أضواء على أزمة حركة حماس في الأردن

يلاحظ المتابع الموضوعي الجرئ لأزمة حركة حماس في الأردن, أن القضية طالها العديد من التشنجات والتعليمات الخاصة من بعض ممثلي لحركة حماس, والوسطاء بينها وبين الحكومة الأردنية, مما جعل القضية الأزمة, تبدو وكأنها معقدة, رغم أنها في رأيي على ضوء القانون والدستور الأردنيين, قضية سهلة وبسيطة, ولا تحتاج لأي وساطات, لأن أغلب الذين قاموا بهذه الوساطات من قيادات العمل الإسلامي في الأردن, وخاصة جماعة الأخوان المسلمين, كانوا يسعون بلا شك وبصدق لإنهاء الأزمة, إلا أنهم كانوا يسعون أيضا من خلال ذلك لإعطاء الإنطباع بأن للإخوان المسلمين ثقلا جماهيريا وسياسيا, أكبر بكثير مما هو في الحقيقة, وقد ظهر ذلك في العديد من التصريحات الإنفعالية, وفي خطب بعض أئمة المساجد, فقد قال أحدهم في خطبة يوم الجمعة ما معناه( أن كل الشعب الأردني يؤيد حركة حماس في أزمتها مع الحكومة الأردنية).

والسؤال المنطقي هو: هل هذا صحيح؟ هل قام ذلك الخطيب( غفرالله له) بإستفتاء شمل كل الشعب الأردني, كي يصل إلى هذا الإستنتاج؟ لا يمكن لعاقل أن يصدق أن هناك حزباً أو حركة أو جماعة سياسية في الأردن, أو في فلسطين أو في أي بلد في العالم, يحظى على تأييد الشعب كله, المشكلة تكمن في أسلوب غير سائد ولا مقبول في الحياة السياسية الغربية, هنا مثلا في النرويج, وهي ذات نظام ملكي مثل الأردن, لا يجرؤ أي متحدث باسم أي حزب أن يقول: ( إن حزبه يحظى بتأييد كافة الشعب) وإلا لوجد فعلا... وأؤكد فعلا.... العشرات يرفعون ضده قضايا أمام المحاكم, لانه إفترى عليهم, وهم ليسوا من مؤيدي حزبه.

أساس الأزمة

وعودة إلى قضية – أزمة حركة حماس, فقد كان أساسها إعتقال السلطات الأردنية لعدد من أعضاء الحركة من بينهم خالد مشعل, رئيس المكتب السياسي للحركة, وعبد الله غوشة, الناطق الرسمي بإسمها, وكان من بين التهم الموجهة إليهم, حسب أقوال المدعي العام الأردني, تخزين أسلحة بشكل غير مشروع, والقيام بنشاطات سياسية عبر واجهة جمعيات خيرية غير مرخصة, والقيام بتدريبات عسكرية فوق الأراضي الأردنية, وفي مرحلة لاحقة, صرح ناطق باسم الحكومة الأردنية, ( أن حكومته لن تسمح ضد السلطة الفلسطينية انطلاقا من الأراضي الأردنية, لان هذا تدخل في شؤون الغير, نحن لا نرضاه, كما أن الواجب يقتضي دعم السلطة الفلسطينية, وهي بصدد مباحثات الوضع النهائي مع إسرائيل).

وأعتقد إنه هنا يكمن الأساس والسبب للمشكلة, وهو أن حركة حماس, كتنظيم فلسطيني, ليس من حقه التواجد والعمل انطلاقا من الأراضي الأردنية, حسب القانون الأردني, وحسب قانون الأحزاب الأردنية الذي سنه ووافق عليه مجلس الأمة الأردني, ويعمل بموجبه ما لا يقل عن خمسة وعشرين حزباً أردنياً, ولا يجوز لأي مواطن أردني فرعا أو إمتداداً لحزب أجنبي, سواء كان عربيا أم غربيا, وقد واجه هذه المشكلة قبل سنوات قليلة, حزب البعث في الأردن, عندما أراد تمييز نفسه, بأنه تابع لفرع العراق, وليس لبعث سوريا, فقد رفضت لجنة ترخيص الأحزاب في وزارة الداخلية, لإنه لا يجوز أن يكون فرعا أو إمتدادا لحزب غير أردني, وقد وافق بعثيو الأردن على ذلك. وإختاروا إسماً محايداً لحزبهم.

