في ذكرى الأربعين:

تداعيات وفاة المناضل فيصل الحسيني في الكويت

كانت وفاة المناضل فيصل الحسيني خسارة كبيرة, لذلك إستحق أن يُدفن في ساحة المسجد الأقصى جوار والده القائد عبد القادر الحسيني, شهيد معركة القسطل الشهيرة عام 1948, كما أستحق ذلك التشييع والجنازة المهيبة, بمشاركة الرئيس ياسر عرفات, وسط آلاف المشيعين الحزاني حقيقة, وقد أضفى على المشهد جلالاً خاصاً, تكبيرات مآذن مساجد القدس, وأصوات أجراس كنائسها, إذ أرتبط إسم المرحوم فيصل الحسيني بالقدس, حيث (بيت الشرق) الذي كان يدير من خلاله الشؤون والإتصالات الفلسطينية, بحمل مسؤولية حقيبة شؤون القدس في السلطة الوطنية الفلسطينية, وكان(بيت الشرق) هدفا للإغلاق والتخريب مرات عديدة من السلطات الإسرائيلية ومن المتطرفين اليمينين الإسرائيليين, وكان يحلو لهم تسميته(المقر غير الرسمي لمنظمة التحرير الفلسطينية) بحكم عضوية المرحوم في اللجنة التنفيذية للمنظمة.

ومن البداية نعرف ونؤمن أن الأعمار بيد الله.." ... إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون" الآية 49 سورة يونس, كما نؤمن أن الإنسان لا يعرف ولا يحدد مكان قدوم ساعته هذه... "وما تدري نفس بأي أرض تموت"الآية 34 سورة لقمان, وهكذا فإن المناضل الصلب المرحوم فيصل الحسيني, عندما سافر إلى دولة الكويت في نهاية شهر أيار/مايو الماضي, تلبية لدعوة من جمعية مقاطعة أو مقاومة التطبيع مع إسرائيل, ممثلة برئيسها الدكتور عبد الله النفيسي, لم يكن يعرف إنها رحلته الأخيرة, وأنه سوف ينتقل إلى الرفيق الأعلى هناك على أرض الكويت... الخسارة الفادحة بالنسبة للشعب الفلسطيني حصلت بوفاة هذا المناضل المقاوم, الذي نعاه الرئيس عرفات بما يليق به ويستحقه عندما قاله عنه: (تحمل ما لا يتحمل البشر, خضع للمداهمة مئات المرات في بيت الشرق وإلى التوقيف وللمساءلة الإسرائيلية الغاشمة مرات أخرى, وتلقى التهديدات وتعرض لمحاولات القتل, وظل صامدا كصمود جبال القدس التي تواجه الإحتلال والقضم وتشويه المعالم... خسرناه وفقدناه, وفُجعنا برحيله, إذ هو نمط من الرجال والقادة والعظماء الذين يصعب تعويضهم, خاصة في هذه المرحلة التي يتعرض فيها شعبنا للإرهاب الإسرائيلي الرسمي الشامل والمنظم).

