أخلاق التعامل مع المواطن الإنسان

يعتقد الكثيرون أن الفارق الحضاري بين العرب والأوروبيين, هو فارق تكنولوجي فقط, بمعنى أن أوروبا بكاملها دخلت منذ سنوات عديدة عصر الذرة, ونحن العرب مازلنا على أبواب عصر البخار... وربما يرى البعض أن في هذا التشخيص إفتراء على العرب, ويتساءل: أين هذا الفارق التكنولوجي؟ ما دام عندهم ثلاجة وعندنا مثلها, وعندهم سيارة وعندنا مثلها, وعندهم أخيرا إنترنت وعندنا مثلها هذا التساؤل يسطح المسألة, لإن وجود الثلاجة والسيارة والإنترنت وحده, لا يعتبر ولوج المواطن أو الشعب مرحلة التحضر, العبرة في كيفية إستعمال, ونسبة من يقتنون الثلاجة والسيارة والإنترنت والكمبيوتر, والأساس الأهم: من صَنع هذه المنجزات الحضارية, العرب أم أننا نتوسل الأوروبيون لإستيرادها.

عموماً, لم يكن قصدي في هذه المقالة معالجة التفوق الحضاري الأوروبي, ولكن قصدت أن أُشير إلى مسألة لها نفس الأهمية, وهي أن الفارق بيننا وبين أوروبا, ليس في التكنولوجيا فقط, ولكن في (الأخلاق) أيضا, وعلى رأسها أخلاق التعامل مع المواطن الإنسان, أولا من قِبل مؤسسات الدولة وموظفيها, وثانيا المواطن مع المواطن الآخر...

يحكم القانون المؤسسة في أوروبا كل أمور المواطن, ولا يستطيع أي موظف مهما كان وزنه ورتبته, أن يعامل أي مواطن بشكل شخصي, إيجابا أم سلبا, لذلك فالمواطن الأوروبي يعرف مسبقا – وبشكل واضح- ما له وما عليه. في بلاد العرب نكتب شعار( الإنسان أغلى ما نملك) في كل مكان, دون أن نطبقه, هنا في أوروبا لا يكتبونه مطلقا, لكنهم يطبقونه بشكل مطلق: هنا في أوروبا, وأعطي أمثلة محددة من بلاد مملكة النرويج:

- لا يحق لأي رجل أمن دخول أي منزل, أو إلقاء القبض على مواطن, دون إذن مسبق من المحكمة القضائية.

- بعد إلقاء القبض على المواطن بإذن من المحكمة, لا يجوز إبقاءه رهن الحجز اكثر من 24 ساعة, إذ يجب تقديمه للمحكمة بحضور محاميه, وان تأخر تقديمه للمحكمة اكثر من 24 ساعة, من حقه مقاضاة رجال الأمن.

- يستطيع أي مواطن توجيه أي رسالة أو إستفسار, لأي مسؤول, مديرا كان أم وزيرا أم ملكا, وبشكل مؤكد ومطلق, يتلقى المواطن الرد خلال أيام, سواء كان سلبيا أو إيجابيا.

تقدم شاب فلسطيني عام 1993 بطلب للسلطات النرويجية, لمنحه حق اللجوء في النرويج, وقد رفض طلبه لعدم إقتناع السلطات العدلية بالحيثيات التي قدمها, وطلبت السلطات منه مغادرة البلاد خلال شهرين, إقترح عليه بعض أصدقائه أن يكتب رسالة لملك النرويج, عليه أن يتدخل ويساعده, كتبوا له الرسالة باللغة النرويجية, أرسلها للملك, وخلال أسبوع واحد, جاءه الرد التالي:

إلى/ ... ( فلان)

( يلاحظ انهم لا يسبقون الاسم بصفة( السيد) ولا يختمون الاسم بصفة( المحترم) مطلقا, فبدون وضع هاتين الصفتين فالمواطن( سيد) و( محترم) أما في بلادنا, فنحن نطلق هاتين الصفتين عند الكتابة خاصة, سواء كتبنا لمدير أم وزير أم إنسان عادي نشتمه في داخلنا ولا نحترمه).

