كيف تتعامل الصحافة العربية مع رحيل زعيم؟

(حافظ الاسد نموذجا)

توضيح :

(هذه المقالة كُتبت عقب وفاة الرئيس حافظ الأسد , بعدة أسابيع , لكنها لم تُنشر حينذاك وننشرها الآن هنا , لإن ما فيها من حيثيات وتحليل ما زال قائما , خاصة على ضوء تعثر مسيرة الإصلاح الديمقراطي في عهد الرئيس بشار الأسد , فمع إنفراج مؤقت , إلى إعادة سجن المنادين بإقامة مؤسسات مجتمع مدني .. الخ , مما يعني أن ما زال للمقالة مبررات نشرها , مؤكداً بوعي إحتمال رد البعض : وهل هذا أوان هذا النقد ؟ . نعم .. لا أوانَ للديمقراطية , ولا أوان لنقد السلبيات , ولا أوان لبيان أخطاء السَلفْ ليتعظ منها الخَلفْ .. فكل الأوقات صالحة للحديث عن الديمقراطية وتمتين الجبهة الداخلية والعلاقات العربية الواضحة المعتمدة على الحقائق وليس الأمزجة الشخصية).

أعتقد إن المثل العربي ذائع الصيت(إذكروا محاسنَ موتاكم ) , كان ومايزال المقصود منه , إنه لاينبغي  , وقد إنتقل الميت إلى رحاب ربه , أي لم يعد نفوذه أو سطوته تُخيف الناس  , أو تجعلهم يخجلون منه أو يجاملونه , مما تكون نتيجته التركيز على مساوئه وسلبياته فقط , لذلك نصحهم المثل العربي قائلاً ومُذكراً (إذكروا محاسنَ موتاكم) . وأرى أن التطبيق الميداني لهذا المثل  , هو أن نعدد بموضوعية المحاسن أو الإيجابيات التي هي عادة أول ما تففز إلى الأذهان .

وقبل الدخول في متن الموضوع الذي تنوي هذه المقالة معالجته أود التنبيه الى مسألتين :

الأولى : إن ما كُتب في الصحافة العربية عن حافظ الأسد بعد وفاته , لا يختلف كثيراً عما كُتب عن كل الرؤساء والملوك العرب الذين سبقوه في الإنتقال إلى الرفيق الأعلى , وأكاد أجزم أنه لو تم إنتقاء عشوائي لمقالة كُتبت في الصحافة المصرية عقب وفاة جمال عبد الناصر عام 1970م , وحُذف منها إسمه فقط , لكانت تقريبا – نفس إحدى المقالات التي كُتبت في الصحافة السورية عن حافظ الأسد عقب وفاته عام 2000م , أي بعد ثلاثين عاما , ما زال الخطاب العربي هو ذاته , بمبالغته وعدم صدقه .

الثانية : إننا ونحن نعالج ظاهرة (البلاغة العربية عندما تصبح مبالغة كالكذب), لا نقصد الإساءة إلى كاتب أو صحفي ممن شاركوا في هذه (المظاهرة) بكتاباتهم عن حافظ الأسد عقب وفاته , لذلك لن نذكر أسماءهم عندما نستشهد بمقاطع مما كتبوه , لإن الغرض هو معالجة هذه (الظاهرة) العربية فقط , ولا يهمنا ذكر الأسماء , كي لايُظَن أننا نقصد الإساءة لأصحابها . وهذا يقودنا إلى مشكلة أساسية , تُشكل سمة من سمات الذهنية العربية , وهي الإنفعال الشديد في لحظات الفرح والحزن , مما يجعل رد الفعل عادة مبالغاً فيه , وعند الكتاب والصحفين العرب (بلاغة) تلعب على أوتار الكلمة العربية , فتأتي هذه البلاغة , وقد فشلت في التقييم الموضوعي للحد ث المراد التعبير عنه , وضللت القارئ لإنها أعطته أحكاما خيالية لا وجود لها في ذهن الكاتب , وفي الغالب – أكاد أجزم – أن الكاتب نفسه غير مقتنع بها , ولكن سيان الحديث الإنفعالي أوصله الى ذلك .. وربما يكون أفضل دليل  على مقولتنا هذه , هي إستعراض نماذج مما كتبه الكتاب والصحفيون العرب عن حافظ الأسد بعد وفاته , ليحكم القارئ نسبة الصدق في هذه الكتابات , وهل كان (المرحوم) فعلا هكذا وبهذا الحجم !