الحزن لا يعنى عدم مراجعة المواقف

إن حزننا وفجيعتنا بفقدان المناضل القائد فيصل الحسيني, ينبغي أن لا تنسينا الوقوف أمام بعض تداعيات رحيله, وقفة نقدية هدفها أولا وأخيرا مصلحة شعبنا الفلسطيني, خاصة في هذه المرحلة الدقيقة, التي يحتاج فيها لتضامن كافة الأشقاء والأصدقاء, ودعمهم في مواجهة الغزو والحصار الإسرائيلي المستمر, وبوحشية (هولوكوستية) شاملة, وقد رافقت هذه التداعيات زيارة القائد الراحل, منذ وصوله إلى دولة الكويت, إذ واجهه حملة صحفية قوية, ومقاطعة وإحتجاج العديد من أعضاء مجلس الأمة الكويتي, على خلفية أنه أول مسؤول فلسطيني على هذا المستوى, يزور الكويت منذ عام 1990, عام الغزو العراقي لكويت وموقف منظمة التحرير الفلسطينية,الذي تفسره بعض الأوساط الكويتية الرسمية والشعبية, على أنه كان موقفا مؤيدا للغزو العراقي, ومنذ ذلك العام, قبل عقد من الزمن إستمر حال المقاطعة والقطيعة قائمة بين الطرفين الكويتي والفلسطيني على تلك الخلفية, التي تراكمت مخلفاتها إثر ما لحق بالفلسطينيين الذي بقوا في الكويت, من تجاوزات وإعتداءات عقب إندحار الجيش العراقي وخروجه من الكويت أو ما يسميه الكويتيون (تحرير الكويت), وهي التجاوزات والإعتداءات التي تؤكد الفلسطينيون, أنها كانت كبيرة ومثيرة, بينما ينفى الكويتيون أغلبها, مما نتج عنه في المحصلة, خروج غالبية الجالية الفلسطينية – الأردنية, التي كانت تُقدر بحوالي أربعمائة ألف نسمة, سواء كان خروجها مباشرة بعد الغزو العراقي مباشرة, خوفا من حرب الحلفاء القادمة, أو خروج ما تبقى منهم بعد التحرير, حيث لم يبق في الكويت الآن, سوى إعداد محدودة جدا من الأردنيين, وحوالي ثلاثين ألفا من الفلسطينيين من حملة وثيقة السفر المصرية – أبناء قطاع غزة- الذين لم تجد حكومة الكويت دولة تقبل نزوحهم إليها, فبقوا في الكويت كأمر واقع, ممنوع عليهم العمل في القطاع الحكومي, فلجأوا إلى المدارس الخاصة والشركات والمشاريع غير الحكومية.

المفارقة في المواقف الكويتية

ما ينبغي على الجانب الفلسطيني ملاحظته, كي يحاكم مواقفه على ضوء ذلك, هو أن( جمعية مقاومة التطبيع مع إسرائيل) ورئيسها الدكتور عبد الله النفيسي, لم يوجها الدعوة للراحل الكبير فيصل الحسيني, لزيارة الكويت, قبل إستمزاج رأي الدوائر الرسمية, وأخد موافقتها صراحة على زيارته للكويت, لأن الجمعية ورئيسها لا يمكن أن يقدما الدعوة دون موافقة الجهات الحكومية الرسمية, وضمان دخوله الكويت بشكل يليق به, وهذا ما حدث, رغم الإشكال الذي حدث في المطار لمرافقته والإشتباه في الأسم, ولكن ووفِق على دخوله الكويت.

ماذا يعنى هذا؟؟

إن هذا يعنى أن السلطات الحكومية الرسمية الكويتية, أعطت موافقتها على الزيارة, وبمحض رضاها ورغبتها, فليس هناك مراكز قوى ضاغطة, تستطيع في هذا الشأن تحديدا أن تجبر السلطات الكويتية, على الموافقة على الزيارة, إن لم تكن هي أساسا ترغب في ذلك, وتوافق عليه.

إن وافقنا على هذه الرؤية, وهذا ما لا يستطيع أحد نقضه بدليل دخول الراحل الكبير الكويت وإجرائه العديد من اللقاءات مع مستويات مختلفة, تصبح الحملة الصحفية والنيابية(البرلمانية) التي قوبلت بها الزيارة, من بعض الصحف وبعض أعضاء مجلس الأمة مسألة أخرى, تدخل في ميدان الجانب الشعبي غير الرسمي, وهذا يدخل في حسابات حرية الرأي, خاصة إنه بالنسبة للجانب الشعبي الكويتي, صحافةً وبرلماناً,هناك مسألة حساسة جدا, ومهمة للغاية, وهي الموقف من الغزو العراقي, وهناك سواء كانوا أقلية أو أكثرية من فسر وما زال مقتنعا بهذا التفسير وهو أن موقف منظمة التحرير الفلسطينية, كان آنذاك مؤيدا للغزو العراقي للكويت, وهذا ضمن ميدان الإجتهاد وحرية الرأي, ينبغي أن يظل محصورا في هذه الحدود, دون أن يغضب الجانب الفلسطيني, فهو أما يسكت على هذا التفسير, أو يقدم ما ينقض أن أراد.

