيدة في المنطقة... إلخ، فرغم إختلاف مهنهم إلا أن تلك الحرب وحدّت مصائرهم الفردية لتصبح مصيراً واحداً للجميع. كما أن حضوراً حياً وفاعلاً لشخصيات عربية مثل القاوقجي والشيشكلي وأسد الشهباء الحلبي وعبدالرحمن العراقي ، أعطى ذلك لساحة الحدث إطارها العربي الذي تداخل مع جواره الفلسطيني في معارك النكبة. إن تداخل الشخصيات وتنوعها مرافق لتداخل الأمكنة من سمخ والبحيرة والقدس إلى دوماً ودرعاً وقدسية وغيرها.

    قَدَرُ هذه الشخصيات جميعها أن تعيش حلم الأمل، أمل البقاء في المكان والمحافظة عليه، لكن الإنكسار ، تحس أنه هو (المكتوب)، هو (المقدر) ، هو (النتيجة). وكم كان حاداً تصوير الكاتب للحظات الإنكسار التي كانت هي الغالبة على أحداث الرواية، بما فيها لحظات إنكسار شخصية، كتلك التي تعرض لها (عبدالكريم الحمد)، عندما كان (يسابق الريح على صهوة فرسه الشقراء ذات الجيد النبيل المغطى بشعر له (لون الذهب)... وفجأة تعثرت، فطار عبد الكريم في الفضاء، وتدحرجت الفرس فوق الأرض المليئة بالاحجار والحفر، فكانت النتيجة تجبير صدره بالطريقة التقليدية الشائعة في البلاد آنذاك، وإطلاق رصاصة الرحمة على جبين فرصه الشقراء... تتواتر الإنكسارات/الإنهيارات الشخصية، لتؤدي إلى الإنهيار العام، إلى النكبة, إن التواتر السريع للأحداث في المستوييين الخاص والعام، فرض إسلوب السرد المناسب، الإسلوب قصير الجمل، سريع الإيحاء، بشكل يجعل القارئ – دون مبالغة – يشعر وكأنه يركض ويلهث ويتعب تماماً كما الشخصيات في الحياة والرواية:

    "يتسع المجهول حتى يصبح بحجم السماء. دوي المدافع، ترتج الدنيا. يشتعل الفضاء، يسحب البيك مسدسه من وراء الأفق الملتهب. جاءت الصيحة.جاءت الرجفة. سال الدم. هبت الرياح. إحتدم القتال. قعقع السلاح. طارت الأنفس شعاعاً. إلتقى السلاح الأبيض بالسلاح الأبيض. غاص النصل حتى الإبط بلغت القلوب الحناجر. تكاثرت الجثث فوق التراب، صارت الساحة كالعهن المنفوش. ملأ الدنيا نداء إستغاثة أو حريق"(9).

    "لم يقل نجيب شيئاً. تركه يفرّج عن همه بطريقته الخاصة. لكنه ودّ لو يتكلم. ودّ لو يقول شيئاً عمّا جرى وعما تم. ود لو يسأله عن عبدالرحمن العراقي، وعن ذلك الفتى الذي كان يغني للبلبل... ود لو يستطيع البكاء مثله، لو يستطيع أن ينفجر أو يطير. طال الصمت إتقد الجمر وتطاير بعض الشرر"(10).

    ويلجأ الكاتب أحياناً إلى تقطيع مشاهد الحدث إلى لقطات سريعة، على غرار التقطيع السينمائي:

الساعة العاشرة.

الساعة العاشرة والنصف.

الساعة الرابعة عشرة.

الساعة الخامسة عشرة.

    وأمام كل ساعة يصف المشهد/الحادث، بكلمات قليلة في جمل قصيرة. لقد تمكن يحيى يخلف عبر هذه الأساليب المتعددة التي إستخدمها بفنية عالية، أن يجنب إسلوب السرد الروائي التقريري والمباشرة المملة في العديد من الروايات التي تعالج الحروب ومصائر وسلوك البشر خلالها ، مما جعل القارئ – حسب إحساسي عند قراءة الوراية – يركض بنفس سرعة الأحداث، الأحداث، ليعرف ماذا سيحدث، أو كيف سيحدث ما كان القارئ الواعي آنذاك والآن يدرك حسب مقدمات الأحداث أنه سيحدث حتماً، فالأمور في أغلب الحالات مرهونة نتائجها بمقدماتها.

