متابعة وتعليق : د/أحمد أبومطر

، أوسلو (1)الفلسطينيون والأبراج !

    لست مهتماً بقراءة زوايا الحظ والبخت التي يقدمها مدعو قراءة المستقبل، عبر رصدهم لعلاقة الإنسان بحركة النجوم، أو ما يسمونه (الأبراج)، التي أخذت من التراث الصيني، حيث قسمت السنة الميلادية إلى (إثني عشر) برجاً يغطي كل برج شهراً ميلادياً من منتصفه تقريباً  إلى الشهر الذي يليه، والغريب أن هذه الأبراج أغلب تسمياتها مأخوذة من عالم الحيوانات والزواحف، فأشهرها له  تسميات : الحمل، الثور، الأسد، العقرب، الجدي، الحوت، السرطان.. الخ.

     وفجأة على غير عادتي، لفت انتباهي أن الصحافة اليومية الفلسطينية في قطاع غزة والضفة الغربية، أيضاً تنشر يومياً زوايا قراءة الحظ أوالمستقبل ، فقرأت هذه الزاوية، في صحيفة يومية صادرة في الضفة الغربية يوم (31/1/2001) ، وتأملت كيف يمكن للمواطن الفلسطيني في وضعه الحالي، طوال العامين الماضيين، أن يفهم أو يصدق ما تقوله النجوم .. وهذا بعض ما تأملته آملاً أن لاينصب عليَّ غضب هؤلاء المنجمين، فيقلبوا برجي رأساً على عقب، وهذه (سياحة) بريئة، فيما قالوه في (أبراج) الفلسطينيين.

-        فلسطيني من مواليد برج ( الحمل) يقول له هذا البرج، حسب عدد الجريدة المذكور "تبدو مبتهجاً ومتفائلاً، عليك أخذ الأمور برؤية وتجنب العصبية". قلبت صفحات الجريدة، فإذا أغلب الأخبار المحلية حول أعمال جيش الإحتلال الإسرائيلي: قتل وإغتيالات، إقتحام القرى والمدن، هدم المنازل وتجريف الأراضي، غارات بالطائرات والدبابات، وتشييع لخمسة شهداء.. إزاء ذلك، سألت النجوم والأبراج والمنجمين: كيف سيبدو أو سيكون الفلسطيني مبتهجاً ومتفائلاً .. وكيف يتجنب العصبية؟!

-        فلسطيني من مواليد برج (الميزان) يقول له البرج : "حياتك تشهد تطوراً ملحوظاً بسبب خوفك وترددك، إذا أردت الوصول كن شجاعاً". أعتقد أن هذا البرج يصدق بنسبة ما، خاصة في مسألة الشجاعة، فشعبنا الفلسطيني من مواليد هذا البرج والأبراج الأخرى الأحد عشر، ما وصلوا إلى هذا الصمود إلاّ بشجاعتهم، ولأنهم (وزنوا) القضية، في ظل السكوت الدولي و(التطنيش) العربي الإسلامي، فوجدوا أن سلاحهم الأمضى هو (شجاعتهم)!

-        فلسطيني من برج (الجدي)، يقول له هذا البرج:" عليك التروي في إتخاذ القرارات المصيرية، وإلاّ وقعت في الخطأ" .. هذه القراءة البرجية، تهم السياسيين الفلسطينيين .. ففي الأوضاع الفلسطينية الحالية، نحتاج إلى التروي في إتخاذ القرارات المصيرية!.

-         إما الأسد، أقصد برج (الأسد)، فيقول للفلسطيني من مواليده :"العائلة تدعمك هذه الأيام خاصة أمام الإستحقاق الذي تواجهه". وأرى أنه من الصعب الإطمئنان إلى كلام (الأسد) في هذا البرج، قبل معرفة نتائج القمة العربية القادمة في بيروت في السابع من آذار، لمعرفة هل أن العائلة العربية تدعم الفلسطيني أم لا، خاصة أن الرؤساء والملوك العرب المشاركين في هذه القمة، تتوزع تواريخ ميلادهم على كافة البروج الإثنى عشر فهل ستتطابق (بروجهم) مع (برج) الفلسطيني أمام هذا الإستحقاق الذي يواجهه منذ أكثر من نصف قرن؟! .

