![]() |
توريث
الرؤساء وتهافت الرئاسات..
سابقة
على مستوى دولي: النظام الجمهوري الذي يتبع نهج" الرئاسة مدى الحياة"
ينتقل بقوة" دستورية" من الأب للإبن.
ولينتقل عالمنا العربي, بالنتيجة, خطوة أخرى... إلى الوراء طبعا. تساؤلات
عما جرى في سوريا.
عندما توفي الملك الأردني حسين خلفه إبنه الأميرعبدالله ولي العهد(الملك
حاليا), وعندما توفى الحسن ملك المغرب, خلفه إبنه ولي العهد الأمير محمد(الملك
حاليا), هكذا هو الروتين السياسي, في الأنظمة الملكية في الشرق والغرب, وهو روتين
أخذ طابع النظام منذ مئات السنين, بأن يخلف الملك ولي عهده, الذي هو في الغالب
إبنه أو أخوه, ولإنه "نظام" في هذا الحكم, لم نسمع أي إعتراض على إنتقال
الحكم من الملك إلى ولي عهده, فهذه هي طبيعة إنتقال السلطة في هذه الأنظمة
الملكية...
أما في النظام الرئاسي الجمهوري, في الشرق والغرب, فهناك آلية مختلفة لنقل
السلطة في حالة موت الرئيس أو مرضه مرضا يقعده عن العمل, آلية تقضي في الغالب
بإنتقال السلطة على نائب رئيس الجمهورية لفترة محددة, تتم بعدها إنتخابات عامة,
لإختيارالرئيس الجديد, مع إختلافات هنا وهناك في كيفية إجراء الإنتخابات وآليتها,
يقال هذا آخذين بعين الإعتبار أن غالبية الدساتير الأمريكية والأوروبية, تنص على
فترة محددة للرئيس, لايجوز له بعدها أن يستمر في السلطة, وهي ثماني سنوات في
الدستور الأمريكي, على فترتين رئاسيتين, كل فترة منها أربع سنوات, أما النظام
الرئاسي الجمهوري العربي القائم منذ عمر الإستقلال في بداية الأربعينات منذ القرن
الماضي, فرغم إسمه إلا أنه رئاسة مدى الحياة مهما إمتدت.
ماعدا التجربة الرئاسية اللبنانية, التي تقترب من التجارب الجمهورية
الأوروبية, هذه الـ "رئاسة مدى الحياة" هي التي سادت وماتزال في
الجمهوريات العربية فجمال عبد الناصر ظل رئيسا لمصر من عام 1952 حتى وفاته عام
1970 وأكاد أُجزم أنه لو ظل حيا حتى اليوم ( عام 2000) لظل رئيسا لمصر, وذلك قياسا
على ماجرى بعده في مصر ذاتها, فقد خلفه نائبه أنور السادات الذي ظل رئيسا من عام
1970 حتى اغتياله عام 1981, ومنذ ذلك العام وحسنى مبارك خلفه رئيسا لمصر حتى اليوم
والأمر نفسه في بقية الجمهوريات, فصدام حسين رئيس للعراق منذ 1979 حتى اليوم, وعلى
عبد الله صالح رئيسا لليمن منذ عام 1978 حتى اليوم, أما النظام الوحيد في الشرق
والغرب والشمال والجنوب الذي يحمل إسم (الجماهيرية) – أي النظام الليبي, فمعمر
القذافي لا يزال رئيسا لهذه الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الديمقراطية
العظمى منذ عام 1968 وحتى اليوم...
المضحك المبكي في "رئاسة مدى الحياة" وهي(18) عاما لجمال عبد
الناصر, و( 30) عاما لحافظ الأسد, و(22) لعلي عبد الله صالح حتى اليوم, و( 32)
عاما لمعمر القذافي حتى اليوم. وما زال في العمر بقية يعلن عن إنتخابات جديدة
لرئاسة الجمهورية, ويكون الرئيس الحالي هو المرشح الوحيد, سواء كانت الإنتخابات
ستتم داخل ما يسمى" البرلمان" أو مباشرة من الشعب, الذي دوما يصوت بنسبة
التسعات الأربع 99, 99% المشهورة.