 

تراكمية القصص والبناء الروائي:

    من الأمور المدهشة في هذه الرواية، الطريقة التي إعتمدها الكاتب، ليشكل منها ما تعارف على تسميته (البناء الروائي)، فلن يعثر القارئ على حدث واحد يتنامى ويتطور، ويصل إلى النهاية، كما هو سائد ومعروف في معظم الروايات ذات الحبكة التقليدية. في هذه الرواية لا يوجد حدث واحد، إعتمده الروائي ليطوره وصولاً إلى حبكة روائية، ثم نهاية/خاتمة. صحيح أن الهم المسيطر على أجواء الرواية، مكاناً وشخوصاً هو هاجس الحرب، ولكن هذا الهاجس لم يمنع الشخصيات أن تعبر عن كافة أوجه إنسانيتها، قولاً وعملاً، لذلك فقد إمتلأت الرواية بالعديد من القصص الداخلية شبه المستقلة، إن أردت نزعها من سياقها في الرواية، ولكن ورودها بالطريقة التي وردت فيها، جعلتها سياقاً حتمياً وضرورياً، أدى تراكمية قصصية، شكلت مع عناصر أخرى، بناءاً روائياً فريداً، أحسب أنه سوف يستوقف النقاد، لإنه من الأبنية الروائية المميزة في مسار الرواية الفلسطينية. البناء الذي يعتمد خصوصية الأمكنة والتفاصيل الحياتية والمكونات النفسية للشخوص، عبر قصص خاصة تمت كل منها لشخصية معينة، متراكمة بشكل تصاعدي، مشكلة بناءاً روائياً مميزاً.

    من ذلك قصة أسد الشهباء أبن حلب، وقصة عبدالرحمن العراقي داخل الرواية، إن كل قصة من هاتين القصتين، كانت لها ملامح مميزة، وحدود مادية ونفسية واضحة، ربما لأن قصة هذين الشخصين مع شخوص أخرى ورد ذكرها عابراً ضمن دورها في الحدث الروائي أعطت هذا الحدث بعده العربي، فحرب عام 1948 التي أدت إلى النكبة، لم تكن حرباً فلسطينية – إسرائيلية أيضاً وبالتالي كانت نكبتها فلسطينية عربية. قصة (أسد الشهباء) الحلبي مع فتاته الشامية (ملك)، تنويع رومانسي رائع داخل رواية الحرب، فإذا هي رواية الحب والموت خيط الحب الشفاف هو نفسه، سواء في حب أسد الشهباء لذات الكف المخضب بالحناء، أو حب عبد الكريم الحمد لفرسه الشقراء، أو حب منصور بائع التذاكر لمحطة القطار، فهو لا يصور الحياة أو سمخ بدون محطة القطار، وعندما توقف وصول القطار، بسبب تصاعد الأحداث، ظل يداوم في المحطة، منتظراً عودة القطار، قطار سكة الحديد والحياة معاً... وسنضطر إلى تلخيص الرواية كاملة، أو نقل أغلب قصصها الداخلية، إذا إمتلكنا إغواء رصد ونقل هذه القصص الداخلية.

    فمثلاً يشكل الفصل الرابع (119-138) بكامله قصة من قصص ليالي الرعب والخوف الشامل الذي يسطر على الرواية، رغم أنه خوف مزدوج من الليل المظلم وعواء الضباع، ويهود المستعمرة القريبة، رغم ليلة كاملة قضاها سائق الفورد الصفراء أبوحامد مع عبد الكريم الحمد، عندما تعطلت السيارة، وتوقفت نهائياً رغم أن سائقها قرأ آية الكرسي، وعبد الكريم الحمد ناشد كل الأولياء والصالحين... ومن ضمن هؤلاء الذين شعرت أنهم من دائرة الأولياء والصالحين، تلك الشخصية البسيطة المفعمة والممتلئة بالحب والولاء، حب عبدالكريم الحمد، والولاء للأرض والأبقار والعجول والكلب (الذيب) إنها شخصية (قاسم النايف) وزوجته (فطيمة).

    في رواية (بحيرة وراء الريح)، إستغراق كامل في داخل خاصية المكان، ونفوس شخوصه، عبر نبش في مخزون الذاكرة، لإستعادة ما ضاع جغرافيا، وبعثه من جديد في النفس وعلى الورق بفنية عالية متقدمة.


2- أجفان عكا:

لـ "حنان بكير":

    "أجفان عكا" الرواية الأولى للكاتبة والصحفية الفلسطينية حنان بكير، التي عاشت منذ نكبة عام 1948 في بيروت / لبنان... رواية أولى، لكنها – حسب رأيي- سوف تضيف إسماً جديداً وعملاً روائياً جديداً في ساحة الرواية الفلسطينية، سواء فيما يتعلق بالموضوع أو التقنية الروائية، ذات المعمار الفني الذي يرتكز على إستعادة حضور مكان – عكا – غاب جغرافياً، لكنه حاضر على الدوام ذهنياً ونفسياً، بشكل يبرر حياة بعض الشخوص، وتطلعهم للمستقبل، لكن المفاجأة أن هؤلاء (أبو جابر العكاوي) يموتون بعد عودتهم إلى الجغرافيا (عكا) ، لأن التاريخ مسخ هذه الجغرافيا، التي لم تعرف أبو جابر العكاوي ولا هو عرفها، فهي بالنسبة له جغرافيا ميتة، مات فوراً بعد إكتشافه موتها.