·      إقرأوا .. واكتشفوا العجب !

أحد الكتاب العرب , كتب يقول :

-" بموته إنقضى عهد القائد القومي"

-        " جاء الأسد بعد موت عبد الناصر ليكون الأجدر بين قادة الإنقلابات الثورجية القوموية بملء فراغ قيادة الحركة القومية المهزومة ".

-        " ماالأسد فقد مات في عرينه ثابتا صارما ".

*كاتب عربي ثان , كتب يقول :

" ... هكذا لم يكن موت الرئيس حافظ الأسد مجرد غياب أخير لزعيم عربي كبير فحسب , بل كان موتا لقيادة تجاوزت بصماتها الفاعله والعميقة تاريخ سوريا الحديث إلى تاريخ المنطقة ومحوريتها الأساسية , أي الصراع العربي – الإسرائيلي , إستطراداً إلى العالم الخارجي .."

-" قياساً بكل ما تقدم لم تكن سوريا والمنطقة والعالم أمام موت حافظ الاسد المدوي , بل أمام ميثولوجيا أخرى تُذكر بالميثولوجيا الإغريقية التي قامت على نسيج إعجازي بين الإنسان والحياة والموت والقدر .."

-" عجيب أمر الرجال الكبار . كل الكون كان في القرداحة بشكل أو بأخر ". –" لقد أمضى ثلاثين عاماً في إمتراس , ولم يذهب إلى الفرصة ولا أخذ إستراحة . ولا أُحب أن يخلد إلى راحة . لا أختار فرصة إسبوعية للنسيان ولا فرصة شهرية لإلتقاط الأنفاس , ولا فرصة سنوية للإستجمام . لم يسافر إلى نقاهة ولا الى ساحة تجعلة في منأى عن العمل ولو ليوم واحد .. "

بالله عليكم .. هل  هناك شعرة معاوية بين هذه المبالغات والكذب الواضح .. أعتقد جازما , أن حافظ الأسد نفسه , لو قرأ هذه المبالغات الكاذبة لما أعجبته , ولو عاش سبعين عاماً أخرى , لما فهم ولا إكتشف (الميثولوجيا) التي قال عنها الكاتب , وهي ضمن سياق مقالته لا معنى لها , إنه فقط رص الكلمات البليغة التي سيقول القارئ العادي عند قراءتها .. (ياالله كم هذا الكاتب متبحر في العلوم والميثولوجيا) وبالتالي فهو أدرى بما يقصد , وهو في الواقع لا يقصد شيئا .

·      كاتب عربي ثالث , كتب يقول  :                                                   -" مآذن دمشق تودع !"

·      كاتب عربي رابع , كتب يقول :

-        " بالرحيل المباغت لحافظ الأسد بعد الرحيل المبكر قبل حوالي ثلاثين عاماً لجمال عبد الناصر , تقترب من المغيب شمس الزعامات العربية ذات الأصول الثورية التي تساوي شخص الزعيم فيها مع أهمية بلده وأحيانا كان الشخص أكثر أهمية من البدل نفسه .. "

هل يقبل أي منطق عقلي أو عاطفي , عربي أو غربي . الموافقة على أن هناك رئيس أو ملك , كان أكثر أهمية من بلده , لإن الأهمية المحلية والعالمية , لا تأتي من صفات الشخص وسلوكه بقدر ما تأتي من أهمية بلده , وموقعها في السياسة الإقليمية والعالمية .