وهذا يعنى أن السيدين خالد مشعل وعبد الله غوشة, كمواطنين أردنيين لا يجوز ولا يحق لهما أن يكونا أعضاء في حركة حماس الفلسطينية, طبقا للقانون والدستور الأردنيين, كما إنه لايجوز لحركة حماس الفلسطينية العمل من الأراضي الأردنية ضد السلطة الفلسطينية أو إسرائيل. لإنه مع السلطة الفلسطينية تدخل في شؤون الغير, وهذا ما لاترضاه الحكومة الأردنية, لأنها لا تقبل لأي جماعة أن تعمل ضدها وتتدخل في شؤونها إنطلاقا من الأراضي الفلسطينية.

أما العمل ضد إسرائيل فهو أيضا مخالف لمعاهدة الصلح الأردنية – الإسرائيلية, الموقعة بين الدولتين والتي توافق عليها مجلس الأمة الأردني بالأغلبية.

تعقيد وتقنين الأزمة

إنطلاقا من الوضع الموضح سابقا, وضع المناطق باسم الحكومة الأردنية, القضية في إطارها الصحيح, القانوني والموضوعي, عندما صرح قبل أيام( أن المشكلة لا تحتاج إلى وساطات, فهي مشكلة قضائية بين مواطنين أردنيين والقضاء الأردني, لذلك لا أساس للطرح القائل بإبعاد خالد مشعل وعبد الله غوشة من الأردن, لانهما مواطنان أردنيان, ولا يجوز أبعادهما عن وطنهما لأي سبب).

هذا هو الطرح المنطقي, وإنطلاقا منه, لم يسمح لمصطفى أبومرزوق عضو المكتب السياسي للحركة, بدخول الأردن, عندما عاد مع ستيل وغوشة من إيران قبل أسابيع, وتم إبعاده للإمارات, ومنها توجه إلى سورية حيث يقيم الآن.

وربما يحتج البعض من أنصار حماس على هذا الطرح بالقرب من وجود حماس كان بعلم السلطات الأردنية وموافقتها, وربما يكون هذا صحيحا, لكنه حسب الرؤية الأردنية السابقة, كان خطأ وتصحيح الخطأ أفضل من استمراره, ومن زاوية ثانية, لماذا تريد وتصر حركة حماس على الحصول على مكاسب خاصة بها في الأردن, وهي ممنوعة عنها في وطنها, في الأراضي الفلسطينية, فهي كتنظيم فلسطيني ليس مسموحا لها في الأراضي الفلسطينية, إلا بالنشاط الإعلامي والسياسي وهو محدد أيضا بعدة ضوابط أهمها أن لا يكون موجها ضد السلطة الفلسطينية, وان لا يثير الفتنة والشغب والاضطراب, وأن لا يعطي إسرائيل الذريعة لأي عمل ضد السلطة الفلسطينية والشعب الفلسطيني, ولماذا الإستقواء على الأردن والسلطة الفلسطينية, فسوريا حليفة حركة حماس, لا تسمح لها بأي عمل عسكري ضد إسرائيل, ولا حتى بأي نشاط إعلامي ذي صوت عال... وحتى إيران الحليفة الأساسية, لو كانت دولة حدودية مع إسرائيل لضيقت على حركة حماس أكثر من السلطة الأردنية والأردن, ولكن( من يده بالماء غير من يده بالنار).