    هذه الرواية أصنفها ضمن السياق الذي أطرحه في هذه الدراسة ،  حول نبش الذاكرة الفلسطينية مجدداً، بعد الإنشغال عن مخزونها  حوالي أربعة عقود، كما أوضحت في مطلع هذه الدراسة. في رواية "أجفان عكا" أبو جابر العكاوي، ذلك الفلسطيني الذي أجبر على الهجرة من (عكا) وإستقر به المقام في مدينة (إربد) شمال الأردن. إبتعدت عنه (عكا) جغرافيا، لكنها كانت مجاورته الوحيدة، في صحوه ونومه وأحلامه، لذلك رضخ لرغبة العائلة في تسمية طفلته (أجفان)، لكن إسمها عنده، كان دوما (عكا)، وسيطر إسم (عكا) على الطفلة عندما كبرت، وظل الإسم يلازمها ويكبر معها، من خلال أحاديث أبوجابر ودروس المدرسة والكتب، فإذا عكا الطفلة/المرأة، هي التعويض النفسي لدى أبوجابر عن (عكا) الجغرافيا – وقد كانت عكا المدينة هي الحافز عنده، أبو جابر، للموافقة على زواج "أجفان" من الفدائي "كمال" اللاجئ أيضاً، القادم إلى المقاومة في الأردن من مخيمات لبنان، رغم معارضة وتردد أقرابه، وعدم حماسهم لهذا الزواج.

 

زواج فرصة لبث مخزون ذاكرة:

    كانت فرصة ثمينة لأبي جابر أن يتحدث للجاهة مع (كمال) الفدائي لخطبة (أجفان/عكا)، عن المقاومة التي شارك فيها مع أبناء جيله في عكا عام 1948، الفدائي كما في هذا الموقف، هو شباب أبوجابر العكاوي. وفدائية كمال الآن هي مقاومة أبوجابر آنذاك، وفي الحالتين العدو نفسه، اليهود مدعومين من بريطانيا سراً آنذاك، ودولة إسرائيل مدعومة من أغلب الدول الغربية وأمريكا الآن. هذه الإسقاطات من طرف (أبوجابر العكاوي)، جعلته ينسى أن كمال والجاهة، قد قدموا لخطبة (أجفان/عكا)، فأسهب في حديثه والألم يعتصر قلبه عن الإمكانيات الضعيفة آنذاك في مواجهة اليهود المدعومين من بريطانيا أصل البلاء.. كان يتحدث وهو يتطلع إلى نموذج شبابه الفدائي كمال، ببدلته المرقطة، ولسانه يقول: (البركة فيكو يا عمي.. وهاي بواريدكو كثيرة). إنها الذاكرة التي تنزلق لا شعورياً عن طرف اللسان، فقد كانت البواريد في شباب أبوجابر العكاوي، نادرة وصعبة المنال، وكان هو وجيله، يبيع مصوغات زوجته ليحصل على واحدة منها، ربما تطلق الرصاص، وربما صدئة لا تطلق شيئاً، إن الذاكرة العكاوية عندما عاد إنعاشها عبر مسار الألم والكارثة، عادت إلى ماضي عكا غير البعيد، حيث إسقاط جديد، فيرى أبوجابر الشبه المؤكد بينه وبين نابليون بونابرت، ووسط دهشة كل الأصدقاء والأقارب إزاء إصراره على زيادة باريس لمقابلة بونابرت، في قبره، يوضح لهم القاسم المشترك بين المقيم العكاوي والغازي الفرنسي، فكلاهما هزمته مدينة... والمدينة هي عكا. عكا هزمت نابليون بونابرت لإنه لم يستطع هزيمتها ودخولها، وعكا ذاتها هزمت أبوجابر لإنه لم يستطع الدفاع عنها.

 

قصة حب في الظاهر.. لكنها عكا في المضمون:

    يقوم المعمار الفني (الحبكة) الروائية في الظاهر على قصة الحب التي ربطت الفدائي (كمال) بالفتاة (أجفان) عند كل الأهل، و (عكا) عند أبي جابر فقط. هي قصة حب، تمكنت الكاتبة من التعبير عنها برومانسية/واقعية مثيرة، عبر كل مراحل هذه القصة... من قواعد المقاومة في جرش وإربد شمال الأردن، إلى مخيمات بيروت وقواعد المقاومة فيها وفي جنوب لبنان. من لحظة التعرف  على الفدائي كمال في إربد،  حتى موته/إستشهاده المجاني، بدون معنى، ضمن التصفيات الداخلية التي شهدتها بيروت بين فصائل المقاومة في بداية الثمانينات. أروع لحظات قصة العشق هذه كما عبرت عنها حنان بكير، هي وصفها لحياة (أجفان) بعد موت كمال، وحملها سيرته بكل تفاصيلها الصغيرة، ليل نهار، بالإضافة لطفلتهما (سناء) إنها قصة عشق من النادر وجودها في الرواية الفلسطينية، لكنها لا تصل ولا تماثل هذا العشق الرومانسي المؤثر كما في (أجفان عكا).