 

من غير المفيد الإستمرار في عرض نماذج أكثر من كتابات الكُتاب والصحفيين العرب , فهي كلها من نفس (العيار الثقيل) , لا تقدم أية معلومات أو حقائق للقارئ , بل مجرد (بلاغة) في الكلمات و (مبالغة) في التقييم .. وربما على عكس هؤلاء جميعا , أو كرد عليهم , كتب كاتب آخر – ومن أصل سوري -, تحت عنوان (من أسد إلى أسد : هواجس حول الشرعية والديمقراطية والإستقرار) . كتب كتابة مختلفة , فيها الرأي والمعلومة , وختم مقالته قائلا :" أعترف في النهاية , بأني عاجز عن مجاراة الأخرين في فصاحة الرثاء "

·      لا تجوز على الميت إلا الرحمة !

وإنطلاقاً من ذلك . نترحم على الرئيس السوري حافظ الأسد , إلا أن الترحم لايعني مطلقا عدم التنبيه إلى أخطاء الرجل وسلبياته , فهو مثلنا بشر , والبشر يخطئون , وما دام الكُتاب والصحفيون العرب في غالبيتهم , بالغوا في الرثاء مبالغة أوصلته إلى حد الكذب , يصبح من حق القارئ والمواطن العربي , أن يقرأ سطوراً عن الأخطاء والسلبيات ,  التي ينبغي الإعتراف أن بعض الكُتاب السوريين , في لندن تحديداً , أشاروا بهمس خفيف إلىِ ببعضها , وأعتقد أن الكتابة عن الأخطاء والسلبيات لا تنقص من وزن الرئيس حافظ الأسد ومكانته .. وأكاد أجزم من خلال  حياتي وعملي في سوريا ثمانية أعوام متواصلة (1982-1990) , ومعايشتي لكافة فئات الشعب السوري , أنهم كانوا يتحدثون عن هذه السلبيات , لإنهم يعيشونها في الواقع , وكانت تنعكس على كافة أوجه حياتهم وأهم هذه السلبيات والأخطاء/الخطايا :

1.    مصادرة الحريات الديمقراطية

لاأعتقد أن غُلاة محبي الرئيس حافظ الأسد , يُنكرون أنه عبر السنوات الثلاثين الماضية التي هي عمر نظامه , إعتمد هذا النظام في بقائه على تجميع كافة السلطات في يد الرئيس وحاشيته خاصة أجهزة الأمن , التي كان المواطن السوري يتندر أنه عبقري من يعرف عددها , وإن أجمعوا على أنها تزيد عن (15) جهازاً أمنياً عسكرياً وسياسياً وأمنياً وإقتصاديا , ناهيك عن فروعها وشُعبها في لبنان . وقد كانت معضلة أساسية للمواطن السوري والعربي المقيم في سوريا , إنه من المستحيل معرفة الفرع الذي يحتجز فيه الشخص , لذلك قالوا في الشارع السوري عن السجون السورية (الداخل فيها مفقود , والخارج منها مولود) . وقد أدى الخوف على النظام وبقائه , نتيجة تركزه في يد أبناء الطائفة العلوية , الذين هم أقلية الشعب السوري السني , إن النظام لم يستقر على تحالفات سياسية داخلية واضحة ومستقرة . ففي بداية السبعينات شن النظام حملة شديدة على اليسار السوري , وزج بمئات من أعضائه , خاصة الحزب الشيوعي في السجون , وقد أمضى قيادي شيوعي معروف (رياض الترك) ما يزيد على خمسة وعشرين عاماً في السجن . إعتقد البعض أن حملة الرئيس حافظ الأسد ضد الشيوعيين , تعني توجها إسلامياً , مما سيفرض تحالفاً مع الإخوان المسلمين , إلا أنه فاجأ الجميع بحملة شرسة عام 1981 ضد الإخوان المسلمين خاصة في معقلهم الأساسي مدينة (حماة) , وكانت مذابح مشهورة بفظائعها اللاإنسانية , نجم عنها تدمير أحياء كاملة من مدينة حماة بالمدافع والدبابات , وقد ظلت المدينة آنذاك معزولة عن كافة مدن القطر السوري عدة أيام , كي يتم تطهير المدينة من الأخوان المسلمين , ورفع أثار الأنقاض والدمار . وأذكر إنه لما كان تمركز غالبية الأخوان المسلمين في الحي القديم من المدينة , علق مسؤول سوري آنذاك على تدمير الحي بمن فيه قائلا : هناك قرار بلدي قديم بهدم الحي , لبناء حي جديد عصري مكانه , وها هي جاءت الفرصة فتخلصنا من الحي القديم والإخوان المسلمين على نفقة الجيش , دون أن تتحمل المحافظة مصاريف الهدم والتنظيف ونفقاته .

