إتفاقية أوسلو: يرحمها الله أم ندعو لها بطول العمر!

أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي ارييل شارون, منذ أسابيع قليلة, وعقب عملية عسكرية فلسطينية, أن كافة الأتفاقيات الموقعة مع الفلسطينيين في كافة الأزمنة والأماكن, في عُرفه أصبحت لاغية, ولا يعترف بها بدءا من إتفاق أوسلو عام (1993) وحتى تفاهم" بيت لحم- غزة أولا".... ردود فعل كانت مختلفة:

- الفلسطينيون في السلطة الوطنية الفلسطينية, أدانوا ذلك, إعتبروا تصعيدا خطيرا لن يؤدي إلى السلام... وكذلك بعض القوى والوزراء الإسرائيليين, ومنهم من قال: أن هذا الموقف الشاروني, ليس موقفا رسميا من الحكومة أو الكنيست, ولكنه تصريح صحفي فقط!

- القوى والإتجاهات الإسرائيلية اليمينية المتطرفة, هللت للتصريح, واعتبرته إنجازاً, يطلق يدها ويد الجيش الإسرائيلي في المزيد من القتل والتدمير والإغتيال والتجريف.

- قوى فلسطينية عديدة وتنظيمات وأحزاب عربية مختلفة, خاصة المحسوبة على الإتجاهات الإسلامية, فرحت لهذا الموقف الشاروني, وعادت للتذكير بسلبيات إتفاقية أوسلو, وعدم تحقيقها للحد الأدنى من المطالب الوطنية الفلسطينية, وللحقيقة والأمانة فكل هذه الإنتقادات والسلبيات صحيحة, فلا يستطيع أحد تجميل وجه إتفاقية أوسلو مهما استعمل من أصباغ وأدوات....

ورغم ذلك, اعتقد أن هناك وجهة نظر, من حق صاحبها عرضها والإستماع إليها, أمِلاً وداعياً الله وكافة الأولياء والصحابة والتابعين وتابعي التابعين إلى يوم الدين, أن ينظر إليها الجميع, على أنها مجرد وجهة نظر, تحتمل الصواب والخطأ, وبدون الإستماع لكافة الآراء بموضوعية لن نصل إلى الرأي الصحيح, أو الأقرب إلى الصحة... وهذا ما سأحاوله!

ماذا حققت إتفاقية أوسلو؟

منذ توقيعها عام (1993), إستطاع الجانب الفلسطيني تحقيق عدة أمور عبر هذه الإتفاقية الهزيلة, لم يتمكن الفلسطينيون والعرب مجتمعين, تحقيق واحد منها طوال أربعين عاما:

1.    أن مجرد عودة قيادة منظمة التحرير الفلسطينية إلى قطاع غزة والضفة الغربية, كان إعترافا إسرائيليا بقيادة فلسطينية لشعب فلسطيني, كانت دولة إسرائيل لا تعترف بوجوده, فهي" دولة أقيمت لشعب بدون أرض, على أرض بلا شعب".

2.    بدأت بعد الإتفاقية, كافة الدول الأوروبية والولايات المتحدة الآميركية تتحدث- ولو بعموميات- عن ضرورة قيام دولة فلسطينية مستقلة, بجانب دولة إسرائيل.

3.    تمت عودة ما لا يقل عن مائة وخمسة وسبعين ألفا من الفلسطينيين إلى قطاع غزة والضفة الغربية, منذ عام (1993), أما مع القيادة الفلسطينية, أو بعدها أو ضمن عمليات" لم الشمل".

4.    قبل إندلاع الأنتفاضة الأخيرة قامت السلطة الوطنية الفلسطينية, مع كافة قوى الشعب الفلسطيني, ببناء أغلب ما أصُطلِح عليه بـ" البنية التحتية" للمجتمع الفلسطيني, والدولة المستقلة لاحقا.

والسؤال المنطقي هو:

هل كانت كافة قوى وفصائل منظمة التحرير الفلسطينية, وقوى المعارضة, منذ عام (1965), وحتى عام (1995), قادرة على تحقيق أي من هذه الإنجازات؟