    و ضمن سياق وتنامي الحبكة الروائية البسيطة، وعلى هامش نبش ذاكرة أبوجابر العكاوي، وتردداتها المعاصرة، قدمت الرواية شخصيات عديدة، أعطت الرواية تنويعاتها في الموضوع، ولا يمكن إغفال الحديث عن شخصيات مثل (نذير) مسؤول الأمن المركزي ، الذي كان الأمن طريقه لنزواته الشخصية، ومصالحه المادية والجنسية. ورغم عدم تركيز الرواية على هذه الشخصية الكريهة، إلا أنها كما قدمتها، أعطتها النموذج الذي عانينا منه كثيراً في مرحلة بيروت... ومقابل (مذير) المنفر الكريه، هناك (سميه) وزوجها الدكتور (عبدالفتاح) العراقيان اللذان كانا البعد العربي للمقاومة في بيروت وفي الرواية إلى أن أجبرتهما تصرفات (نذير) وأمثاله، ليس في مجال الامن فقط، إلى ترك المقاومة، والهجرة نحو الشمال... إلى كندا. (أجفان/عكا) رواية صغيرة في الحجم (126صفحة)، كبيرة في المعنى والمعمار، تعيد بناء (عكا) في الذاكرة، وتنعش القلب الحب والعشق، الذي قليلاً ما عشناه وعرفناه، حيث الألم والحزن هما المسيطران.. الرواية تبعث من الذاكرة إلى الورق، ما ضاع عن العين.. ما غاب عن الجغرافيا المعاصرة، المرئية أو المملكوكة للفلسطينيين.. أو الممكن رؤيتها وإمتلاكنها في المسقبل المنظور... وضمن هذا السياق، وتلك الرواية، يستمر الحفر في الذاكرة الفلسطينية، وسكب مخزنها على الورق.

 

3- "طيور الحذر" و "طفل الممحاة"

لإبراهيم نصر الله

    عندما يكون الناقد بصدد الكتابة عن إبراهيم نصرالله، لا مفر من التوقف عند الأدوات الفنية، أو الفنون الادبية، التي يعبر من خلالها الكاتب. من الأمور الشائعة نسبياً أن يكتب كاتب القصة القصيرة رواية، أو أن يكتب الروائي قصة قصيرة، لكن الأمر غير الشائع أن يكتب المبدع الشاعر الذي رسخ وجوده الإبداعي شاعراً، رواية من حين إلى آخر. أو يزاوج في إبداعه بشكل مستمر بين الشعر والرواية، كما هو في حالة إبراهيم نصر الله، حيث تمكن من أدواته الفنية، شاعراً وروائياًن متمكنا من حدود الفنين، وهو مع أسماء أخرى، يمكن أن يجد النقد نفسه إزاء ذلك، أمام موضوع جديد يطُلق عليه (شعراء يقتحمون حدود الرواية) ، وهو ما سأتعرض له بالتفصيل في دراسة مستقلة، لكن في حدود وقوف هذه الدراسة عند حالة الشاعر والروائي إبراهيم نصر الله، يمكن القول أنه من عام 1980 وحتى عام 1999، أصدر إثنى عشر ديواناً شعرياً، وفي الفترة ذاتها أصدر ستة روايات، بدأها بـ (براري الحمى) عام 1985، وآخرها (طفل الممحاة)، عام2000 التي تهمنا في هذه الدراسة ، مع (طيور الحذر) التي صدرت عام 1996.