وفيما يتعلق بمصادرة  الحريات الديمقراطية , لايمكن الصمت عن أن أوحش وأبشع قمع تعرض له الفلسطينيون , مدنيون عاديون وسياسيون و أعضاء منظمات , هو ما تعرضوا له طوال ثلاثين عاما من حكم حافظ الأسد لسوريا , وقد كان وما يزال أكثر من فرع أمني سوري متخصص في شؤون الفلسطينيين , أشهرها (فرع فلسطين) المعروف باسم (فرع 297) , و(الضابطة الفدائية) . الملفت للنظر إنه يوجد في سوريا مكتب خاص بالملاحقات الجمركية والرسوم والمواد المهربة , إسمه (الضابطة الجمركية) . وعلى غراره تم إختراع إسم ( الضابطة الفدائية) التي تعنى بملاحقة الشان الفلسطيني الخاص بالمنظمات الفدائية آنذاك , وما يزال هذا الجهاز يقوم بعمله وبنفس الإسم على من تبقى من تلك المنظمات مقيما  في سوريا . وهناك أمثلة ميدانية , لايمكن أن يجادل فيها غلاة محبي نظام حافظ الأسد والمدافعين عنه , وأشهرها :

1.    إعتقال المناضل الفلسطيني , عبد المجيد الزغموط , عضو قيادة فتح , من عام 1966 حتى وفاته في السجن قبل شهور قليلة , أي مايزيد على 34 عاما في السجن السوري . ومنه إلى القبر .

2.    إعتقال صلاح صلاح , عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين , عام 86/1987 حوالي سنة ونصف السنة في نفس الفترة التي كانت الجبهة الشعبية تعتبر نفسها آنذاك , متحالفة مع سوريا وعلى خلاف واسع مع قيادة منظمة التحرير الفلسطينية المقيمة في تونس . وأتذكر أنه عند الإفراج عنه , لم تتجرأ مجلة (الهدف) الناطقة بلسان الجبهة الشعبية , عند نشرها لخبر الإفراج عنه , أن تشير الى السجن والدولة التي كان مسجونا فيهما , وهذا ليس نقداً للجبهة , فهي وغيرها , لاترغب بالإفراج عن صلاح صلاح وسجن رئيس تحرير المجلة أو أحد محرريها , إن ذكر أنه كان في سجن سوري في زمن حكم الرئيس حافظ الأسد .