وقد تعوٌد الشعب العربي على الرئاسة مدى الحياة هذه, لأن ليس بيده فرض
ديمقراطية حقيقية على النمط الغربي, خاصة أن هؤلاء الرؤساء فيما عدا حالة حسنى
مبارك- قد وصلوا إلى السلطة عبر الإنقلاب العسكري, مدعومين بالجيش وأجهزة الأمن
والمخابرات وبعد سنوات من القمع والإضطهاد, فَبْركوا مسألة الإنتخابات الرئاسية,
ليصبحوا رؤساء جمهوريات بعد أن كانوا قادة إنقلابات عسكرية.
تعود الشعب العربي على هذه الرئاسات إلى أن جاء توريث بشار الأسد, ليخلف
والده الرئيس حافظ الأسد, وبذلك يصبح العالم العربي صاحب أول اختراع في العالم
الرئاسي الجمهوري, وهو خلافة الإبن لأبيه, وهي سابقة لم تحدث في العالم ولا أعتقد –
حسب معلوماتي- أنها حدثت في أي جمهورية في العالم!.
ينبغي التذكر أن حافظ الأسد أعد هذا السيناريو التوريثي بشكل جيد منذ سنوات
عديدة, وكان التوريث حتى عام 1993 نجله الأكبر باسل وعقب وفاته ذلك العام في حادث
سير على طريق بيروت دمشق, كما أُعلن رسميا, بدأ التركيز على الوريث الجديد, بشار,
الذي لم يكن عام 1993 قد تجاوز السادسة والعشرين من عمره, وكان ما يزال طالبا
جامعيا.
وتم إستدعاؤه بعد أن قطع دراسته, والحق شكليا بالجيش, وهنا يكمن السر فلا
بد من المرور بالجيش وقطع بشار بسرعة ضوئية كل المراحل المطلوبة منه, ليصبح حتى
وفاة والده عقيداً متخطياً بذلك المئات من ضباط الجيش السوري, الأقدم منه خبرة,
والأطول منه عمراً, وبدأ والده يرسله في زيارات عربية وأجنبية مبعوثا من قِبله, أو
حاملا رسائل منه, وكان واضحا للمواطن السوري والعربي أن كل ذلك مجرد سيناريو
للتلميع والتأهيل, وهو نفس السيناريو الذي كان متبعا من قبل مع شقيقه باسل حتى
وفاته, وبعد وفاة والده, رقي بشْار مباشرة إلى رتبة فريق, ليصبح كذلك قائدا عاما
للجيش السوري!
ولم يكن ممكنا الإستمرار في هذا السيناريو المتصاعد درجة درجة منذ عام
1993, لولا ضمان الرئيس حافظ الأسد أمرين:
1.
ولاء الغالبية العظمى
من ضباط الجيش, في كافة المراتب والمواقع, وكان من الطبيعي أن يضمن هذا الولاء بعد
ثلاثين عاما في السلطة, عرف عنه عدم الرحمة مع أي معارض سياسي, فما أدراك بالهول
إن كان المعارض عسكريا؟ ويضاف إلى ذلك تركيز المراكز الحساسة عسكريا في أيدي
الضباط المقربين مما حقق له ولاءهم, وهذا بالإضافة إلى سيطرة أجهزة أمنية عرفت
بقمع حريات المواطن.
2. ولاء الغالبية العظمى من الوجهاء والمتنفذين المقربين خاصة بعد طرد شقيقه
رفعت الأسد, الذي كان حتى عام 1983 قائدا لسرايا الدفاع, ونائبا لرئيس الجمهورية.
وقد تم طرده بعد محاولته السيطرة على دمشق, أثناء مرض شقيقه حافظ الأسد, ثم
طرد من البلاد, بعد تنازله عن منصبه كنائب لرئيس الجمهورية, وطرده من سوريا ليعيش
في المنفى بين فرنسا وأسبانيا, التي إستقر فيها قبل عدة سنوات, يدير إستثماراته
وملايينه فيها.
رفعت الأسد مُنع من دخول دمشق للمشاركة في تشييع شقيقه حافظ, أعلن ناطق
رسمي سوري إنه سيتم إعتقاله أن حاول الوصول إلى دمشق, فوصوله كان يعني إنشقاقا من
شأنه أن يقوى من مواقف رموز الشرائح التي ترفض مسألة التوريث هذه, ولكن لما كانت
البلاد محكومة بشكل كامل, من خلال ضمان الرئيس المتوفى للأمرين السابقين, كان من
العبث أن يطالب أحد باحترام الدستور, الذي ينص على تولي نائب الرئيس- الذي هو عبد
الحليم خدام – رئاسة الجمهورية إلى حين إجراء إنتخابات جديدة.