    هاتان روايتان تعيدان ترتيب مخزون الذاكرة الفلسطينية، بطريقة هرمية، إن تتبعت أحداثهما من أعلى قمة الهرم إلى قاعدته، أو من قاعدة الهرم إلى قمته، تداخلت بشكل تراتبي متعمد أحداث حرب النكبة وما كان قبلها من مقدمات، وما أعقبها من نتائج، لذلك فهما روايتان، يكملان بعضهما، أو مترابطتان رغم الإختلاف في البناء الفني الذي إعتمده الروائي لكل منهما، وربما هذا ما دعى الكاتب أن يطلق على هاتين الروايتين، مع روايات أخرى قادمة، إسم (الملهاة الفلسطينية)، ولإحساسه بأن الأسم ربما يكون غريباً أو مدعاة للتساؤل عند القارئ يورد في نهاية كل من الروايتين، نقلاً عن (لسان العرب) جذور التسمية (في الملهاة وجذورها)، وأعتقد أنه من خلال المعاني العديدة للملهاة كما يوردها (لسان العرب)، فإن أقرب هذه المعاني التي ربما يقصدها الكاتب، وتنطبق على الروايتين هي المعنى الوارد في (لسان العرب) كالتالي: (والأنسان اللاهي إلى الشيء: الذي لا يفارقه. وقال: لاهي الشيء أي داناه وقاربه)، فحسب أحداث الروايتين، فإن (الملهاة) التي لا تفارق الفلسطينيين منذ عام 1948، هي  ما حدث من مقدمات قبل هذا العام، والحرب التي إندلعت فيه، وما أعقب هذه الحرب من نكبة، ما  زالت بعد مرور ما يزيد على نصف قرن، ملاءمة بنتائجها للفلسطيين، لاتفارقهم ابداً، وكلما حاولوا نسيانها أو الإبتعاد عنها، دنت منهم، فاقتربوا منها، بدليل أنها ظلت جاثمة بنتائجها الكارثية على صدورهم، فعادوا لنبش ذاكرتهم والكتابة عنها بعد ما يزيد على أربعة عقود على حدوثها، ولم يسلم من تبعاتها الجيل الذي ولد بعد هذه النكبة، فها هو الشاعر والروائي إبراهيم نصر الله، الذي نحن بصدد عملية الورائيين المذكورين، يكتب عنها، وهو الذي لم يعاصرها عيانيا، ولم يولد على أرضها، فقد ولد خارج أرض (الملهاة)، ست سنوات تقريباً بعد هذه النكبة، وهذا يعني أن الأجيال الفلسطينية اللاحقة، لم تسلم من إنعكاسات ما حدث، فأصبحت لها (ملهاة)، تتعلق بها، وتقترب منها، مهما حاولت الإنفكاك منها، وذلك بحكم أجواء الحياة التي عاشتها مع الجيل الذي عاصر تلك النكبة، وظل لسنوات طويلة، يحكي... ويحكي.. يقص... ويقص والأجيال اللاحقة تسمع وتسمع.. وتخزن في الذاكرة، إلى أن جاءت اللحظة التي أشرت اليها ففاض مخزون هذه الذاكرة في الأعمال الروائية التي ذكرتها، وما زلت بصدد بعضها حتى هذه السطور، وبالإضافة لما سمعته الأجيال الآحقة من الجيل الذي عاصر النكبة، هناك معين آخر، وهو الكتب المدرسية، وكتب التاريخ، وهذا ما حدى بالروائي إبراهيم نصرالله، أن يذكر في نهاية رواية (طفل الممحاة) قائمة بعدد من المصادر السياسية والتاريخية التي إعتمد عليها في هذه الرواية، وكلها مصادر تدور حول النكبة، أرضها ومقدماتها ونتائجها.

 

- طيور الحذر:

    في (طيور الحذر) الصادرة عام 1996، بين شهادة في بدايتها وشهادة في نهايتها، ترد 46 لقطة/مشهداً من مخزون الذاكرة الفلسطينية ، ربما عنى الكاتب أن تغطي 46 عاماً من تاريخ هذه الذاكرة، ففي أية ذاكرة بشرية، تتراكم الأحداث والذكريات حسب تاريخ حدوثها في (المكان) ، وإن كان من الصعب مع مرور الزمن، ترتيب هذه الأحداث بسهولة، وأزعم أنه إن وجد من يرتب هذه اللقطات المشاهد الستة والأربعين بشكل آخر غير ما وردت عليه في الرواية متجاوزاً الإخلال بالبناء الفني المحكم الذي أقامه الروائي، فسوف يحصل على مخزون واسع الثراء من الذاكرة الفلسطينية، حسب وقوع تلك الأحداث في زمانها ومكانها، كما حدثت وجرت بعد عام 1948، يقابله ما هو أكثر وجعاً وألماً في رواية (طفل الممحاة) الصادرة عام 2000، إذ يعيد فتح وإنعاش هذه الذاكرة ليفيض منها ما كان وحدث قبل عام 1948 وخلالها، وما أعقب ذلك. وهذا يفسر إعطاء الكاتب لهاتين الروايتين، وروايات أخرى قادمة، إسم (الملهاة الفلسطينية)، ضمن مشروع أدبي/روائي، يسعى (لرسم صورة داخلية لروح الفترة الممتدة ما قبل عام 1948 وبعده... سعى لكشف فكرة الوهم الكبير وذلك الخراب الساكن في أوصال ذلك الزمان، والذي لم نستطع بعد الشفاء منه)(12)، وهذا ما يؤيد ترجيحي السابق للمعنى الذي عناه، من ضمن المعاني العديدة لـ (الملهاة). ومع الوعي بأن لكل رواية من الروايتين المذكورتين أحداثها وشخوصها المختلفة، إلا أن إنطلاقهما من بيئة حدث واحدة، ولسعيهما لرسم صورة داخلية عما حدث في تلك البيئة في الزمن المقصود، فإنهما معاً تشكلان حلقتين متصلتين، لما قبل النكبة وما بعدها. لذلك فقد قرأت (طيور الحذر) أولاً لصدورها عام 1996، ثم (طفل الممحاة) الصادرة حديثاً عام 2000، تم فعلت في قراءة ثانية العكس، فإذا أنا أمام صورة بانورامية حية متحركة لحياة الفلسطيني قبل عام 1948 وبعدها، وإذا إتفقنا مع مورس شرور، بأن الرواية (تسجل الإنتقال من حالة البراءة إلى حالة التجربة من ذلك الجهل الذي يعد بركة الى الإدراك الناضج لسلوك العالم الفعلي ) فإن (طيور الحذر) خير تطبيق لهذا المفهوم للرواية، وسنرى!