الموقفان الكويتي الفلسطيني

إزاء ذلك, ومن أجل حشد أي دعم لشعبنا الفلسطيني في معركته ضد الغزو والإحتلال, ينبغي أن نمتلك الجرأة والشجاعة لنقد أنفسنا عندما نتسرع في الحكم, أو نخطئ في التقييم, خاصة إذا كان هذا التقييم صادراً عن أشخاص يعبرون عن مواقفهم الشخصية, وليس موقف السلطة الوطنية الفلسطينية, وهذا لا يعيبنا ولا ينقص من قدرنا, لأن الإعتراف بالخطأ فضيلة, وينبغي أن لا نكون ممن تأخذهم العزة بالإثم.. وإنطلاقا من ذلك, رصدت ثلاثة مواقف عظمى من الشعب الفلطسيني ولا موقف السلطة الوطنية الفلسطينية, هي:

1.    موقف بعض الصحف الفلسطينية

في هذا الجدل, أعتقد أن موقف بعض الصحف الفلسطينية, كان موقفا متسرعا, لا يرتكز إلى واقعية موضوعية, ترى أن الوقت للحشد وليس الفرقة... لأن نقدها بتلك الجمل الثورية, جمل خطاب الستينات, لا أعتقد أن هناك كثيرا في فلسطين من يوافق عليها, فما معنى قول بعض الصحف الفلسطينية, وهي بصدد الحديث عن الهجوم الصحفي الذي قوبل به الراحل الكبير فيصل الحسيني من بعض الصحفيين الكويتيين...", كما أُفيد بأن الحسيني بدأ على إمتعاض شديد أمام هذا الهجوم, في الوقت الذي يمر فيه الشعب الفلسطيني بأعتى هجمة إرهابية إسرائيلية, ويتعرض فيها أبناؤه للقتل والتدمير... وما يجب قوله أن هذه الهجمة الإرهابية الإسرائيلية, المتواصلة منذ أكثر من ثمانية أشهر, ما كان ممكنا لها أن تستمر طوال هذا الوقت, كما مثيلاتها من الهجمات السابقة, لولا التواطؤ بالصمت وغيره الذي تحظى به ممارسات إسرائيل وسياستها الغاشمة من أنظمة عربية منتنة على مشاكل النظام الكويتي, يقف على رأسها حكام ذو قامات هزيلة وضعيفة لا تسرى في عروقهم دماء عربية, لا من أمام ولا من وراء, إن هذا الخطاب ليس إعلامياً ولا سياسياً, فهو مجرد إتهامات وشتائم, نسيها الخطاب الإعلامي والسياسي العربي وتجاوزها منذ عقد الستينات, عندما كان أسلوب الشتم والردح, هو السائد بين الحكومات العربية.

وأعتبر إختفاء هذا الخطاب إنجازاً حضارياً, وها هي بعض صحفنا تعود إليه, ونحن مطلع الألفية الثالثة، فما معنى(أنظمة عربية منتنة)؟ ولماذا لم تسمي الصحيفة الأنظمة التي على شاكلة النظام الكويتي كي نعرف فعلا من هي(الأنظمة العربية التي ليست على شاكلته)؟ وضمن هذا التشكيل مثلا أين تضع هذه الصحيفة النظام العراقي مثلا الذي بسبب غزوه للكويت حدثت كل هذه الفرقة والإختلافات؟ وأين تضع النظام المصري والسوري, الذين أرسلا قوات عسكرية مصرية وسورية, شاركت بشكل رمزي, مع قوات التحالف الغربي التي أخرجت الجيش العراقي من الكويت, ورغم ذلك تسعى العراق منذ سنوات لإقامة علاقات افضل مع النظامين السوري والمصري... إن الغرض من هذه التفاصيل هي بيان حجم التسرع في مثل هذه الأحكام الصحفية, التي لا تخدم الهدف الفلسطيني الساعي لحشد كل الدعم في مواجهة ما تسميه الصحيفة(الهجمة الإرهابية الإسرائيلية).. علينا أن نمتلك الجرأة والشجاعة للإعتذار عن هذه الشتائم, وأفضل إعتذار عنها, هو عدم العودة إلى إستخدامها... فما معنى قول الصحيفة: (يقف على رأسها حكام ذو قامات هزيلة وضعيفة لا تسري في عروقهم دماء عربية)... إنه نفس خطاب إذاعة, "صوت العرب" في عقد الستينات... ذلك خطأ إذاعة صوت العرب في عقد الستينات ... ذلك الخطاب الذي سمم الأجواء العربية الشعبية والرسمية آنذاك... فهل مواقف الحكام والرؤساء والملوك السياسية لها علاقة بإقامتهم هل هي قصيرة أم طويلة.. هل هي نحيفة أم سمينه, وكيف تسنى للصحيفة أو لمحررها لمعرفة العينات الحقيقية الأصلية للدماء العربية, ثم كيف توصل لتحليل عينات من دماء حكام الكويت, ليصل إلى هذه النتيجة العلمية.

