![]() |
والتجربة الإيرانية
راجت في ربع القرن الماضي
أطروحات (الدولة الإسلامية) مع الربط بأنها الحل الوحيد لمشكلات العرب والمسلمين،
وكان وما يزال (حزب التحرير الإسلامي) من أشد المدافعين عن هذه الفكرة منذ تأسيسه
قبل نصف قرن تقريباً، هي عمر الحزب ذاته، ودخل على خط هذا التنظير عدة أحزاب
وتنظيمات ترفع الشعارات الاسلامية، عبر شعار واحد، هو (الإسلام هو الحل)... ومنذ
إنهيار الخلافة الراشدية، نسبة للخلفاء الراشدين الأربعة الأوائل، تحول الحكم
العربي الإسلامي، إلى حكم العائلة المتسلطة، سواء (بني أُمية) أو (بني العباس) رغم
إعطاء الحاكم الفرد لقب (الخليفة) وإن حصل على الحكم عبر قتله لإخيه أو نفيه
لوالده، وسط تحكم النساء والجواري في سياسات العديد من هؤلاء الحكام، إلى أن
إستولى على السلطة (بني عثمان) مطلقين على إمتداداتهم الجغرافية إسم (الخلافة
العثمانية) ، وعبر هذه التسمية، تمكنوا من توسيع حدود دولتهم إلى حد تسمية
(الإمبراطورية) عبر سياسة إتسمت بقع شعوب تلك الإمبراطورية، ومصادرة حرياتهم،
وإرتكاب المجازر بحقهم، كما حدث في عدة أقطار عربية، ضمن جغرافية تلك
الإمبراطورية، لهذا يعتبرها العديد من الباحثين (إمبراطورية مستبدة) لا علاقة لها
بروح الإسلام وتعاليمه السمحة، وإن كانوا قد أوصلوا الإسلام إلى العديد من الأمصار
الجديدة... وهذا ما جعل بعض الدارسين، يرون أنه منذ إنهيار الخلافة الراشدية، لم
تقم دولة إسلامية حقيقية... وحتى زمننا المعاصر.
والتجربة الوحيدة التي تستدعي
التوقف عندها، هي تجربة (جمهورية إيران الإسلامية)، التي أعلنها آية الله الخميني
عام 1979. وأستبشر العرب والمسلمون خيراً خاصة أن إسقاط نظام شاه إيران كان
إنجازاً هائلاً، وتدريجياً بدأت الجمهورية الناشئة ذات الصفة الإسلامية، تميل إلى
تجميع كافة السلطات القضائية والتشريعية والتنفيذية في يد رجال الدين، متزامنا مع
إقصاء ونفي وسجن الخصوم السياسيين وإثارة ما يشبه الفوضى الفقهية عبر الجدل
والخلاف الواسعين حول (ولاية الفقيه) التي اختلف حولها رجال الدين الشيعي
أنفسهم... وتدريجياً أصبحت سمة الجمهورية الإيرانية النشائة، القمع والاستبداد،
دون أن تفلح جهود الرئيس خاتمي طوال السنين الخمس الماضية، في تخفيف شدة قبضة رجال
الدين المحافظين منهم خاصة، مما أدى إلى إندلاع مظاهرات الطلبة العنيفة، طوال شهري
حزيران ويوليو الماضيين وقد نتج عنها عنف بالغ الخطورة، ثم على هامشها قتل الصحفية
الايرانية حاملة الجنسية الكندية بصورة بشعة أثناء التحقيق، وما تزال مشكلتها
عالقة بين الحكومتين الإيرانية والكندية.
أما التطور الجدية المفاجئ
والمدهش في الحدث الإيراني فهو الكشف عن نشاطات (حسين الخميني) حفيد مرشد الثورة
الإسلامية، آية الله الخميني، فهذا الحفيد البالغ من العمر [45] عاماً كان قد هرب سراً من إيران، ومن مدينة (قم) تحديداً في نهاية
شهر يوليو تموز الماضي خوفاً من الإغتيال على يد الإستخبارات الإيرانية، وهو يقيم
في العراق منذ عدة أيام... والمثير هو التصريحات التي أدلى بها حفيد الخميني
لصحيفة (نييورك تايمز) إذ إعتبر الحملة الامريكية على العراق. (تحريراً) للعراق،
وإنتقد بعنف دعوات بعض شيعة العراق لإقامة دولة إسلامية، معتبرهم مخطئين أو تعرضوا
للتضليل، ولا يعرفون الفشل الذي آلت إليه تجربة الدولة الإسلامية في إيران... وقال
بصراحة عن هذه التجربة (إذا ولدت الحرية بسبب ضغط من الداخل، فهو تطور يمكن
الترحيب به، أما إذا جاءت من الخارج، من الولايات المتحدة الامريكية مثلاً، فالشعب
الإيراني سوف يرحب بها ... وانا كإيراني سأُرحب بها)... وقال علنا إنه (مستعد
لقيادة طليعة من الملاي لمواجهة الحكومة الإسلامية الإيرانية، التي إستخدمت الدين
كشكل من أشكال الإضطهاد... وإن الإستبداد الديني أسوأ الديكتاتوريات وهو أسوأ من
النازية والشيوعية... وهذا وقد شكر حفيد آية الله الخميني على أن أبواب الحرية قد
فتحت أمام الشعب العراقي الذي عانى لمدة [35] عاماً من أسوأ أشكال القمع والعزلة). مطالباً بفصل الدين عن
الدولة وعدم تدخل رجال الدين في حياة الناس.
إن تصريحات حفيد الخميني هذه،
وتطور الأحداث الداخلية في إيران، يعض تجربة ما أُطلق عليه (الجمهورية الإسلامية)
موضع البحث والنقاش ليس في إيران فقط، ولكن في كل الدول التي ينادي البعض فيها
بقيام أنظمة دينية... فالأنظمة ليست بمسمياتها، ففي زمن الخلفاء الرائدين الأربعة
الأوائل، بعد عصر الرسول (ص) لم يطلقوا على أنظمتهم صفة (إسلامية) لكنهم أسسوا
مجتمعات سمتها العدل والحرية المساواة والشورى... وكل من جاء بعدهم، إستعمل صفة
الإسلامية لحكمة دون جوهر الإسلام، فشاع القمع والإستبداد ومصادرة الحريات، بإسم
دين عظيم، قال فيه الله تعالى لرسوله (ص): (أفأنت تُكره الناسَ أن يكونوا مؤمنينْ)
لذلك لا أمل ضمن المعطيات السائدة في قيام (أنظمة إسلامية) الروح والجوهر.