 

شخصية (الصغير) و (حنون):

    هاتان الشخصيتان رغم مركزية شخصيات أخرى، إلا أنهما نقطة الارتكاز في الرواية، أو محو الجذب الذي تنطلق منه كافة الشخصيات وتدور منه وحوله أغلب أحداث الرواية. شخصيتان أسرتان فيهما إندهاش الطفولة، وحذر الطيور وهذا ما يفسر ولع (الصغير) بطيوره منذ أن كان (صغيراً)، وبعد أن كبُر، وظل (صغيراً) في العمر (كبيراً) في التجربة والممارسة، هذا الصغير المغرم بعصافيره وطيوره، نقل عدوى هذا الغرام للعديدين من حوله، ورغم تفوق البعض عليه، إلا أنه ظل (الطائر) الذي يركضون حوله وينجذبون إليه، خاصة (حنون) الطفلة/الفتاة، التي كانت تدور حوله، حول جاذبيته كدوران الأرض حول الشمس وأرض المخيم التي تدور بهم جميعاً، وسط الخيام التي لا تحمي من حر الصيف وبرد الشتاء، إلى درجة أن المحظوظ منهم من كان يأتيه الدور للإنتقال إلى مخيم الوحدات، فهذا يعني حصوله على (وحدة) سكنية، وما عرفت أصل تسمية هذا المخيم طوال نصف قرن مضى، إلا من طيور الحذر فإذا (الوحدات) جمع وحدة، ومحظوظ في حياة الطيور والفلسطيني من حصل على (وحدة)، لأن الحياة أكدت لهم (أن مخيم عن مخيم بيفرق). طيور الحذر يطلقها إبراهيم نصر الله بخبرة وتجربة، فتقطع عشرين عاماً في لحظات، فإذا هي تقف وسط كثافة أغصان الشجر، متخفية عن الصغير وحيله، تستشرف المستقبل، الذي تعلم الفلسطيني منها ، أن ينظر إليه بحذر شديد، فحسه وفراسته، توحي أن المصائب تتوالى إن عرفت طريقها إلى مكان كما يقول المأثور الشعبي، إذ ما إن إستبشر خيرا للحظات، إلى درجة أن العصافير طارت من رأس الصغير، وكادت (مريم) أن تغادر خيمتها وتحرقها، عندما بدأت تزحف أجواء الحرب، التي دق طبولها عبدالناصر، بالقاهرة والظاهر إلا أن قلب الفلسطيني، مثل قلب العصفور، يعطيه أو يرسل اليه بإشارات الشؤم قبل وقوعه.. (فرحنا أكثر من ذلك حين أتت جيوش الإنقاذ عام 48، وأيامها على الأقل كنا نملك سلاحاً، نحن الآن لا نملكه، والذين إقتربوا من السلاح هم في السجون. لا يمكن أن تحارب عدوك بالمساجين، إذا كانوا يريدون حقاً الحرب، فلخرجوا أولاً من كانوا (يريدون إستعادة بلادهم)(13)، نعم... ما إن إستبشر خيراً، فإذا هو يسير من نكبة إلى هزيمة جديدة، كما خفف عبدالناصر هموم اللاجئين فأطلق عليهم قبل سنوات إسم (عائدين)، فها هو نفسه، يخفف من وقع الهزيمة في نفوس الملايين، فيسميها (نكسة)... ضاعت باقي فلسطين فأصبحت بكاملها من النهر إلى البحر محتلة... وعلى البيعة كامل سيناء وهضبة الجولان... وكل ما حدث مجرد (نكسة)!! لذلك لم يفرح أحد، حتى الرجل/الزوبعة الذي حلم بأن يعود إلى البلاد برجله الخشبية مستعيناً بالعكازات، لم يدم حلمه طويلاً، وظلت أسئلته تطير في الجو/الهواء، كعصافير الصغير، العصافير بدون أكل، وأسئلته بدون أجوبة:

-      هل سأعود الى فلسطين على عكاز.

