أبوعلي مصطفى :

نودعك .. وتبقى حياً في قلوبنا

·      يوم الأثنين الموافق السابع والعشرين من آب, سيكون في عداد الأيام الحزينة في التاريخ الفلسطيني , وما أكثرها  أيام الحزن التي كتبها وسطرها جيش الأحتلال الهمجي .. في هذا اليوم فقد الشعب الفلسطيني مناضلا وقائدا من طراز مختلف .. إنه أبوعلي مصطفى الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين , الذي تسلم الأمانة والمسؤولية منذ عامين تقريبا , خلفا للمناضل القائد جورج حبش (الحكيم), الذي تنحى لأسباب صحية , على غير عادة غالبية الزعامات الفلسطينية والعربية .

عقب إنطلاقة الجبهة الشعبية في عام 1968, عقب هزيمة / نكسة حزيران كان أبو علي مصطفى , من أوائل الشباب الذين التحقوا بصفوف حركة القوميين العرب بقواعد الجبهة الشعبية في الأغوار الأردنية , وظل ملتحما , ملتصقا , بجسد الثورة في كافة مراحلها : أزماتها وإنفراجاتها .. تعرفت عليه للمرة الأولى في تلك القواعد .. كان شابا بسيطا لدرجة تخجل منه البساطة ذاتها .. يناقش ويتحدث دون إدعاء .. هذا أعرفه . هذا قرأت عنه .. الخ . هذه التعابيرالتي كانت مشهورة عن أبوعلي مصطفى .. وأنتقل مع المقاومة من الأردن إلى دمشق إلى بيروت ومنها ثانية إلى دمشق .. وآخيرا إلى الأردن .. وبعد ذلك أخيراً إلى الوطن .. أو ما تحرر من الوطن قبل عامين تقريبا .. بعد أن عبر الجسر الرابط بين الأردن وفلسطين .. توقف وسط مستقبليه يبكي ويضحك .. يبكي فرحا .. ويضحك حزنا .. فقد قلب الفلسطيني العادات والتقاليد .. سارت به السيارة نحو الضفة الغربية .. سألوه أين تذهب ؟ .. هناك حشود غفيرة تنتظرك في رام الله .. الأصدقاء .. الرفاق .. أعضاء الجبهة الشعبية وكوادرها .. ومن كافة التنظيمات .. فأجابهم بقوله : خذوني إلى قبر أمي .. صعدت به السيارة نحو قريته النائية .. إلى المقبرة .. وهناك جثا أمام قبر أمه .. قرأ الفاتحة .. وقبل تراب قبرها .. وأنخرط في بكاء عميق .. حملته السيارة إلى بيت أمه البسيط .. وهناك إعتكف أسابيع عديدة .. لم يلتق المستقبلين .. ولم يعرف إستعدادات المحتفلين بوصوله .. وأحترم الجميع إرادته .. تركوه في عزلته الإختيارية .. وبعد أسابيع من التفكير والتأمل وهو على أرض الوطن بعد غياب قسري طويل .. إستجمع صورة الموقف .. وخرج بإرادته من بيت أمه إلى رام الله , حيث باشر مسؤولياته الوطنية والنضالية في قيادة الجبهة الشعبية .. إلى أن إغتالته الصواريخ الهمجية ذلك اليوم الحزين ..

في دمشق .. عرفت القائد أبوعلي مصطفى عن قرب عدة سنوات من عام 1982 وحتى عام 1990 .. كنا في الصحافة الفلسطينية والعربية , نادراً ما نحلم بالحصول على تصريح صحفي أو مقابلة أو تعليق منه .. وله .. مرات عديدة سألته عن لقاء صحفي  للجريدة (الفلانية ) فيبتسم ببساطته المعهودة ويقول : أخي .. روح لـ(فلان) .. ويسمي مسؤولا أخر من قيادة الجبهة الشعبية .. كنا في آي وقت نمر على مكتبه , فإن لم يكن لدية ضيف أو إجتماع , نطرق الباب وندخل دون رسميات ودون تكليف .. وكأننا ندخل بيوتنا .. وفي الوقت ذاته كانت الصرامة والحسم من صفاته , بجانب البساطة المعهودة .. لذلك كسب إحترام وثقة لامثيل لهما في صفوف الجبهة الشعبية وكافة فصائل المقاومة الفلسطينية .

أبوعلي مصطفى .. الأنسان ..

فقدناك ذلك الأثنين الحزين الدامي .. لكنك باق في قلوبنا وعقولنا .. ستبقى مِثالا للصدق .. ورمزاً للقائد الذي مارس القيادة بإسلوب يخلو من أغلب الصفات التي يمارسها أو عرف بها القادة .. أبوعلي مصطفى .. عندما أصررت قبل عامين , أن تعبر الجسر مباشرة نحو قبر أمك .. عندما بكيت نحيبا أمام قبرها .. هل كنت تعرف إنك ستلاقيها قريبا .. وهاأنت تُدفن في جوارها .. لكن شعبك لا يملك سوى مواصلة النضال , وسوف تتحقق أمنيتك في التحرر والدولة الفلسطينية المستقلة .. نودعك .. وتبقى حياً في قلوبنا ..

جريدة (الإتحاد) – حيفا

31 آب 2001

إطبـــــــع  ارسل الصفحة الى صديق إحفظ الصفحة