3.    إعتقال أبوالعبد عبد اللطيف , عضو اللجنة المركزية للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين , وفي نفس الظروف والملابسات السابقة . أما الفلسطينيون العاديون , ما زالوا في السجون السورية حتى هذه اللحظة , فهم على الأقل ألفاَ (2000) مواطن , في مختلف السجون السورية , والسبب في سجن الغالبية العظمى منهم هو الإنتماء لحركة فتح تحديداً , أو الولاء لياسر عرفات . ومن المعروف أن مئات من أعضاء حركة فتح , سُجنوا بعد عام 1983 , عقب الإنشقاق عن حركة فتح , الذي قام به العقيدان أبوموسى وأبوخالد العُملة , بدعم من المخابرات السورية , وبنفس الدعم قاما مع حلفاء لهم (جماعة أحمد جبريل) بحربي المخيمات في لبنان عام 1986و1988 , التي كان هدفها آنذاك المعلن هو (طرد مخربي ياسر عرفات إلى مخيمات الجنوب) . ويوجد في السجون السورية أيضا عشرات من الأردنيين , بما فيهم بعثيون مشهورون , كان من بينهم البعثي المشهور (حكم الفايز) الذي أُفرج عنه عام 1993 (تقريبا) بعد وساطات عدة , وأُفرج في الشهور الماضية عن عشرات منهم  بعد وساطات من المسؤولين الأردنيين . وهناك أيضا العديد من العراقيين الذين كانوا أعضاء في حركة فتح , وقد وصلت دُفعة منهم قبل شهور الى أوسلو لاجئين سياسيين . بعد وساطة الأمم المتحدة , ومنهم أسماء معروفة , ليس من حقي ذكرها , إلا أن بعضهم بصدد نشر شهادته عن تجربته المريرة في السجون السورية , ومنهم أشخاص قيد العلاج في المستشفيات النرويجية , من جراء (عاهات) إعاقة , أو أمراض خطيرة .

أما الحريات السياسية للمواطن السوري , فهي تستحق نفس الرثاء , فكافة المؤسسات ذات المعنى الدستوري كانت مجرد ديكور , مثلها مثل تجربة (الأحزاب) العضو في (الجبهة الوطنية) , وقد جمعتني أثناء فترة إقامتي في سوريا , علاقة معرفة بأكثر من واحد منهم , وكان التقييم أنها أحزاب مجرد (ديكور) و(واجهة) , فحزب البعث الغالبية العظمى في الحكومة , واليد الأولى والأخيرة في رسم سياسة البلد الداخلية والخارجية , والحزب وكافة هيئاته تعني الرئيس حافظ الأسد شخصيا  وما يريده !

2.    العداء والخصام المطلق مع قيادة ياسر عرفات

عند تحديد أهم سمات نظام حافظ الأسد طوال ثلاثين عاما , ستكون واحدة من هذه السمات , هي الخصومة المطلقة والقطيعة مع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات , دون سبب منطقي , أو خلاف على توجه سياسي , فعندما وقع ياسر عرفات إتفافية أوسلو وما بعدها من إتفاقيات , لم تكن جيوش الرئيس حافظ الأسد تحاصر تل آبيب والقيادة الإسرائيلية تستعد للإستسلام ورفع الراية البيضاء , ولكن الأسد كان وحتى وفاتة منخرطا في العملية السلمية مع إسرائيل , ويسجل له انه حتى وفاته ظل صلبا , ]حاول الحصول على كل الأرض السورية المحتلة عام 1967 . لذلك فان القطيعة والخصام مع ياسر عرفات , كانت شخصية , وربما لها تفسيراتها عند حافظ الأسد نفسه , لإنه حسب قراءاتي وإتصالاتي , فان ياسر عرفات نفسه , كان لا يفهم سبب هذه القطيعة , وكان  دائم السؤال لمن حوله : (ماذا يريد الرئيس حافظ الاسد ؟).  ومن المفيد لإلقاء مزيد من الأضواء على هذه المسألة , العودة لقراءة زاوية (فنجان زوفا) للزميل الأستاذ محمد على طه , المنشورة في عدد "الإتحاد " (الجمعة 16 حزيران من عام 2000).

وفي سياق الخصومات ., يتأكد هذا من خلال ذكر خصومة الرئيس حافظ الأسد مع الملك حسين , فقد كانت – في رأيي- خصومات مزاجية , ربما من الطرفين , فكانت تشتد حيناً إلى درجة حشد جيوش البلدين على الحدود , وتهدأ حيناً إلى مستوى العناق والضم بالأحضان .