-      هل ستعرفنا البلد بعد أن كبرنا؟

-      هل تعرفني إذا ما عدت إليها بلا ساق؟

 

إعادة إنتاج النكبة:

    طيور الحذر رواية تصعد بالقارئ من هضبة ألم إلى تلة أمل، ثم تهبط به في منحدر عميق، لا ينفع فيه ومعه أي حذر، فقد أعادت الرواية إنتاج النكبة قبل عشرين عاماًن بنكبة/نكسة جديدة، هزيمة فعلية، ما كان وارداً أبداً في مخيلة اللاجئ وعصافيره، أن هكذا هزيمة يمكن أن تحدث بوجود ما أفهموه أنه موجود، قاهر وظافر:

    "قال لي الولد: إصحا يابا، اليهود وصلوا البلد، قلت له: مجنون، إرجع لنومك، كيف يصل اليهود البلد وليس هناك صوت رصاص؟ الحرب ستقع، أي نعم، لكن الحرب طائرات، وقاهر وظافر يا حبيبي، عندما تقع الحرب هم الذين سيكتشفون أننا أصبحنا فوق رؤوسهم.."(14)

    تطرح الرواية، بإسلوب سردها المثير، وبشكل من حق القارئ أن يستنتجه، وهو أن العلاقة على ما يبدو بين الفلسطيني والألم/الحزن، علاقة جدلية كعلاقة عصافير الصغير بالقفص، ويعزز ذلك تواتر القصص العديدة من حياة هذا الفلسطيني، في اللقطات/المشاهد الست والأربعين التي جاءت بين شهادتين ، تأسر القارئ وكأنه يعبر ستة وأربعين عاماً من عمر النكبة. "كل شيء على حاله".. الخيام تعج بالحركة. هل غنى الحسون؟ سأل أمه: هل سمعته يغني؟ على إيش بدو يغني، هل هناك من يغني هذه الأيام؟." إبراهيم نصر الله يخلق عالماً محكياً، مرئياً، مهما حاولت تجاوز وجوده الحقيقي، لا يمكنك ذلك، كل ما تستطيعه هو أن تكون (حذراً) كطيوره، كي لا تنخرط في موجات من الضحك حينا، والبكاء أحياناً، وأنت تعيش عالمه هذا، الذي هو عالمك طيور الحذر رواية ستأخذ مكانها الخاص المحلق في عالم الرواية الفلسطينية والعربية، ليس بسبب طيورها وعصافيرها المحلقة فقط، ولكن شخوصها وناسها الطيبين البسطاء، إنه يثير إهتمام القارئ الفلسطيني الذي عرف تلك الأحداث وأجوائها، وغير الفلسطيني طالما هو معنِي بالعالم الداخلي الخاص الذي خلقته هذه الرواية، والذي لا يمكن الفرار منه.

 

- طفل الممحاة:

    أية رواية ينبغي قراءتها أولاً ضمن (الملهاة الفلسطينية)؟ رواية (طيور الحذر) الصادرة عام 1996، أم رواية (طفل الممحاة الصادرة عام 2000؟ لا مفر من قراءتها حسب صدورها، لأنه أساساً كنا قد قرأنا (طيور الحذر) منذ أربعة أعوام، إلا أننا إذا قصدنا التسلسل التاريخي، فإن أحداث (طفل الممحاة) وشريط تدفق ذكرياتها هو السابق تاريخياً، فإن كانت (طيور الحذر) هي رواية واقع ما بعد النكبة، فإن رواية (طفل الممحاة) هي رواية الواقع الذي سبق النكبة، أي مقدماتها وحربها التي أدت إليها... وربما يبدو هذا التساؤل عند البعض شكلياً، إلا أنني توقفت عنده، لأني وجدت فيه ما يدعم رؤيتي السابقة حول نبش الذاكرة الفلسطينية الآن، وإعادة توثيق مخزون الذاكرة على الورق، بأشكال فنية مختلفة، إختار منها إبراهيم نصرالله من الرواية، وضمن هذا المشروع، تدفقت الذاكرة حول واقع ما بعد النكبة أولاً، فجاءت (طيور الحذر) هي السابقة، وربما لأن واقعها عاش أغلبه الكاتب ميدانياً، وسمع الحي والقص عن بعضه، وما إن إنتهى من ذلك الواقع الذي عاشه، حتى إرتد إلى واقع بالنسبة له، يعتمد إعادة بعثه كليا على ذاكرة الآخرين سواء الذاكرة المروية شفوياً أو المكتوبة في المؤلفات السياسية والتاريخية، وربما يفسر هذا رصد الكاتب في نهاية رواية (طفل الممحاة) العديد من الكتب والمصادر التي إعتمدت عليها هذه الرواية، في حين لم يكن بحاجة لهذه الكتب والمصادر عند تدوين الذاكرة في (طيور الحذر).

    أرى أن إبراهيم نصرالله، سوف يُدون له في ميدان الرواية الفلسطينية والعربية، أنه يفكر ملياً وهو يخطط لكتابة كل تجربة روائية، لأن البناء الفني عنده، تدرك أنه لم يتشكل عفوياً، خلال سرد الحكاية، أو متابعة تطور الأحداث والشخصيات القائمة بها، فكما في (طيور الحذر)، كذلك في (طفل الممحاة)، يدرك الواعي لحدود فن الرواية، أن الكاتب صمم بناء الرواية فنياً، ليجئ بالشكل الذي جاء به، على شكل دروس خمسة، يتلقاها أو يتعلمها طفل الممحاة، جاءت مسجوعة بشكل يوحي كل إسم من أسماء هذه الدروس بمحتواه:

-      درس الزغب.. درس التعب.