ماذا قال ملك النرويج في رسالته للمواطن الفلسطيني: " وصلتني رسالتك, فهمت تماما مشكلتك, آسف لا أستطيع مساعدتك, لان مشكلتك لا تقع ضمن صلاحياتي, أتمنى لك حظا سعيدا في بلادي"

التوقيع/

هارالد

ملك النرويج

هنا بعد العاشرة مساء, محظور على السكان رفع صوت الراديو أو التلفزيون, بحيث يزعج جيرانك, وإلا اصبح من حق الجار, الإتصال بمكتب خاص( منع الإزعاج).

هنا إذا كانت لدى مواطن مناسبة عامة, كحفلة زواج أو عيد ميلاد, مما يستدعي زوارا كثيرين, وبالتالي موسيقى وإزعاج, فهذا من حقه, ولكن يتحتم عليه, وضع إعلان على مدخل البناية قبل ثلاثة أيام, يحدد فيه اليوم والساعة من .... إلى... وبالتالي من لا يريد سماع هذا الإزعاج من السكان, يمكنه البقاء خارج البناية تلك الساعات المحددة له مسبقا.

هنا طوال عشرة سنوات من إقامتي قي النرويج, لم يحدث أن رأيت أو سمعت أو قرأت عن رجل أمن رفع يده وضرب مواطنا, أو إلقائه على الأرض ورفص في بطنه, وهذا أضعف( الضرب) في بلادنا.

في الزيارة الأخيرة لأوسلو التي قام بها الرئيس عرفات والرئيس كلينتون ورئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك, قبل الزيارة  صرح رئيس حزب أو جماعة RV  ( الثورة اليسارية) وهو شاب في الثلاثين من عمره, صرح للصحافة علنا: ( أصدرت أمرا بإعتقال الرئيس كلينتون لمحاكمته على كافة جرائمه بحق البشرية).

فهل تحركت الشرطة بشكل منسق؟ لا... لأن ما قام به حتى تلك اللحظة, كان مجرد ( كلام في كلام), الكلام هنا كما يقول المثل عندنا ( ما عليه حساب) والمثل يقصد بالنرويج, أما في بلادنا فالكلام... مجرد كلام عليه حساب وغالبا عسير....

وجاء السيد كلينتون إلى أوسلو, وفي اليوم الثاني لزيارته, وموكبه يتحرك نحو القصر الملكي في أوسلو, واجهته مظاهرات عنيفة جدا, من ضمنها مظاهرةRV ولما حال زعيم الجماعة الوصول إلى سيارة كلينتون لإعتقاله حسب ما وعد قبل أيام, بطحته الشرطة أرضا, وقيدت يديه, وقادوه لمخفر الشرطة... وظهرت صحف أوسلو في اليوم التالي بمانشيت عريض يقول: " زعيم RV هدد بإعتقال كلينتون, فأعتقلته الشرطة" بقى في الحجز يومان, وخرج بدون تأنيب وبدون محاكمة, لإنه لم يرتكب جريمة, لكنه يواصل الآن رفع قضية ضد الشرطة, لأنها عندما بطحته أرضا, ووثقت يديه, نتج عن ذلك كدمات, أضرت به, وحصل من طبيبه على شهادة مرضية, تخوله التغيب عن العمل ستة أيام, وبالتي الحق في محاكمة ( مقاضاة) الشرطة.

ما العبرة؟ ما الموعظة؟

ما العبرة من كل هذه الأمثلة.. العبرة أيها السادة, أن الإنسان ينبغي أن يكون أغلى مانملك, ومالم يعش المواطن حرا كريما.. لا يخاف رجل الأمن ولا يتوسل عبر الواسطة وينام مطمئنا قرير العين, دون ذلك لن نبني وطنا حرا كريما..

إلى كل من يهمه الأمر...

أيها السادة ... هل تقبلون لشعبنا بعد كل هذه التضحيات الجسيمة عبر ما يزيد عن ثمانين عاما, أن يؤسس( دولة) تكون( فوتي كوبي) عن دول الشرق الأوسط... كل واحد فيكم.. كل واحد فينا, يحتكم إلى ضميره, لن يقبل ذلك... وكل( وطن)... وكل( دولة) ونحن بخير...!.

إطبـــــــع  ارسل الصفحة الى صديق إحفظ الصفحة