والجواب هو: لا... فالواقع كلنا نعرفه... منذ عام (1965) وحتى عام (1995), كانت كافة النضالات, إما" بيانات" أو" عمليات" بسيطة من جنوب لبنان, لم تهز الكيان الإسرائيلي.. وبعد عام (1982), شردت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية إلى تونس, حيث لم يعد متاحا لها سوى العمل السياسي والدبلوماسي, وبقيت عدة فصائل وتنظيمات فلسطينية في سوريا ممنوع عليها وبشكل رسمي من السلطات السورية إطلاق أية رصاصة على دولة إسرائيل, عبر الحدود السورية... والنظام السوري كان منسجما مع نفسه ومصالحه, فالنظام الذي لم يشجع قيام أي تنظيم سوري مسلح في جولانه المحتل منذ عام (67), والنظام الذي لم يطلق أية رصاصة على إسرائيل منذ عام (1973), لتحرير جولانه المحتل, ليس منطقيا أن يسمح لتنظيمات فلسطينية بإطلاق عدة رصاصات من حين إلى آخر, يعرف هو, وتعرف هذه التنظيمات, أن هذه الرصاصات لن تحرر فلسطين, وهي لدواعي إصدار بيانات إثبات الوجود فقط... لذلك أستطيع الجزم القاطع, أنه لو لم توقع قيادة منظمة التحرير الفلسطينية إتفاقية أوسلو عام (1993), لظل الحال العربية والفلسطيني حتى عام (2002) على حاله السابق:

- جمهورية مصر العربية, تعترف بدولة إسرائيل وبينهما معاهدة صلح وسلام منذ عام (1979), وبالتالي فهي غير معنية, بأي عمل مسلح ضد إسرائيل, وها هي إتفاقية السلام هذه صامدة صمود الجبال, طوال ربع قرن, لم يشهد البلدان أي إحتكاك مسلح, مهما كان نوعه, وتقوم مصر بإلتزاماتها الرسمية كافة, خاصة محاولات تهريب السلاح إلى قطاع غزة... هذا مع إستمرار الرفض الشعبي المصري, إلا أن الحقيقة الصارخة هي أن هذا الرفض الشعبي لم يحرر أرضا ولم يدعم فلسطينيا داخل غزة والضفة إلا بالكلام والعواطف والمظاهرات والبيانات!

- والجمهورية العربية السورية على حالها ووضعها الذي أسلفت, فمن لمن يطلق رصاصة منذ عام (1973) لتحرير جولانه المحتل, لم يطلق رصاصة لتحرير فلسطين الآخرين المحتلة....

- أما الأردن... فلا يستطيع عاقل أو مزايد, أن يطلب منه ما لم تقدم عليه, مصر وسوريا, بلدي الخمسة والثمانين مليونا, أقوى قوتين عسكريتين عربيتين في الشرق الأوسط... وكلنا نتذكر إمكانات الأردن, والأخطار التي كانت وما زالت محدقة به, خاصة من جراء تيارات اليمين الإسرائيلي، التي تحاول تصدير مشكلتها مع الفلسطينيين عبر رؤية الوطن البديل الذي ما زالت قوى إسرائيلية عديدة, تحول نفخ النار في رمادها.

- وأين الملايين؟!

من حق أي معترض أن يشطب كل ما ذكرت, عبر طرح مراهنته على شعب الملايين العربي, الجماهير وقواها الفاعلة عبر معركة المصير... وحق الإستشهاد.. ودولة اليهود التي لا بد أن تزول... الخ.. هذا من حق أي مواطن أن يطرحه.. ولكن من حقي التذكير أن هذه الملايين, لم تحقق شيئا على طريق تحرير فلسطين طوال ما يزيد على نصف قرن, لأسباب متعددة منها الجهل والتخلف والفرقة والتشرذم والحروب العربية – العربية, والأنظمة الديكتاتورية خاصة التي حولت شعوبها من " ملايين" إلى" ملاليم"!

لذلك, وبناء على ما سبق, أتمنى أن تحاول قوى فلسطينية وعربية وإسرائيلية وعالمية,  أن تبعث الروح والحياة في إتفاقية أوسلو, كي يكتب لها عمر جديد, فضمن موازين القوى الحالية, لن يستطيع الفلسطينيون والعرب تحقيق أي إنجاز عن طريق القوة, وسلاح قديم مهترئ أمام أكبر قوة عسكرية في الشرق, وربما الثالثة في العالم...

إنها ليست دعوة لليأس وبث روح الإستسلام في نفوس الجماهير.. إنها دعوة تشخيص الواقع الفلسطيني والعربي.. ومن يحاول إثبات العكس, فليتفضل...فأنا أمل من قلبي وعقلي, لو كان الواقع الفلسطيني والعربي غير ما شخصت, لكنت أول من يكتب غير ما كتبت.. وقديما قالوا: إن الخلاف في الرأي لا يفسد المودة بين الناس... وعند تحكيم ديمقراطية الحوار, نتذكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم, عندما بشر بالدين الإسلامي العظيم, المُنزْل من عند الله تعالى, وجد من العرب من خالفه, ولم يعترف بالقرآن... فما بالك بآرائنا نحن البشر.. فهي قابلة للخطأ والصواب والتأييد والنقض... بعيداً عن التشنجات والشتائم والأتهامات... والله من وراء القصد, وكل" أوسلو" ونحن بخير.00

إطبـــــــع  ارسل الصفحة الى صديق إحفظ الصفحة