    وعلى هذه الشاكلة، تمضي قراءة الأبراج لحظوظ الفلسطينيين الذين بصمودهم وتضحياتهم العالية، سوف يكتبون قراءتهم الخاصة لهذه الأبراج، فكل فلسطيني وحده، أصبح برجاً عالياً يستعصي على أبراج الدبابات والطائرات الإسرائيلية. ولو كلفتني إحدى الصحف الفلسطينية، يوماً أو أسبوعا، بقراءة (أبراج) الفلسطينيين، لوجدت لزاماً علي تغيير أسماء (الأبراج) الصينية، إلى أسمائها الفلسطينية، وستكون قراءتي وتسمياتي كالتالي :

-        برج (رفح) :" أعمال الإغتيال والتجريف  تعيق حياتك مؤقتاً، كن صبوراً كما عرفك الجميع".

-        برج ( بيت لحم): " انتبه فأجراس الكنائس، لا يكون سماعها دوماً إعلان عن مواعيد القٌداس (الإلهي) ربما تكون إنذار أن قوات الاحتلال تمنع الوصول إلى الكنيسة".

-         برج (خان يونس) :" في بطون الدبابة إسرائيلي كالحوت، يريد التقامك لقتلك لا لإنقاذك كما فعل حوت سيدنا يونس".

-        برج (جباليا): " جبل ما يهزك ريح، لن تطول إقامتك في العراء فوق أنقاض بيتك الذي دمره الإسرائيليون".

-        برج (رام الله) :" احترس، كن حذراً، فمن الحب ما قتل".

-        برج (نابلس) :"لا تصدق كل من يقول لك، هناك من يريد التحدث معك في الهاتف العمومي على قارعة الطريق".

-        برج (جنين) :" لا تستعير سيارة ممن لا تثق به، فربما تسير بك نحو الرفيق الأعلى، لا نحو المكان الذي تريد الوصول إليه".

-        برج (فلسطين) :" كوني معتزة بإنجازاتك، فأنتِ محل إعجاب وتقدير كل المؤمنين بالعدل في العالم. إعتمدي على نفسك أولاً وأخيراً .." وهكذا فالفلسطينيون لهم براءات إختراع عجيبة، فهم أول من إخترع من الحجر سلاحاً، وها هم يخترعون أبراجهم الخاصة، تسميات ومضامين!.

2- أصوات يهودية شجاعة!

              أشاعت سياسة جنرال الحرب شارون في الشارع الإسرائيلي في السنة الماضية، تصاعداً واضحاً في أصوات اليمين وسياسته الداعية لمزيد من القتل والتدمير والإغتيال في صفوف الفلسطينيين .. وإن كان قد لوحظ تراجعاً في حركة اليسار الإسرائيلي إلاّ أنه في الشهور الثلاثة الأخيرة، بدأ المراقبون يلاحظون محاولات وتجمعات عدة لإسماع صوت اليسار الإسرائيلي الرافض لسياسة الإبادة الإسرائيلية، حسب الشعار المرفوع (الإحتلال يقتلنا جميعاً)، أي فلسطينيين وإسرائيليين.

              وأوضح علامة في هذا الطريق حركة الجنود والضباط الرافضين للخدمة العسكرية في مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية، حيث بلغ عددهم قرابة الثلاثمائة، وقد أحدثت حركتهم نقاشاً واسعاً في صفوف الجيش والمجتمع الإسرائيلي، حدة وعصبية في أوساط المؤسسة العسكرية الحاكمة. إن هذه الإحتجاجات في دولة إسرائيل، من المهم الدفع بها نحو الأمام من قبل الأوساط الوطنية واليسارية داخل (عرب إسرائيل) وفي مناطق السلطة الفلسطينية، إذ على الطرفين (الفلسطيني والإسرائيلي) وعي مسألة مهمة وأساسية، وهي حتمية عيش طرفين في هذه البلاد، أياً كانت نسبة الأرض التي تحت سيطرة كل طرف، فصراع ودموية العامين الماضيين، أوصلت الطرفين إلى (توازن رُعب) مفاده، أن كل طرف قادر على أن يرعب الآخر، ولكنه عاجز عن محوه من الوجود، وإقصائه من الحياة، فلا مجال لشطب الآخر في معادلة/الرعب الصراع الحالية.