 

3.    الهدوء الكامل على الحدود مع إسرائيل داخل الجولان

 وهذه السمة هي أوضح وأخطر سمات حكم حافظ الأسد طوال ثلاثين عاماً. لقد وصل إلى الحكم عام 1970م , عبر إنقلاب عسكري , زج بعده أصدقاءه البعثيين في السجون , وأمضى بعضهم ما يزيد على عشرين عاما في السجن , ومنهم من أُفرج عنه في اللحظات الأخيرة , بعد تأكيد الأطباء أن وفاته أصبحت وشيكة , أقصد وفاة السجين السياسي . منذ عام 1970م وحتى عام 2000م . شهدت خطوط وحدود الجبهة السورية مع إسرائيل , هدوءاً وصمتاً شاملين , فلم تظهر حركة مقاومة سورية , أو السماح بالتسلل للعناصر المقاومة , بما فيها عناصر المنظمات الفلسطينية الموالية لسوريا , كجماعة (الصاعقة) وجماعة (أحمد جبريل) والمنشقين عن فتح (أبوخالد العملة وأبوموسى) , وقد كانت تعليمات الضابطة الفدائية – الجهاز السوري المسؤول عن الفدائيين الفلسطينيين – واضحة وحازمة , وهي : (عدم التفكير أو التخطيط للقيام بأية عملية عسكرية ضد إسرائيل إنطلاقاً من الحدود السورية) , وقد تم تنفيذ هذه التعليمات بصرامة شديدة , إلى الحد الذي لم تشهد إسرائيل منذ عام 1970م وحتى عام 2000م , أي عملية إطلاق رصاص أو تسلل من الحدود السورية , وكانت المنظمات الفلسطينية الموجودة في دمشق أو الموالية لها , تذهب إلى جنوب لبنان للقيام من حين إلى آخر بعمليات ضد إسرائيل , أي  إنطلاقاً من الحدود اللبنانية . وقد شمل الصمت ذاته (الجولان) السوري المحتل , فمنذ عام 1967م , لم يشهد الجولان أية تشكيلات عسكرية مقاومة للإحتلال الإسرائيلي , لا بالرصاص ولا بالحجارة , ما عدا بعض الاإحتجاجات والتظاهرات السلمية , ضد فرض الهوية الإسرائيلية على سكان الجولان ..لامقاومة لإسرائيل ولا رصاص ضدها , ومن يريد فعل ذلك , فعليه التوجه إلى الحدود اللبنانية مع إسرائيل , وكانت النتيجة هي تحمل لبنان وحده ردود الفعل الإسرائيلية  . وقد عبر منشق بعثي سوري عن هذا الوضع العجيب بنكته سوداء عندما قال : (سوف نقاوم إسرائيل حتى آخر رجل لبناني) . إن السكوت الشامل على الحدود السورية مع إسرائيل , الذي كان منذ عام 1970م وحتى هذه اللحظة , لابد أن فيه العديد من الأسرار والمعلومات , وحتما سيأتي اليوم الذي تكشف فيه هذه الأسرار والمعلومات

لقد كان هم هذه المقالة إيضاح الجانب الآخر لفترة حكم الرئيس الأسد , الجانب الذي أهمله أصحاب البلاغة العربية , التي جعلوها (مبالغة) إقتربت كثيراً من الكذب , كما لاحظنا من النماذج التي ذكرناها , إن لم تكن الكذب ذاته .. ونقرر بكل موضوعية أن المرحوم الرئيس الأسد , واحد من البشر , له إيجابياته , وعنده سلبياته , أراد ذلك محبوه , أم كرهه مُبغضوه .. وربما أو قطعا كان الهدف ذكر السلبيات , أما الإيجابيات فقد كتب عنها غيري ! ولكن بمبالغة أنستنا الإيجابيات , لأنها مبالغة  وصلت حد الكذب !

جريدة (الإتحاد)- حيفا

23 نوفمبر 2001م

إطبـــــــع  ارسل الصفحة الى صديق إحفظ الصفحة