والأكثر إستغرابا هو قول الصحيفة الفلسطينية, إن ما فعله إعلاميو الكويت وساستها, يدل بكل وضوح على أن مقاومة التطبيع الحقيقة ميدانيا موجهة ضد شعبنا الفلسطيني وقيادته" .

لا أدري كيف توصلت الصحيفة إلى كل وضوح هذا, وهي تتهم كل الإعلاميين الكويتيين, وهم عمليا ليس كلهم من هاجم الزيارة, ومنهم من كان قبل الزيارة وبعدها, من أشد المؤيدين والمدافعين عن الشعب الفلسطيني, مثل الإعلامي المعروف الدكتور أحمد الربعي, ومثله كثيرون في الإعلام الكويتي... لذلك فإن التعميم في القدح والهجوم في القول : (إعلاميو الكويت...) ليس علمياً ولا صادقاً, ولا يأخذ في الإعتبار المصلحة الفلسطينية في كسب الأصدقاء وحشدهم في مواجهة الغزو الإسرائيلي.

ونستطيع أن نتصور حجم الرفض والغضب والإستهجان الكويتي لهذه الأوصاف والإتهامات, لو كتبها إعلامي كويتي أو عربي آخر موجهة ضد قادتنا وسياستنا الفلسطينيين, ومن بعدهم في سياق مماثل ضد(مجموع الإعلاميين الفلسطينيين), ولكن في المقابل هناك صحيفة فلسطينية أخرى, عرضت لنفس الموضوع, ولكن بأسلوب صحفي مهني, يقدم وجهتي النظر بمفردات لا تغضب أحدا, لكنها لا تخفي ما حدث, فقد عرضت هذه الصحيفة لمجريات الأمر بقولها... وكان الحسيني وصل إلى الكويت يوم الثلاثاء الماضي ( 29/5) للمشاركة في مؤتمر ينظمه المركز الشعبي لمقاومة التطبيع مع إسرائيل.

وقد توفي في الفندق الذي ينزل فيه قبل أن يفتتح المؤتمر الذي دُعي للمشاركة فيه وأُعتبرت زيارة الحسيني إلى الكويت, وهي الأولى من نوعها لمسؤول فلسطيني رفيع منذ إحتلال العراق للكويت عام 1990, خطوة ستمهد الطريق إلى عودة العلاقات الفلسطينية الكويتية, خاصة أن الكويت قدمت مساعدات لصندوق إنتفاضة الأقصى بلغت خمسين مليون دولاراً, إلا أن الحسيني جُوبه بإنتقادات شديدة ولاذعة لشخصه ولرئيس السلطة الوطنية الفلسطينية ياسر عرفات من قبل أعضاء مجلس الأمة الكويتي, في أثناء حضوره لجلسة المجلس يوم الأربعاء... وقد أدت تلك الإنتقادات الشديدة إلى تدهور حالته الصحية... إن الفرق واضح بين خطاب وأسلوب الصحفيين.