رؤيا للحاضر والمستقبل

كل ما سبق لا يعنى أنني أعادى حركة حماس, فأنا أحترم كل قياداتها, ولكن المسألة هي في فهمنا للديمقراطية, إذا أخذنا الساحة الفلسطينية مثلا: ففيها سلطة تنفيذية وسلطة تشريعية منتخبة, واتفاقيات السلام وافقت عليها السلطات التنفيذية والتشريعية.. بما فيها إلغاء بعض بنود الميثاق الوطني الفلسطيني, فهل من حق أي حركة أو حزب الشذوذ عن الخط العام, القفز فوق كل القوانين, حتى ولو كان ذلك باسم( تحرير فلسطين)... السؤال: هل نريد أن نؤسس مجتمعا مدنيا, تحمه المؤسسات أمْ نظل نعيش تحت حكم فئوي فردي, ألم تحتج حركة حماس مراراً وتكراراً على التجاوزات التي يرتكبها بعض مسؤولي الأمن وعدم تنفيذهم لبعض قرارات السلطة القضائية؟ إن حركة حماس معها كل الحق في إحتجاجاتها هذه, لكنها تقوم بممارسة نفس التجاوزات, عندما تمارس أنشطة يحظرها القانونان الفلسطيني والأردني.

لذلك, فالمساهمة في تأسيس مجتمع مدني مؤسساتي, يحكم فيه القانون, والقانون وحده, يحتم على حركة حماس, التوقف نهائيا عن أي نشاط مهما كان نوعه في الساحة الأردنية, فهذا محظورا عليها كتنظيم فلسطيني, لأنني اعتقد أن السلطة الفلسطينية, لن تسمح لأي حزب من أحزاب المعارضة الأردنية بفتح مكتب له في رام الله أو في  غزة, حتى ولو اقتصر على النشاط الإعلامي, وهذا من حق السلطات الأردنية, أن تمنع أي تنظيم فلسطيني من أي وجود رسمي معترف به فوق أراضيها.

أما في الساحة الفلسطينية فليس أمامها إلا التحول إلى حزب سياسي يعمل حسب القوانين الفلسطينية, وتعمل جاهدة على كسب أوسع قاعدة جماهيرية تمكنها من تحقيق الأغلبية في المجلس التشريعي الفلسطيني, لن تمر إلا القوانين والتشريعات التي ترضاها هي, حتى لو تمكنت من إلغاء أية قوانين وإتفاقيات.

لذلك – وسيرا حثيثا نحو الوصول إلى تلك المرحلة – كانت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أكثر قدرة في إلتقاط أو الإمساك بالشعرة الدقيقة, وهي إستمرار معارضتها لإتفاقيات أوسلو, وأغلب ما تفرع عنها, من خلال العمل من داخل مؤسسات السلطة الفلسطينية, وعلى هذا الأساس كان حوارها مع السلطة في عدة أماكن, كان آخرها القاهرة, وعلى أثر ذلك, كانت عودة نائب أمينها العام الأستاذ أبوعلي مصطفى, وتشبث الجبهة الشعبية بذلك, أن لكل مرحلة تكتيكاتها وبرامجها, فالمعارضة اللفظية من دمشق, لن تجدي, أما المعارضة من داخل الوطن ومن داخل مؤسسات السلطة الفلسطينية, فمهما كانت مكاسبها محدودة الآن, إلا أن مكسبها الإستراتيجي, هو المساهمة في إرساء أسس مجتمع ديمقراطي مؤسساتي, عبر العمل والإصرار المتواصلين, لابد أن نصل إليه, فلايليق بشعبنا بعد كل هذه التضحيات, إلا مجتمع يحترم الإنسان, ويحترم فيه الإنسان القوانين والتشريعات.

أهمية هذا النهج لحماس

إن هذا النهج إن تم بينيه من قيادة حركة حماس, فهو مكسب استراتيجي لها, يمكنها من العمل علنا وبحرية وسط الجماهير الفلسطينية, خاصة أنها – كما أعتقد – تعرف بوضوح مطلق, أن عدة عمليات عسكرية, هامشية أو جوهرية, ضد إسرائيل من أي متر من الأراضي الفلسطينية المحتلة.

لذلك فإن العمل ضمن الأُطر الشرعية الفلسطينية سوف يدعم حماسا جماهيريا, لإنه يمكنها من العمل العلني الحر حسب القوانين والتشريعات, كما يدعم السلطة الفلسطينية, وقد شرعت في مباحثات الوضع النهائي, التي سوف يترتب عليها شكل وحدود وملامح الوطن الفلسطيني القادم.

الحياة الجديدة – رام الله, 17 نوفمبر 1999م.

إطبـــــــع  ارسل الصفحة الى صديق إحفظ الصفحة