وما يشجع على ذلك، هو صدر يهودية تفوق في شجاعتها هدير دبابات شارون وطائراته، فلا شجاعة في هدم بيوت السكان الآمنين العزل من السلاح، ولكن الشجاعة الحقيقية في الإحتجاج على ذلك وبصوت عال، يخلو من أية تأتأة .. وهل هناك شجاعة توازي شجاعة (شلوميت آلوني) وشجاعة الموقعين على عرائض تهاجم  حزب العمل ورئيسه بنيامين بن العيزر، وإعتباره مجرماً لمشاركته في جرائم شارون، وتعيد بعض هذه الأصوات بطاقاتها الحزبية، وتنسحب من عضوية الحزب.

               من هذه الأصوات الشجاعة السيدة (رفكا بيلد)، وهي من قدامى أعضاء حزب العمل في مدينة (بات- يام) التي تعتبر من معاقل حزب العمل .. قالت هذه السيدة/الشجاعة : "إن الهدم الجماعي للبيوت كان بمثابة يوم أسود ذكرني بأسوأ أيام حياتي، عندما نقلت عائلتي إلى المنفى في سيبيريا في فترة حكم ستالين في الإتحاد السوفيتي في نهاية الأربعينات.

               إن كل طفل فلسطيني تم تشريده وترهيبه بهذه الطريقة، هو بمثابة مشروع لأعمال إرهابية في المستقبل .. لقد أوصلناه وأهله إلى وضع لا يعود فيه معهم شيء يخسرونه. سينتقم لنفسه ولذويه، كيف داهموهم وشردوهم وسط أبشع حملة عدوان إرهابي .. إنني أخجل من الجرائم، وأنا التي سرت سنين طويلة مع حزب العمل، وآمنت بطابعه الإنساني الحضاري، أجد حزبي يساهم في صنع الجريمة .. والأنكى من ذلك أن رئيس الحزب (وزير الدفاع بنيامين بن اليعزر) هو الذي يصدر الأوامر .. لا.. هذا أكبر من القدرة على الإحتمال". وتساءلت هذه السيدة/الشجاعة :" أهذه هي الدولة اليهودية الديمقراطية؟.

               هل بات مسموحاً لنا كل شيء لمجرد كوننا يهوداً؟!. وقد أعادت بطاقتها الحزبية قائلة :" ليس شرفاً لي أن أحتفظ بهذه البطاقة".

إن هذه الأصوات اليهودية، تستحق كل دعم وتلاق من الجانب الفلسطيني، بعد ثبوت هلال الدروس التالية: 1-  لا مجال ولا حل للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، سوى العيش المشترك في هذه الرقعة من الأرض، أياً كانت نسبة ما يأخذه كل طرف.

2-لامفر من قيام دولة فلسطينية مستقلة، تعترف بأمن إسرائيل، وتعترف إسرائيل بأمنها وحقها في الوجود.

 3- لا إمكانية لنصر عسكري حاسم من طرف ضد طرف آخر، وقد تأكد ذلك خلال العامين الماضيين، إذ تأكد أنه يمكن للجيش الإسرائيلي إيقاع خسائر ودمار أكثر في صفوف الفلسطينيين، ولكن لا يمكن تركيعهم إلى درجة الإستسلام  وهذا ما أسميته (توازن الرعب).

" رفكا بيلد" .. "شولميت آلوني" .. وغيرهن.. ليست أصوات وحيدة في المجتمع الإسرائيلي .. إن التلاقي والتظاهر المشترك معها، كما حدث في الأسابيع القليلة الماضية، من شأنه أن يعيد بعض الأخلاقيات المفقودة في صفوف الشعب الإسرائيلي.. لأنه صحيح ومؤكد: " إن الإحتلال يقتلنا جميعاً".

جريدة (الإتحاد)_حيفا

29 مارس 2002م

إطبـــــــع  ارسل الصفحة الى صديق إحفظ الصفحة