2.    موقف المسؤول الأمني الفلسطيني

وأعتمد في هذا على ما نقلته بعض الصحف العربية, من أن مسؤولا أمنيا فلسطينيا لم تذكر إسمه أنه قد صرح ردا على هجوم بعض الصحفيين والنواب الكويتيين, على زيارة الراحل الكبير المناضل فيصل الحسيني, قائلا: (أن زيارته تشرف الكويت وشعب الكويت...)وأيضا علينا أن نمتلك الشجاعة للقول, إن هذا التصريح غير مسؤول مطلقا, ولا معنى له في قاموس العلاقات السياسية, فلا يمكن أن تكون زيارة أي مسؤول من أي بلد تشريفا للبلد الذي يزوره, ولشعب البلد بكامله.

إن هذا كلام عشائري قبلي, لا يضع في الإعتبار العلاقات الأخوية بين قطرين وشعبين, مهما إعتراها من أزمات وغيوم خلال مرحلة من المراحل. وأنا أكاد أتصور غضب هذا المسؤول الأمني الفلسطيني, لو أن مسؤولا كويتيا قال في سياق مشابه(أن زيارة ذلك المسؤول الكويتي تُشرف فلسطين وشعب فلسطين)... من حق أي صحفي أو مسؤول فلسطيني, أن يفند الهجوم الكويتي, ويرد عليه, ولكن الأسلوب الموضوعي الذي يضع لبنة في طريق الوئام, لا حجراً في طريق الخصام والمزيد من الفرقة.

حرق العلم الكويتي في جنازة الحسيني

إن إقدام شابين فلسطيين على حرق العلم الكويتي, في جنازة الراحل المناضل فيصل الحسيني, كان في رأيي عملا طائشاً, إنفعالياً, لا يليق بالمناسبة الجليلة, ولا يليق بالحزن العارم الذي كان يسيطر على عشرات الآلاف من المشيعين, وأنا متأكد لو أن هذين الشابين أدركا الجوانب السياسية لهذا العمل, لما أقدما عليه, ماذا يعنى إحراق العلم الكويتي؟ هل عبر عن مغزى معين؟ لا أعتقد ذلك, فالأعمار كما أسلفنا بيد الله, وقد كُتب له المناضل الراحل, أن يموت في الكويت, وإن كنا نؤمن بقدر الله في زمان الموت ومكانه, فلا دخل لهجوم بعض الصحفيين والنواب الكويتين, بتلك الوفاة, فهذا مكتوب له, ومقدر له عند خالقه, وعندما أقدم أيضا بعض الشبان المنفعلين على إحراق العلم المصري, إحتجاجا على قرارات القمة العربية من القاهرة, وإن لم تكن تلك القرارات في مستوى الطموحات الفلسطينية, فما دخل العلم المصري بذلك, لماذا كان ذلك العمل الطائش الذي إضطرت الجهات الفلسطينية للإعتذار عنه علنا, بعدة وسائل منها تسيير مظاهرة فلسطينية مضادة على رأسها وزراء فلسطينيون, لتهدئة الخواطر في الشارع المصري, فأي علم عربي لا يمثل النظام فقط, ولكن يمثل الشعب أيضا, الغالبية العظمى من الشعوب العربية, تدعم كفاحنا ماديا ومعنويا حسب إمكاناتها المتاحة أو المسوح بها, فلماذا نحرق أعلامها, عندما لا يكون لهذا العمل أي مغزى أو هدف إيجابي....

الموقف الكويتي

وإذا تسلحنا بالشجاعة الأدبية, خاصة ونحن في مشاكل صغيرة, مع شعب عربي شقيق, هو الشعب الكويتي, سوف تزول عاجلاً أم آجلاً, نستطيع القول أن الموقف الكويتي, عقب وفاة المناضل الحسيني, كان أكثر توازنا ورصانة, وأكثر لياقة بالحادث الجلل الذي أصابنا برحيله, فقد أعرب رئيس مجلس الوزراء الكويتي بالنيابة ووزير الخارجية الشيخ صباح الأحمد يوم السبت الثاني من حزيران, تعقيبا على حادث حرق العلم الكويتي, عن الآسف أن تصل الأمور إلى هذا الحد من بعض الأشخاص الذين ربما لا يمثلون الفلسطينيين.. أكد الصحفيين على أن الكويت لن تبدل رأيها في القضية الفلسطينية وسنبقى مؤمنين بها.