-      درس الحسب من غير نسب.

-      درس الرسائل والهوى درس الرتب.

-      درس الغضب.

-      درس العجايب والعجب.

ومن خلال تتبع تفاصيل كل درس من دروس الطفل (فؤاد)، الشخصية المحورية في الرواية، تبنى بهدوء حياة الطفل ومن حوله، رغم أنها في الواقع حياة خلت من الهدوء والراحة. طفل كاد يموت في سني عمره الأولى، لولا رحمة الملائكة.. وستظل هذه الرحمة ترعاه، مع تطور وصعود حياته، وسط المخاطر والمفاجآت وستظل شخصية فؤاد آسرة للقارئ، لأن أي قارئ عاش المرحلة، وما أكثرهم ، سيجد جانباً من حياته في هذا (الفؤاد)، شخصية (فؤاد) في (طفل الممحاة) لا يمكن إعتبارها شخصية عادية ضمن سياق مئات الشخصيات التي عرفتها الرواية الفلسطنية. إنها من الشخصيات غير المسبوقة في هذه الرواية ومسارها. ربما هناك العديد من الشخصيات المشابهة لها، لكن السبب الذي أعنيه هو بناؤها فنياً، ومتابعتها في صعودها وهبوطها. إنكساراتها العديدة وإنتصاراتها المحدودة، مما جعلها رغم رومانسيتها المتدفقة، ذات أبعاد ملحمية ، عبر إلتصاقها وعشقها للبندقية، ليس لأنها بندقية (سيد البلاد)، ولكنها البندقية المعول عليها بالنصر، دون غيرها...

    إن قدرة إبراهيم نصر الله على رسم شخوص رواياته، بهذه الفنية العالية، يدل على أنه يتوسل دوماً إلى ربط روايته بواقع عاشه شخصياً، أو من خلال ذاكرة الآخرين، أو من خلال كتب ومذكرات الآخرين، وهذا يعني أن الرواية عنده عمل يحتاج إلى الدراسة والإعداد الجيدين ، هذه القدرة جعلتني – وحدي على الأقل – أشعر أن (جهاز الراديو) – المذياع – الذي كان يتنقل مع (فؤاد) وحده حيناً، ومعه (جون وليام) حيناً آخر أصبح رغم جماديته كائناً بشريا ثالثاً مرافقاً لهما، وهذا عائد إلى أن لسان المذياع، كان هو المتحدث الوحيد الذي يسمع صوته وسط الصمت الذي يلف الحقول والهضاب التي يتنقلان فيها..

    إن صحت أطروحتي السابقة حول (نبش الذاكرة الفلسطينية)، فسوف يسجل لـ (طيور الحذر) و (طفل الممحاة) مكانة متميزة في عالم الرواية، الفلسطينية والعربية، ليس فقط من خلال هذا المخزون الهائل لذاكرة شخوصه، ولكن من خلال البناء الفني المتميز، وشخوصه التي لها حذر الطيور من كل شيء ولا شيء.. فهي ذاكرة حذرة تعمل ضد كل المماحي ومن أجل الأطفال.

أحمد أبو مطر


هوامش:

1-    يحي يخلف – بحيرة وراء الريح، الطبعة الأولى، دار الآداب، بيروت 1991، الطبعة الثانية، دار الفاروق، نابلس 1995، وإعتمدنا في الدراسة على الطبعة الثانية.

2-    في كتاب (أفق التحولات في الرواية العربية)، منشورات دائرة الفنون، مؤسسة عبدالحميد شومان، عمان – الأردن 1999، ص 152 – 153.

3-    إلياس خوري – باب الشمس، دار الآداب، بيروت 1998.

4-    إبراهيم نصر الله – طيور الحذر، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 1996.

5-    إبراهيم نصر الله – طفل الممحاة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 2000.

6-    حنان بكير – أجفان عكا، دار ابن رشد، بيروت 2000.

7-    الموسوعة الفلسطنية، المجلد الثاني، ص588.

8-    الموسوعة الفلسطينية ، المجلد الثالث، ص102-106.

9-    بحيرة وراء الريح، ص49.

10-                        بحيرة وراء الريح، ص52.

11-                        أعمال إبراهيم نصر الله الروائية حسب صدورها:

·      برادي الحمى 1985.

·      الأمواج البرية 1988.

·      عو 1990.

·      مجرد 2 فقط 1992.

·      طيور الحذر 1996.

·      حارس المدينة الضائعة 1998.

·      طفل الممحاة 2000

12-                        من كلمة الغلاف الأخير لرواية (طفل الممحاة).

13-                        طيور الحذر، ص319.

14-                        طيور الحذر، ص342.

15-                        طيور الحذر، ص354.

إطبـــــــع  ارسل الصفحة الى صديق إحفظ الصفحة