تغيير الدستور.. يعنى لا دستور
كي يضمن الجميع من عسكريين ومدنيين, مراكزهم وإمتيازاتهم, ساروا جميعا في
تسابق غريب, قبل أن يواري جثمان الرئيس المتوفى, ليعلنوا عن ضرورة تغيير الدستور,
الذي ينص علي أن لا يقل عمر الرئيس عن 35 سنة, كي يصبح العمر المطلوب (34)سنة, أي
عمر بشار, وهذا يعنى انه لو كان عمر بشار(29) سنة مثلا, لتغير الدستور أيضا, ليصبح
العمر المطلوب لرئيس الجمهورية هو عمر بشار, أيا كان.. وضمن هذه المعمعة الرئاسية
الوراثية, لم يسمع أي صوت نقد أو إعتراض, حتى من نائب الرئيس نفسه عبد الحليم
خدام, الذي صرح قبل شهور قليلة, أنه توجد في سورية مؤسسات دستورية, وأنظمة
برلمانية لنقل السلطة في حال وفاة الرئيس, وإنه لا مجال لوراثة الرئيس في سوريا,
ولا ندرس هل كانت لعبد الحليم خدام آنذاك حسابات خاصة ورؤى معينة, أم أنه كان يعنى
ما حدث, وهو أن التوريث تم فعلا بطرق دستورية! فالبرلمان إجتمع وغير الدستور, تم
إنعقد مؤتمر حزب البعث, وتم إختيار بشار أمينا عاما للقيادة القطرية, وبالتالي
رئيسا للجمهورية.
لقد فات جميع هؤلاء المتسابقون لإعلان تبريكاتهم الدستورية لعملية توريث
رئاسة الجمهورية, أنه في الديمقراطيات الحقيقة, لايمكن تغيير الدستور بناءً على حاجة
وعلى مقاس شخص بعينه, لأن تغيير الدستور بهذه المواصفات يعنى أنه لايوجد دستور.
قد يكون الرئيس السوري الجديد أذكى واقدر وأحنك وأدهى واعلم إنسان في القطر
السوري, ولا إعتراض على ذلك, إلا أنه لايمكن لإنسان عاقل حريص على تعميم التجربة
الديمقراطية الحقيقية في الوطن العربي, إلا أن يقولها صراحة: أن عملية التوريث
الرئاسي هذه رغم كل السيناريوهات الدستورية التي حدثت تعنى تهافت وإنهيار النظام
الرئاسي الجمهوري العربي, الذي كان في أساسه وقبل عملية التوريث هذه, وكما أوضحنا
مجرد ديكورات, وفي الواقع السياسي لافرق بين بقاء الرئيس في رئاسة الجمهورية مدى
الحياة, وبين أن يخلفه إبنه فما دُمنا " أمٌنْا " للتقاليد العربية نمشي
على هدي المثل العربي القائل " الإبن سرأبيه" لا فرق بين الأب وإبنه
فليكن واحدا منهما في الرئاسة.. لا فرق!.
ويبدو أن هذه السابقة السورية/ الأسدية, لن تظل الوحيدة, فصدام حسين يقوم
منذ سنوات وبشكل علني, بتلميع وإعداد إبنه عدي ليكون خليفته, وكان آخر خطوة في
السيناريو حتى الآن – إنتخابه عضوا في المجلس الوطني(العراقي) وستعقب ذلك خطوات,
وربما هناك رؤساء آخرون لديهم نفس النية, والسنياريوهات ذاتها!
وإذا كانت الدول تسير خطوة خطوة نحو الديمقراطية الحقيقية, التي تحفظ حقوق
الإنسان وحرياته لتتفرغ للإنتاج والتفكير والإبداع, ففي هذا الجزء من العالم,
الموصوف ب العربي نسير خطوة خطوة للوراء نحو القمع والإستبداد ليصبح شعار كل
مواطن: " الحيط الحيط ويارب السترة".
وفي ذلك سر تراجعنا وتخلفنا, فالإنسان أرخص ما نملك.. واللهم أجرنا مما هو
أعظم, والله من وراء القصد..
جريدة( الإتحاد), حيفا, 28 تموز 2000.