وحول العملية الإستشهادية الأخيرة في تل أبيب, قال: هذا نضال والنضال مشروع, وقال ردا على تصريح المسؤول الأمني الفلسطيني الذي سبقت الإشارة إليه.. نحن سعداء بزيارة الحسيني للكويت ورحبنا به ويحزننا أن توفاه الله في الكويت, وهذا قراراه... كذلك أكد وزير الدولة للشؤون الخارجية الكويتي الشيخ الدكتور محمد صباح السالم الصباح, وقوف بلاده مع القضية والشعب الفلسطيني, وأكد إستمرار دعم الكويت للشعب الفلسطيني إنطلاقا من إيمانها المبدئي بضرورة الدفاع عن القضايا العربية الإسلامية لا سيما القضية الفلسطينية والمقدسات الإسلامية.

كما أعرب عن حزنه الشديد لوفاة عضو اللجنة التنفيذية في السلطة الفلسطينية ومسؤول ملف القدس فيصل الحسيني, واصفا إياه بأنه مناضل صلب ومدافع صادق عن القضية الفلسطينية لا سيما قضية القدس, وإستذكر لقاءه مع الحسيني قبل وفاته والذي عبر فيه الحسيني عن إمتنانه العميق لمواقف الكويت حكومة وشعبا من القضية الفلسطينية, وذكر أن فيصل الحسيني أكد له أن مواقف الكويت الأصيلة لم تأت لمساومات سياسية رخيصة أو إبتزاز. أضاف أن الحسيني نقل تقدير الشعب الفلسطيني لمواقف الكويت المبدئية الثابتة تجاه القضية والقدس بشكل أساسي... وهذا ينبغي أن نذكر أن حكومة الكويت أعدت طائرة خاصة, نقلت جثمان الراحل الكبير إلى عَمان.

إن موقف المسؤولين الكويتين أكثر إتزانا, كما أن مواقف الراحل الحسيني في الكويت, كانت دبلوماسية بناءة, لإن نضاله الطويل أوحى له, بأنه من أجل فلسطين, يجب نسيان الضغائن الصغيرة, والبعد عن أسلوب المهاترات والشتائم, الذي أشرت إلى بعضه, وحسب ما نقلت بعض الصحف الفلسطينية, فإن النائب في المجلس التشريعي الفلسطيني, حاتم عبد القادر, أجرى معه إتصالا هاتفيا من القدس, عبر له فيه عن إمتعاضه الشديد من حملة بعض الصحفيين والنواب الكويتين عليه, وقد طلب منه النائب حاتم عبد القادر قطع زيارته والعودة إلى القدس, غير أن الراحل الكبير لم يوافق على ذلك,(النضال من أجل فلسطين والقدس لا يجب أن يتأثر بتصريحات مغرضة وحاقدة, وينبغي مواصلة  الحوار مع أبناء الشعب الكويتي الشقيق مهما كانت الخلفيات.

إن هذا الموقف للشهيد فيصل الحسيني, على نقيض المواقف الفلسطينية الثلاثة التي أشرت إليها, هو الموقف الواقعي الذي يعرف كيف يخاطب الأشقاء العرب, حتى الذين بيننا وبينهم بعض الأزمات والمشاكل... رحم الله الراحل الكبير المناضل فيصل الحسيني, إن رحيله خسارة كبيرة كما عبر عنها الرئيس ياسر عرفات, ولا يُعَزينا في رحيله إلا الإستمرار في نهجه الخاص بالقدس والمحافظة عليها, والإصرار على تحريرها عاصمةً لدولة فلسطين المستقلة, وحشد كل الدعم لذلك بأسلوب أخوي وحضاري.

 

جريدة(فصل المقال),

 الناصرة, 20 تموز 2001م

إطبـــــــع  ارسل الصفحة الى صديق إحفظ الصفحة